تدفقت مياه الأمطار بغزارة على شوارع مدينة القصر الكبير، حيث وجد سكانها أنفسهم عاجزين أمام قوة الطبيعة. وفي هذه اللحظات الحرجة، كانت القوات المسلحة الملكية في قلب الحدث، كعادتها، لاحتواء الأضرار وإجلاء المتضررين، في تجسيد ملموس لقدرة هذه المؤسسة على التدخل الفعال زمن الكوارث، وهي التي راكمت خبرات تاريخية منذ زلزال أكادير، مؤكدة بذلك أن دور الجيش المغربي يتجاوز مجرد تأمين حدود الوطن ليشمل الأدوار الإنسانية أيضا.
يشكل هذا الدور الإنساني، وفق مهتمين، نموذجا فريدا للجيش المغربي يزاوج بين الالتزام العسكري وحس المسؤولية تجاه المواطنين، خاصة في مواجهة الأزمات الطارئة، معتمدا على خبراته التاريخية، وقدراته اللوجستية، وسرعة التعبئة، والانضباط القيادي لتعليمات الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، ما يجعل هذه الأخيرة قوة لا غنى عنها تجمع بين البطولة العسكرية والتضحية الإنسانية.
يوسف ملحوني، خبير في تدبير الأزمات والاستجابة للكوارث ضابط سابق في القوات المسلحة الملكية، قال إن “الدور الإنساني للجيش المغربي يعد جزءا أصيلا من عقيدته العسكرية الوطنية، التي تقوم على حماية الإنسان وضمان استمرارية الدولة في مواجهة الكوارث. وقد راكمت القوات المسلحة الملكية خبرة تاريخية راسخة في هذا المجال منذ زلزال أكادير سنة 1960، مرورا بتدخلاتها الوطنية، وصولا إلى مهامها الإنسانية على الصعيد الدولي”.
وأضاف ملحوني، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الدور يُمارس بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، وفي إطار تكامل وثيق مع السلطات الترابية، والوقاية المدنية، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والجماعات الترابية، إلى جانب التعبئة الشعبية ودور المجتمع المدني. ويجسّد ذلك نموذج الجيش المواطن الذي يؤدي مهامه بروح من التجرد، والشرف، والفخر في خدمة المواطن”.
وشدد على أن “التدخل في الكوارث الطبيعية أصبح جزءا بنيويا من مهام المؤسسة العسكرية المغربية، في انسجام تام مع الاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية 2020–2030، التي تقوم على الاستباق، والجاهزية، وتعزيز الصمود. ويتم إدماج هذا الدور ضمن منظومة وطنية موحدة تضمن تعبئة منسقة ومتكاملة لجميع مؤسسات الدولة”.
وبين الخبير ذاته أن “ما يميز تدخل الجيش المغربي في الأزمات الإنسانية هو موقعه كدعامة استراتيجية داخل منظومة تنسيق متعددة المتدخلين، وليس كفاعل منفرد. ففي إطار مقاربة الدولة كمنظومة واحدة وتفعيل مخطط تنظيم الإغاثة (ORSEC)، تتكامل أدوار السلطات الترابية، والوقاية المدنية، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني، بينما يوفّر الجيش قدرات نوعية حاسمة، خاصة في المراحل الأولى الحرجة”.
وأوضح ملحوني أن “هذه القدرات تشمل سرعة التعبئة والانضباط القيادي، والاكتفاء الذاتي اللوجستي، والقدرة على تنفيذ تدخلات متعددة الوظائف في وقت واحد (الهندسة، الدعم الطبي، النقل، الإسناد اللوجستي)، إلى جانب تعزيز الاستقرار وبناء الثقة لدى الساكنة. وقد تجلّى هذا التكامل بوضوح في أحداث القصر الكبير، مما يعكس نضج النموذج المغربي في التنسيق العملياتي لتدبير الأزمات”.
قال الحسين أولودي، باحث في الجغرافيا السياسية عضو المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، إن “القوات المسلحة الملكية طالما أدت في محطات مختلفة من تاريخ المغرب أدوارا إنسانية أصيلة لا تقل أهمية عن مهامها الدفاعية؛ إذ وقفت دائما في الصفوف الأولى لمواجهة آثار الكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية بجهودها المنظمة وإمكاناتها اللوجستية الكبيرة لإغاثة المنكوبين وإنقاذ الأرواح وتقديم الدعم الطبي والغذائي، في تجسيد قوي لمعنى التضحية من أجل الوطن”.
وسجل أولودي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الأدوار الإنسانية للجيش لا تقتصر فقط على الاستجابة الطارئة، بل تمتد لتشمل المساهمة في التنمية، وجهود إعادة إعمار المناطق المتضررة من الكوارث، والحملات الطبية، والمستشفيات الميدانية في المناطق النائية خارج أوقات الأزمات، بتعليمات من الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية”.
وشدد المتحدث ذاته على أن “الجيش المغربي سجل تدخلات ناجحة لمختلف وحداته في عدة لحظات حرجة من تاريخ المغرب، آخرها فيضانات القصر الكبير، وقبلها فيضانات طاطا وزلزال الحوز، التي اتسمت خلالها هذه التدخلات بالسرعة والنجاعة والتعبئة السريعة التي تضع المؤسسة العسكرية في قلب مشاكل المواطن وتجعلها سندا قويا للدولة والمجتمع”.
وأبرز عضو المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية أن “ما يزيد من نجاعة تدخل عناصر القوات المسلحة الملكية هو التنسيق الوثيق مع باقي أجهزة الدولة من خلال خلايا تنسيق تعمل على زيادة فعالية التدخلات وتلافي ازدواجية الاشتغال”، مؤكدا أن “المؤسسة العسكرية، في شخص الملك محمد السادس، أبانت في عديد المحطات عن حس إنساني وأخلاقي عالٍ، مما يؤكد أن هذه المؤسسة ليست فقط درعا حاميا للوطن، ساهرا على أمن الحدود، بل هي أيضا سند إنساني للمواطن في أوقات الشدة ومؤسسة تتمتع بروح المسؤولية”.
المصدر:
هسبريس