في جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، المنعقدة اليوم الاثنين، اختارت حكومة عزيز أخنوش مرة أخرى الالتزام الحرفي بجدول الأعمال، متجاهلة مطالب برلمانية مستعجلة بفتح نقاش آني حول الفيضانات التي تشهدها مدينة القصر الكبير وعدد من المناطق الجبلية والقروية، رغم خطورة الوضع والخسائر التي وثقتها مقاطع مصورة وشهادات ميدانية متطابقة.
اللحظة كانت واضحة داخل القاعة، حيث أن نوابا برلمانيين، استنادًا إلى مقتضيات المادة 163 من النظام الداخلي، تقدموا بأسئلة آنية تستوجب أجوبة فورية، في ظل تساقطات مطرية غزيرة وتداعيات إنسانية واجتماعية تطال السكن القروي والجبلـي، بل وحتى بعض الأحياء الحضرية. غير أن رئاسة الجلسة اكتفت بالتأكيد على أن الأسئلة “أُحيلت على الحكومة ولم تتفاعل معها”، قبل الانتقال مباشرة إلى استكمال جدول الأعمال، وكأن البرلمان غير معني بمناقشة ما يجري خارج جدرانه في الزمن الحقيقي.
هذا الموقف أعاد إلى الواجهة إشكالًا أعمق من مجرد إجراء مسطري، ويتعلق بمنطق تدبير الطوارئ داخل المؤسسة التشريعية، وحدود التزام الحكومة بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، حين يتعلق الأمر بكوارث طبيعية متكررة باتت جزءًا من الواقع المناخي للمغرب.
ففي الوقت الذي شدد فيه النائب المتدخل على أن الهدف من طرح الأسئلة الآنية هو “إخراج النقاش من الفيديوهات والفايسبوك و”الفيك نيوز” والكلام الفضفاض”، وإعادته إلى فضائه الدستوري الطبيعي، فضّلت الحكومة الصمت، وفضّل البرلمان، من حيث النتيجة، المرور إلى ما هو مبرمج، لا ما هو ملحّ.
وليس هذا السلوك سابقة في الولاية الحكومية الحالية، فقبل أسابيع، وخلال فيضانات آسفي، اكتفى رئيس الحكومة عزيز أخنوش بتعزية عابرة داخل قبة البرلمان، قبل أن ينتقل بسرعة إلى عرض طويل حول دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، دون التوقف عند حجم الفاجعة، أو الإعلان عن إجراءات استعجالية، أو تحمل مسؤولية سياسية واضحة. حينها، بدا وكأن الكارثة مجرد استهلال خطابي لا أكثر.
اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة لكن بالمنطق ذاته: تأجيل النقاش حول الكارثة، وتعليق الأسئلة الطارئة، وتغليب الإيقاع الإداري على الإيقاع الإنساني. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الآليات الدستورية المتاحة للبرلمان، إذا كانت الحكومة غير مستعدة للتفاعل معها عندما تفرض الوقائع ذلك.
إن الفيضانات، سواء في القصر الكبير أو في المناطق الجبلية والقروية، ليست حدثا عابرا ولا موضوعا تقنيا يمكن تأجيله، بل اختبار مباشر لفعالية السياسات العمومية، وجاهزية الدولة، واحترامها لحق المواطنين في المساءلة والشفافية. وحين تغيب الحكومة عن النقاش، أو تختبئ خلف جدول الأعمال، فإنها لا تكتفي بتجاهل النواب، بل تُعمّق الفجوة بين المؤسسات والواقع.
في بلد يعيش تحولات مناخية متسارعة، يصبح الصمت الحكومي داخل البرلمان، في لحظات الطوارئ، موقفا سياسيا في حد ذاته؛ موقفا لا يمكن فصله عن تراكم الإحساس بأن الكوارث تُدار بالبلاغات، لا بالمحاسبة، وبالبرمجة، لا بالاستعجال.
المصدر:
لكم