في فضاء رقمي يعج بالمحتويات المتشابهة والمتسارعة، استطاعت صانعة المحتوى المغربية ربيعة الإدريسي فهمي أن تحجز لنفسها مقعدا وثيرا في هواتف المغاربة، وتخلق لنفسها بصمة خاصة عبر خاصية “الريلز” على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”.
سر نجاح ربيعة لا يكمن في تقنيات تصوير سينمائية معقدة، بل في “الوصفة السحرية” التي تعتمدها في السرد؛ فهي تطل على متابعيها بلهجة دارجة مغربية بسيطة، مغلفة بلكنة مراكشية محببة، وباسترسال لغوي يبتعد عن الرتابة المملة، وتدفق معلوماتي يتفادى الغزارة التي تضيع معها الفكرة، دون أن تسقط في فخ الشح الذي يفرغ الموضوع من محتواه.
تبسيط المعقد بلسان “بنت الشعب”
تعتمد الإدريسي منهجية “السهل الممتنع” التي جعلت فئات واسعة من المغاربة، بمختلف مستوياتهم التعليمية والثقافية، يقبلون بنهم على مقاطع الفيديو التي تنتجها.
فهي تملك قدرة فريدة على تفكيك المواضيع المعقدة، فتعود إلى جذور الحكايات، وتنبش في أصل الأشياء، وتنسج “بورتريهات” دقيقة عن شخصيات مؤثرة، بل وتذهب إلى حد تفسير تشابكات العلاقات الدولية والأحداث الجيوسياسية، مقدمة إياها في قالب مبسط يفهمه الجميع.
ومن الناحية التقنية، تختار ربيعة أسلوب توضيب (مونتاج) بسيط لكنه فعال؛ حيث تظهر بوجهها في أسفل إطار الفيديو، تاركة المساحة الأكبر مسرحا للصور واللقطات التي تخدم الموضوع، فتتدفق المشاهد بتناغم تام مع كلماتها، مما يسهل عملية التلقي والفهم.
قاموس لغوي مميز
ما يميز ربيعة الإدريسي ليس فقط “ماذا تقول”، بل “كيف تقوله”. فهي تحيي معجما لغويا شعبيا كاد أن يندثر، موظفة عبارات عامية دقيقة للربط والتفسير تضفي نكهة فكاهية وساخرة على الجدية التي تطبع مواضيعها.
ومن بين العبارات التي أصبحت بصمة خاصة بها: “البهلان والكذوب والسحاسح”، “صنعو كذبة كبيرة”، “اللعاقة”، “تيحلف ويعطي لقلبو”، “ضربة مقصية فودنين بيبي”، وعبارة “مقاطعة الما والزغاريت”، وصولا إلى وصفها الطريف لأحد الكواكب بـ”هذا الكوكب عندو راجل مو”.
هذا القاموس الشعبي جعل المحتوى قريبا من الوجدان المغربي، وكاسرا لحاجز الجمود الذي يطبع عادة المحتويات التثقيفية.
ذكاء وتمرير لرسائل سياسية
لم يمر هذا الأسلوب دون أن يحصد إعجاب الآلاف، حيث تنهال التعليقات المشيدة بطريقتها في الإعداد والإلقاء، حيث اعتبرها عدد من المتابعين “أفضل صانعة محتوى” حاليا، واصفين فيديوهاتها بـ”أحسن محتوى شاهدوه في حياتهم”.
ولم تخلُ التعليقات من الانبهار بالشق اللغوي، حيث كتب أحدهم: “ما يعجبني فيها هو إحياؤها لمعجم ظننته انقرض، خاصة كلمة (أخّا سوء حسن حظ الدانمارك)”.
بينما التقط آخرون الرسائل المبطنة في كلامها، واصفين إياها بالذكاء والخطورة الإيجابية، حيث علق أحدهم: “خطيييرة وذكية، وفي نفس الوقت كاتحشي الهضرة لبعض الفاعلين السياسيين المفعول بهم.. واصلي طريقة سردك ممتعة”.
وفي المجمل، نجحت ربيعة الإدريسي في أن تكسر الروتين وتقدم لغة جديدة في عالم صناعة المحتوى، جامعة بين الإفادة والمتعة، وبين التحليل العميق واللغة الشعبية البسيطة.
المصدر:
العمق