في الأيام الأخيرة، لم يعد موضوع الهجرة مجرد خبر عابر في مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة بالنسبة لشباب جهة الشرق، بل تحول إلى حديث يومي يملأ المقاهي والأحياء الشعبية، ويشغل العقول والقلوب، بعد أن قرر مجلس الوزراء الإسباني المصادقة على مرسوم ملكي يتيح مسارا سريعا لتسوية أوضاع نصف مليون مهاجر، كان كشرارة أشعلت أحلاما مؤجلة لدى آلاف الشباب الذين يرون في أوروبا أرضا للفرص وتحقيق الأحلام.
وبينما يقرأ الإسبان القرار في سياق إدماج المهاجرين في سوق الشغل، يقرأه شباب جهة الشرق كنافذة أمل جديدة، حتى لو كان الوصول إليها عبر قوارب “الفانطوم” التي تديرها شبكات الهجرة غير النظامية لا تضمن النجاة، رغم بلوغ ثمن الرحلة إلى إسبانيا حوالي 12 مليون سنتيم.
بوابة نحو الحلم
على امتداد الساحل المتوسطي لإقليم الناظور، تتجدد مشاهد الشباب المتطلعين إلى الضفة الأخرى، بعضهم يتجمع في المقاهي القريبة من الشاطئ، يتبادلون قصصا عن من نجحوا في الوصول إلى إسبانيا، وعن آخرين ينتظرون تسوية أوضاعهم هناك.
هذه القصص، مهما كانت ناقصة أو مشوبة بالمبالغة، تتحول إلى وقود يغذي الرغبة في المغامرة، حيث أنه بالنسبة لهؤلاء، البحر ليس مجرد مساحة زرقاء، بل هو جسر نحو مستقبل مختلف، حتى لو كان محفوفا بالمخاطر، بينما قوارب “الفانطوم”، باتت رمزا للأمل، لكنها أيضا عنوانا لمآسي الغرق والاختفاء التي تتكرر كل موسم.
يوسف (23 سنة) يقول في حديثه ل”العمق” وهو يحدق في الأفق: “لا مستقبل هنا، البطالة تخنقنا، إذا كان الإسبان يمنحون أوراق الإقامة بسرعة، فلماذا لا نجرب حظنا؟”. بالنسبة له، القرار الإسباني ليس مجرد خبر سياسي، بل هو دعوة غير مباشرة للرحيل.
أما سعاد، شابة من حي شعبي في الناظور، تروي قصتها مع أخيها الذي وصل إلى إسبانيا قبل عام عبر البحر: “أخي يعيش اليوم في انتظار تسوية وضعيته، وهذا القرار جعل شباب الحي كلهم يفكرون في الرحيل. البعض يعتقد أن الفرصة لن تتكرر”، قبل أن تضيف: “ثمن رحلة أخي نحو إسبانيا كلفته مبلغ 12 مليون سنتيم”.
قلعة العاطلين عن العمل
ويرى عبد الرحيم، ناشط جمعوي، أن ظاهرة الهجرة المتفشية في صفوف شباب جهة الشرق، تعكس أزمة أعمق، إذ يقول: “الهجرة غير النظامية ليست حلا، لكنها نتيجة مباشرة لغياب فرص الشغل في هذه الجهة التي تحتل الصدارة على المستوى الوطني في مجال البطالة، فالشباب لا يهاجرون حبا في البحر، بل هروبا من واقع اقتصادي واجتماعي خانق”.
وأضاف، أن المرسوم الملكي الإسباني، الذي صادق عليه مجلس الوزراء الرامي إلى إدماج المهاجرين في سوق الشغل بشكل أسرع، وتسهيل حصولهم على الإقامة القانونية، صداه في جهة الشرق، كان مختلفا؛ إذ فهم كفرصة ذهبية للهجرة، حتى لو عبر طرق غير آمنة.
ويرى في القرار، أنه قد يشجع موجات جديدة من الهجرة غير النظامية، ما يضع حياة الشباب على المحك، ويزيد من الضغط على السلطات المغربية التي تواجه تحديات متكررة في مكافحة شبكات التهريب.
بين الأمل والمخاطر
ويحكي عدد من الشباب، عن أن محاولات الهجرة غير النظامية ليست كلها نجاحة، إذ هناك من لقي مصرعه وهو في رحلته الأولى صوب “الفردوس المفقود”، مستحضرين حالات الغرق المسجلة بشواطئ إقليم الناظور.
ورغم مخاطر الهجرة، يؤكد هؤلاء، على أن الهجرة بالنسبة لشباب جهة الشرق ليست مجرد خيار، بل هي حلم جماعي يتغذى من قصص النجاح ومن الإحباطات اليومية، بفعل البطالة؛ غياب فرص الشغل؛ وترسخ فكرة الهجرة في أذهان الجميع، انطلاقا من خصوصية المنطقة، كلها عوامل تدفع الشباب إلى اعتبار الهجرة الحل الوحيد.
ويرى هؤلاء، أن هذا الحلم محفوف بالمخاطر؛ فالقوارب غير النظامية كثيرا ما تتحول إلى قبور جماعية في عرض الأبيض المتوسط، والأسر تعيش بين الخوف على أبنائها والأمل في أن يحققوا مستقبلا أفضل في أوروبا. هذه المفارقة تجعل من موضوع الهجرة قضية إنسانية بامتياز، تتجاوز الأرقام والإحصاءات لتلامس حياة الناس بشكل مباشر.
وبين قرار سياسي في مدريد وأحلام معلقة في عقول شباب جهة الشرق على شواطئ الناظور، يضع هؤلاء حياتهم على المحك، مدفوعين بأمل مشروع في الكرامة والعيش الكريم. لكن الواقع القاسي قد يحول الحلم إلى مأساة جديدة، ما يستدعي مقاربة شمولية تعالج جذور الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وتفتح أمام الشباب فرصا حقيقية داخل وطنهم، قبل أن يغامروا بحياتهم في عرض البحر.
المصدر:
العمق