إلى أيّ حد نجح المجلس العلمي الأعلى في خطة “تسديد التبليغ” التي وحّدت خطب الجمعة ومواضيعها، خاصة بعد إعلان أحمد التوفيق، وزير الأوقاف الشؤون الإسلامية، دخول “الخطة” مرحلة جديدة؟
وتروم الخطة التوجه إلى الناس، “على اختلاف مستوياتهم وأقدار عقولهم، بما هم قادرون جميعا على فهمه واستيعابه، دون تعقيد أو تشعيب أو تشتيت للذهن؛ لأن القصد هو الحال المثمر للعمل”، بعدما وقف “المجلس العلمي” على “الفجوة الكبرى والتفاوت الجلي بين قيم الدين في باب السلوك وبين نوعية تدين الناس، أي العمل بالدين في سائر أحوالهم وأعمالهم ومعاملاتهم”.
قال خالد التوزاني، أستاذ بجامعة مولاي إسماعيل مكناس، إن خطة تسديد التبليغ “قد حققت تقدما ملموسا على المستوى التنظيمي والرقمي والتواصلي خلال سنة ونصف السنة، خاصة في تعزيز البنية التحتية للخطاب الديني الرسمي وتوحيد مرجعيته”؛ لكنها “في حاجة إلى مقاربة شاملة تربط بين الحقل الديني والجوانب الاجتماعية والاقتصادية للفئات المستهدفة”.
وأضاف التوزاني شارحا في تصريح لهسبريس: “تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى، مثل: تغيير العقليات، تخليق الحياة العامة، تحصين المجتمع تماما، إنتاج خطاب ديني يجذب الجميع إليه بمختلف مشاربهم، يحتاج وقتا أطول، ربما من خمس إلى عشر سنوات، مع مرافقة تنزيل الخطة بدراسات علمية سوسيولوجية دقيقة لقياس الأثر”، لافتا إلى أن هذا يتطلب “إشراك الجامعات المغربية في تقوية أداء الخطة وتقييم تنزيلها، وأيضا مشاركة المجتمع المدني في صياغة المضامين، مع ابتكار أساليب جديدة لتمرير القيم وفي الوقت نفسه إثارة انتباه الشباب واهتمامهم، مثل اعتماد الفنون والآداب والمنصات التفاعلية، والمخيمات، والمنح التدريبية، والزيارات”.
وواصل المصرح ذاته: “خطة تسديد التبليغ مشروع وطني لتخليق الحياة العامة وربط الدين بالحياة الطيبة، وقد حاولت تجديد الخطاب الديني في المغرب لجعله أكثر اعتدالا وواقعية، وتعزيز حصانة المجتمع فكريا وعقديا ضد الأفكار المتطرفة والدعوات الهدامة، حيث اقتضى تنزيل الخطة تحسين تكوين الأئمة والدعاة والخطباء والوعاظ وإطلاق منصات رقمية وإعداد برامج في الإعلام وندوات. ومن الواضح أن هذه الخطة، من خلال انفتاحها على المجتمع، قد أسهمت في تعزيز التكامل المؤسسي عبر تنسيق عمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مع مؤسسات أخرى مثل المجلس العلمي الأعلى والمجالس المحلية والجامعات، والتسريع برقمنة جزء كبير ومهم من الخطاب الديني بخصوصيات مغربية، عبر دروس وبرامج إعلامية جديدة، وتدريب الأئمة والوعاظ على مهارات التواصل وحسن التعامل مع المستجدات الاجتماعية، والتركيز على القيم والأخلاق بما يوافق اختيارات المغرب الدينية والثقافية؛ مثل قيم التسامح والمواطنة وحماية البيئة، وذلك مع ما يتوافق مع الرؤية الملكية بجعل الإسلام دين الوسطية والاعتدال”.
وسجل التوزاني أن “جزءا مهما من خطة تسديد التبليغ لا يزال تقليديا، وأقل جاذبية للشباب مقارنة بأساليب الخطابات الأخرى على الانترنيت والتي تستقطب آلاف الشباب”، مبرزا أن “تركيز الخطة على الأمن الروحي للمغاربة بتحصين الثوابت المغربية شيء إيجابي ومطلوب”؛ لكنه “لا ينبغي أن يكون على حساب تنمية الاجتهاد الفقهي والفكر النقدي البناء داخل سياق إسلامي مغربي أصيل يأخذ بعين الاعتبار روافد الهوية المغربية ومكوناتها”.
ووفق الأستاذ الجامعي سالف الذكر، فإن تقييم حصيلة تنزيل هذه الخطة يتطلب، من الناحية الأكاديمية، “دراسات علمية لقياس الأثر، أي معرفة مدى تغيير السلوكيات أو التحول الفكري في المجتمع خلال فترة تنزيل الخطة، وهي فترة قصيرة عندما ننظر إلى التغيرات الاجتماعية وما تتطلبه من وقت أطول لملاحظة الأثر”.
وزاد خالد التوزاني: “هناك تحدي التنافس مع خطابات أخرى لا تزال تفرض نفسها عبر الانترنيت وتستهدف الشباب وهي خطابات متطرفة توظف اليوم الذكاء الاصطناعي في الوصول إلى عقول الشباب المغربي؛ ما يفرض على المؤسسة الدينية المغربية تطوير أدوات اشتغالها ومداخل تأثيرها، حيث ينبغي تطوير خطة تسديد التبليغ لجعلها أكثر ملاءمة مع اهتمامات الشباب المغربي على وجه الخصوص؛ لأن الناشئة والشباب هم مستقبل المغرب، أي أن هذه الخطة ينبغي أن تستهدف كذلك المؤسسات التربوية والتعليمية والسجنية وفضاءات العمل والترفيه ولا تقتصر على منابر الجمعة فقط”.
في تصريح لهسبريس، قال منتصر حمادة، الباحث في التيارات الإسلامية، إن “خطة تسديد التبليغ التي أطلقتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية منذ سنة ونيف، قد جاءت في إطار التفاعل مع تحديات ومستجدات محلية وخارجية ذات صلة بحقول الدين والاجتماع والاقتصاد وحقول أخرى، ولا يمكن لخطيب الجمعة أن يبقى بعيدا عن التفاعل مع هذه المستجدات، بصرف النظر عن مدى مواكبته وأهليته للخوض في هذا التفاعل؛ لكن مجرد الحديث فوق منبر خطبة الجمعة يقتضي بالضرورة الأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات”.
واستحضر حمادة “بعض القراءات النقدية التي تصدر بين الفينة والأخرى بخصوص تفاعل خطباء الجمعة مع قضايا الساحة، اجتماعية كانت أو قيمية أو غيرها، والحال أن هذه الانتقادات تبدو وجيهة من ناحية؛ لكنها غير منصفة من ناحية أخرى”.
وأردف الباحث في التيارات الإسلامية: “هي وجيهة لأنها تطلب من خطيب الجمعة أن يكون مواكبا لهذه المستجدات، على غرار المواكبة التي تقوم بها مثلا الفاعل السياسي والثقافي والإعلامي؛ لكنها غير وجيهة عندما تصرف النظر عما يميز أداء المؤسسات الدينية، ومنها مؤسسة خطبة الجمعة التي لا تخرج إجمالا عن التوجيه والوعظ والإرشاد”.
وسجل منتصر حمادة أن من إيجابيات خطة تسديد التبليغ، التي توجد في طور التقييم والتقويم، “مواجهة معضلة التوفيق بين مقتضى تفاعل الخطيب مع مستجدات الساحة وبين مقتضى وظائف خطبة الجمعة”.
واسترسل الباحث عينه مستحضرا أهدافا مهمة؛ من قبيل: “مساهمة مؤسسة المسجد في تقليص تلك الهوة المتداولة في بعض القراءات، بخصوص تأثير الخطاب الديني على السلوك اليومي للمواطن في الفضاء العام، وإن كان الأصل هنا في الدولة الوطنية الحديثة، بصرف النظر عن مرجعيتها، احترام ذلك السلوك المقتضيات النصوص القانونية الوضعية؛ لكن في الحالة المغربية ومعها حالة دول محور طنجة جاكارتا، هناك حضور أيضا لمقتضيات النصوص الدينية في السلوك نفسه”، وقدم مثالا بـ”الأثر النبوي الذي يصنف إماطة الأذى عن الطريق في باب الصدقة”، باعتباره “نموذجا تطبيقيا وعمليا في هذا السياق، ضمن أمثلة أخرى”.
أحمد صابر، باحث في الشأن الديني والدراسات القرآنية، صرح لهسبريس بأن “الخطبة الموحدة صارت اليوم ضرورة واقعية، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنيت وكل تكنولوجيات الإعلام التي حوّلت العالم إلى قرية صغيرة، فكيف بالبلد الواحد والوطن الواحد”.
وأضاف صابر: “أمام هذا المتغير، ينبغي توحيد الرسالة، وتوحيد الخطاب، بهدف العناية بأولويات الأولويات لعلاجها والتصدي لها، بدل أن تبقى الخطبة في هذا المكان أو ذاك، مرتبطة بأمور فرعية وجزئية، وغارقة فيما هو محلي (…) وخطاب الوعظ بشكل عام، وخطاب الجمعة خاصة، ينبغي أن يتماشى مع كل التغيرات الكونية والعالمية، حتى يكون خطابا يليق بمستوى اللحظة الحضارية التي نحن فيها اليوم”.
ودافع الباحث في الشأن الديني والدراسات القرآنية عن أن توحيد خطب الجمعة يقيها من الانشغال “بالثانويات والفرعيات وما لا طائل منه؛ من أمور هامشية وجزئية تأخذ أكثر من حقها بسبب وسائل التواصل الاجتماعي”، مع أهميتها في “توحيد الأولويات والغايات، والرفع من قيمة الخطاب الديني حتى يكون متوافقا ومتماشيا مع أولويات العصر، ومع الإشكالات الكبيرة التي نعيشها اليوم سواء على المستوى النظري أو على المستوى العملي والسلوكي”.
لكن، من بين ما نبّه عليه المصرح “إشكاليات تواجه الخطبة الموحدة ترتبط بالجغرافيا والطقس والمناخ، وغير ذلك؛ لأن ما يسري في جهة قد يكون عكسه في جهة وجغرافية أخرى، فتجد مثلا بعض المناطق المغربية أكثر ارتواء من الغيث والمطر، بينما تجد أخرى في حاجة إلى المطر وتعاني من الجفاف، وقد يأتي في جهة أخرى المطر بالكوارث، فبالتالي قد يختلف الدعاء من مكان إلى آخر”.
ويدافع صابر عن إمكان “تطوير الخطبة الموحدة، وأن تكون موحدة على مستوى الجهات؛ فلكل جهة حيثياتها الثقافية والاجتماعية والفلاحية… وهكذا يمكن أن يكون المحور الرئيسي موحدا في الغايات والأهداف، ولكن على مستوى تفريغ الخطاب ينبغي أن يكون تنوع على المستوى الجهوي”.
وحول تقييم أثر الخطب الموحدة في السلوك، أجاب الباحث في الشأن الديني والدراسات القرآنية بأن “الأمر يحتاج دراسة وتحليلا ونظرا وبيانات وإحصاءات وتتبع حالات عينية، ويحتاج دراسة اجتماعية تأخذ وقتا. والمغاربة أعمار وفئات مجتمعية فعن أي مغاربة نتحدث؟ هل الشباب، أم الشيوخ، أم الكهول، أم عامة الناس…”.
وفي هذا السياق، خلص أحمد صابر إلى أن “المسألة بحاجة إلى تقعيد علمي ومنهجي لتخرج بنتيجة، فضلا عن أن تحسين التدين لا ينحصر في جانب خطبة الجمعة؛ بل يتصل بأمور أخرى اجتماعية وثقافية وعلمية، والخطبة رافعة من الروافع مثل المدرسة والجامعة والإعلام ودروس الوعظ والإرشاد في المساجد، والكتب المقروءة، والحزب الراتب بعد المغرب والفجر، والأمداح… وكثير من الروافد الأخرى التي لها صلة بموضوع تدين المغاربة؛ فمسألة التدين مركبة، وخطبة الجمعة جزء فقط من عملية التدين”.
المصدر:
هسبريس