بعد إجبار المقاومة الفيتنامية الجيشَ الأمريكي على الانسحاب التدريجي من أراضيها سنة 1973، ثم الانسحاب النهائي سنة 1975 إثر سقوط مدينة سايغون في يد المقاومة، لم تستسغ الجهات المؤيدة للتدخل الأمريكي في فيتنام الهزيمة. فبادرت هوليوود إلى العمل إعلاميًا من أجل إعادة الاعتبار للجيش الأمريكي، فأنتجت، بعد سبع سنوات لاحقًا، أي سنة 1982، سلسلة أفلام الإثارة الخيالية «رامبو». هذا البطل الأسطوري الذي أعاد، سينمائيًا، لأمريكا بطولاتها أمام العالم على إثر هزيمتها في فيتنام.
كما قام رامبو ببطولات في عدد من مناطق التوتر في العالم، التي لأمريكا تدخل فيها مباشر أو غير مباشر، إضافة إلى بطولات أخرى تهدف إلى حماية الفرد الأمريكي. وحتى سنة 2019، ظلت الصناعة السينمائية الأمريكية تنتج هذا البطل وتعيد إنتاجه في شخص الممثل والمخرج والمنتج سيلفستر ستالون، الذي، رغم الشيخوخة، واصل صناعة أمجاد لأمريكا على الشاشة.
لكن حين بدأت هذه النسخة من البطل الأسطوري رامبو في التلاشي ويتقلص بريقها، خلقت هوليوود نسخًا عصرية جديدة لرامبو، من أبرزها سلسلة أفلام «المعادل» (The Equalizer)، من بطولة الحاصل على جائزة الأوسكار سنة 2002 عن فيلم «يوم التدريب» (Training Day)، دينزل واشنطن، الذي عرفته الشاشة مخرجًا ومنتجًا وممثلًا في عدد من الأفلام المتميزة.
في سلسلة أفلام «المعادل»، وظفت الصناعة السينمائية الأمريكية شخصية دينزل واشنطن في تحسين صورة أمريكا في العالم، وإثبات قدرة الإنسان الأمريكي على حل المشكلات الداخلية والخارجية، وحماية الفرد الأمريكي ومنحه الثقة لتخطي كل الصعوبات، بل وإبراز قدرته على اختراق حتى أشد الأنظمة خطورة في العالم.
كان المرشح لأداء دور الشخصية الرئيسية في هذه السلسلة، روبرت ماكول، العميل السابق في القوات الخاصة الذي زوّر موته ليعيش في بوسطن بهدوء بعد تقاعده الاختياري، هو الممثل النيوزيلندي راسل كرو سنة 2010، لكن بعد سنة أُعلن أن دينزل واشنطن هو من سيقوم بالدور بدلًا من راسل كرو. كما تم استبدال المخرج الدنماركي نيكولاس ويندينغ ريفن، الذي انسحب قبل وقت قصير من بداية التصوير، بالمخرج الأمريكي أنطوان فوكوا. ونظرًا لهذه التغييرات، لم يبدأ تصوير الفيلم الأول من الثلاثية إلا في منتصف سنة 2013.
بلغت ميزانية إنتاج فيلم «المعادل» الأول 55 مليون دولار، وبعد عرضه في قاعات السينما سنة 2014، حقق مداخيل بلغت 100 مليون دولار داخل الولايات المتحدة، و90 مليون دولار خارجها. وقد عُرض فيلم الإثارة والحركة «المعادل» لأول مرة سنة 2014 في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي بكندا. وهو مقتبس من مسلسل تلفزيوني عُرض في ثمانينيات القرن الماضي ويحمل الاسم نفسه «المعادل»، من تأليف مايكل سلون وريتشارد ليندهايم.
في الجزء الأول من الفيلم، يعمل روبرت ماكول (دينزل واشنطن) عاملًا عاديًا في متجر كبير لمواد البناء. يساعد إحدى زميلاته في العمل، أمينة صندوق المبيعات، على استرجاع خاتمها الذي ورثته عن أمها، بعدما انتزعه منها مهاجم هدّدها بمسدس بعد أن سرق مداخيل الصندوق. كما ساعد أحد زملائه، المنحدر من أصول أمريكية لاتينية، على تخفيض وزنه ليصبح حارسَ أمن، وساعد أيضًا والدة هذا الأخير على التخلص من بعض أفراد الشرطة الذين ابتزوها ماليًا من خلال إحراق مطعمها الصغير.
روبرت ماكول شخصية انعزالية، يعيش وحيدًا بعد فقدانه زوجته، ومدمن على قراءة الكتب، ويمارس انضباطًا عسكريًا كفرد مدني، من خلال الحرص على النظافة والترتيب داخل البيت وخارجه. حتى شرب الشاي يمارسه بطقوس خاصة، إذ يحضر من بيته، حين يقصد المقهى المجاور، كل لوازم الشاي، ولا يطلب من المقهى سوى الماء الساخن.
في المقهى، يتعرف على فتاة يافعة تُدعى ألينا (كلوي غريس موريتز)، تستغلها عصابة روسية في الدعارة. وعندما تمتنع عن ممارسة الدعارة مع زبون عنيف، تتعرض لضرب مبرح يدخلها في غيبوبة بالمستشفى. يعرض روبرت ماكول على رئيس العصابة كل مدخراته، البالغة 9800 دولار، مقابل حرية ألينا، لكن القوّاد يرفض العرض، فتندلع معركة سريعة الإيقاع يقتل فيها روبرت ماكول جميع أفراد العصابة الموجودين في الغرفة، بمن فيهم رئيس العصابة نفسه.
يصل خبر المجزرة إلى زعيم العصابة الأعلى في موسكو، فيرسل خبيرًا مع فرقة خاصة لمطاردة روبرت ماكول. وتنتهي المطاردة بمقتل جميع أفراد الفرقة الخاصة، ثم بمقتل رأس العصابة في مقر سكناه بموسكو، وتتحرر ألينا وتعود إلى مقاعد الدراسة.
في الجزء الأول من كلا الفيلمين، «المعادل» و«رامبو»، تسير الأحداث في مسار متشابه، وإن اختلف الزمان والمكان. فكلا البطلين منطوٍ على نفسه، يحاول العيش حياة هادئة، لكن ما يجري حوله يدفعه إلى الخروج من عزلته لمساعدة المحتاجين والمتضررين من ظلم جهة ما. كما يلتقي الفيلمان في محاربة العدو الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية؛ فرامبو يحارب القوات السوفياتية في الجزء الثاني من سلسلته، بينما يحارب المعادل المافيا الروسية، لينتهي الصراع دائمًا بانتصار البطل الأمريكي.
كما يغير رامبو وظائفه ومكان إقامته، يغير بطل «المعادل» هو الآخر أعماله ووظائفه. في هذا الجزء الثاني، يعيش روبرت ماكول وحيدًا في شقة بولاية ماساتشوستس، ويعمل سائقًا في شركة «ليفت». وبدعم من صديقته المقربة وزميلته السابقة في الاستخبارات، سوزان بلامر (ميليسا ليو)، يسافر ماكول في المشهد الافتتاحي للفيلم بالقطار إلى إسطنبول، متقمصًا شخصية رجل مسلم محافظ، لإنقاذ ابنة صاحبة مكتبة كان يتردد عليها، بعد أن اختطفها زوجها التركي السابق. ويعيد ماكول الطفلة إلى أمها دون أن تعلم هذه الأخيرة هوية منقذها.
إنها قصة إنقاذ تتقاطع مع فيلم «رامبو: الدم الأخير» (2019)، حيث ينقذ رامبو الفتاة غابرييلا، حفيدة ماريا مدبرة منزله، بعد اختطافها من قبل تجار البشر الذين يبيعون الفتيات الصغيرات للدعارة القسرية في المكسيك.
في عملية أخرى، يظهر تقابل ناعم بين شخصيتين: المسلم التركي العنيف الذي يختطف ابنته، واليهودي سام روبنشتاين المسالم، أحد الناجين من محرقة النازيين في الحرب العالمية الثانية، الذي يبحث عن شقيقته التي افترق عنها عندما رحّلهم النازيون إلى معسكرات مختلفة، وعن لوحة رسم لأخته بيعت في مزاد علني، لعدم تمكنه من إثبات ملكيته القانونية لها. في نهاية الفيلم، يمكن روبرت ماكول سام من اللقاء بشقيقته بفضل معلومات سوزان عن اللوحة.
يتخلل الفيلم عدد من الأحداث الصغيرة التي ينتقم فيها روبرت ماكول للمظلومين، مثل إنصاف فتاة تعرضت لمعاملة وحشية من طرف مجموعة من الشباب الأثرياء، أو إنقاذ الشاب الأسود مايلز من الانخراط في عصابة إجرامية تسعى للانتقام لأخيه. وبما أن لمايلز موهبة فنية، يعود في النهاية إلى المدرسة ويركز على دراسته. كما يتضامن مع امرأة هندية مسلمة دُمرت حديقتها الصغيرة للخضروات في بهو العمارة.
غير أن الحدث الأساسي في الفيلم يتمثل في مقتل سوزان، صديقته المقربة وزميلته السابقة في الاستخبارات، في اعتداء جسدي مدبر. وبعد اكتشاف ماكول أن ديف يورك، زميله السابق في الاستخبارات، هو مدبر عملية القتل، تتطور الأحداث إلى مواجهة دامية في مدينة مسقط رأس ماكول الساحلية، في ظروف إعصار رهيب. وهناك يقضي ماكول على ديف يورك وفرقته الخاصة مستخدمًا أدوات بسيطة بدل الأسلحة النارية، ويحرر مايلز الذي كان رهينة للضغط عليه.
يجسد «المعادل» صورة البطل الأمريكي المثالي، الأخلاقي والمنضبط، الذي يقف إلى جانب المستضعفين، ويتولى تطهير التراب الأمريكي من الأشرار، سواء كانوا داخل الحكومة أو خارجها، بل ويتجاوز ذلك إلى المبادرة حيث تعجز الدولة عن كشف الفساد داخل منظومتها.
في الجزء الثالث من فيلم «المعادل: الفصل الأخير»، تدور الأحداث خارج التراب الأمريكي، لكن في ارتباط دائم بالوطن الأم. يفتتح الفيلم بمجزرة ينفذها روبرت ماكول في إحدى ضيعات صقلية، حيث يقضي على عصابة سورية إرهابية لتهريب المخدرات، في إطار بحثه عن أموال مسروقة إثر هجوم إلكتروني على حساب رئيس البناء المتقاعد غريغ داير.
بعد العملية، يصاب ماكول برصاصة في ظهره يطلقها طفل، حفيد زعيم العصابة. لكنه لا يرد بإطلاق النار عليه، بل يطلق طلقات في الهواء، في تجسيد دلالي لفكرة أن نزعة العنف والانتقام لدى «الشرقي» تبدأ منذ الطفولة.
ينجو ماكول بصعوبة، وينقذه ضابط الدرك جيو على طريق ساحل نابولي. وفي بلدة صغيرة على ساحل أمالفي، مسقط رأس جيو، يتلقى العلاج على يد الطبيب المحلي إنزو أريزيو. خلال فترة النقاهة، تنشأ علاقة احترام بينه وبين سكان البلدة، ويكتشف أنهم يعانون من ترهيب عصابة كامورا نابولية. فيقرر رد الجميل باستخدام مهاراته للقضاء على الظلم المحلي.
بعد القضاء على العصابة وزعيمها فينسنت كوارانتا، يعيد ماكول المال المسروق إلى غريغ داير بمساعدة إيما (داكوتا فانينغ)، ابنة سوزان بلامر. وتحتفل البلدة بانتصار فريقها لكرة القدم، ويستقر ماكول في إيطاليا.
في هذا الجزء الأخير، تتجسد مرة أخرى فكرة قوة الفرد الأمريكي القادر على حل مشاكل العالم، حتى خارج بلده، في مقابل عجز المجتمعات المحلية. وهي رؤية تتقاطع مع أفلام الكاوبوي الحديثة، حيث يعاني مجتمع صغير من جور العصابات إلى أن يفد عليه غريب ينهي معاناته ويعيد التوازن لحياته.
المصدر:
هسبريس