أظهرت دراسة علمية دولية حديثة من كلية العلوم بتطوان، نُشرت في مجلة “Scientific Reports” التابعة لمجموعة “Nature Portfolio”، عن حجم الخسائر الاقتصادية المحتملة التي قد تتسبب فيها الأنواع البيولوجية الغازية بالمغرب، والتي قد تصل إلى أزيد من 5 مليارات دولار سنويا، في ظل ضعف الوعي المجتمعي والمؤسساتي بخطورة هذه الظاهرة.
الدراسة أنجزتها الباحثة المغربية جزيلة الجماعي ضمن أطروحتها لنيل الكتوراه بكلية العلوم بتطوان، وذلك ضمن فريق دولي من الباحثين، بإشراف الدكتور أحمد الطاهري، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم بتطوان التابعة لجامعة عبد المالك السعدي.
وتشير الدراسة المنشورة باللغة الإنجليزية -تتوفر جريدة “العمق” على نسخة منها-، إلى أن الغزو البيولوجي أصبح يشكل تهديدا حقيقيا لعدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الفلاحة والصحة العمومية والموارد الطبيعية.
343 نوعا غازيا بالمغرب
وأفادت نتائج الدراسة بوجود 343 نوعا من الكائنات الدخيلة الغازية المستقرة حاليا بالمغرب، أي ما يفوق 1 في المائة من مجموع التنوع البيولوجي الوطني، وتشمل نباتات وحشرات وأسماكا وثدييات ورخويات، جرى إدخالها بطرق مباشرة أو غير مباشرة، غالبا عبر التجارة الدولية، والنقل، والسياحة.
ومن بين هذه الأنواع، لم يتمكن الباحثون من تقدير الكلفة الاقتصادية سوى لـ137 نوعا فقط، بسبب محدودية المعطيات المالية المتوفرة، ما يجعل الأرقام المعلنة أقل من الحجم الحقيقي للخسائر المحتملة.
وتضم القائمة عددا من الآفات الفلاحية الخطيرة، من بينها ذبابة الفاكهة المتوسطية، ودودة ثمار التفاح، والذبابة البيضاء، التي تتسبب في أضرار كبيرة للمحاصيل الزراعية، إضافة إلى أنواع أخرى تهدد النظم البيئية والصحة العامة.
خسائر سنوية بالمليارات
وبسبب غياب إحصائيات وطنية دقيقة، اعتمد الباحثون على قاعدة البيانات العالمية InvaCost، المتخصصة في رصد التكاليف الاقتصادية للأنواع الغازية، مع تكييفها وفق الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية للمغرب.
وخلصت الدراسة إلى أن التكلفة السنوية المحتملة لهذه الظاهرة تتراوح ما بين 1.14 مليار و5.13 مليار دولار أمريكي، مشيرة إلى أن الفلاحة تعد القطاع الأكثر تضررا، يليه قطاع الصحة، ثم الصيد البحري، والموارد المائية، والبنيات التحتية.
الدراسة تسجل تفاوتا مجاليا واضحا في حجم التأثيرات، حيث تُعد جهات مراكش آسفي، الدار البيضاء سطات، الرباط سلا القنيطرة، وطنجة تطوان الحسيمة من بين المناطق الأكثر عرضة للخسائر.
ويرتبط هذا المعطى بكون هذه الجهات تضم مراكز حضرية كبرى، ومناطق فلاحية ومينائية، تشكل بوابات رئيسية لدخول وانتشار الأنواع الدخيلة.
المغرب يدخل التحليلات الدولية
واعتبر معدو الدراسة أن هذا البحث يشكل محطة علمية بارزة، إذ يدخل المغرب لأول مرة ضمن التحليلات الدولية المتعلقة بالكلفة الاقتصادية للغزو البيولوجي، ما يساهم في سد فجوة كبيرة في المعطيات المرتبطة بالقارة الإفريقية.
وتشير الدراسة العلمية إلى أن هذه النتائج تضع صناع القرار أمام مسؤولية إدماج هذا الملف ضمن السياسات البيئية والتنموية، بدل التعامل معه كقضية ثانوية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور أحمد الطاهري، أن هذه الدراسة تعد أول بحث علمي شامل يقدر التكلفة الاقتصادية للأنواع الغازية بالمغرب، مبرزا أن البلاد كانت غائبة إلى حدود اليوم عن التحليلات الدولية الكبرى في هذا المجال.
وأشار الطاهري في تصريح لجريدة “العمق المغربي”، إلى أن الأنواع الغازية لا تهدد التنوع البيولوجي فقط، بل تؤثر بشكل مباشر على الفلاحة، والصحة، وعدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية.
وشدد على أن التكاليف الناتجة عن الأضرار تفوق بكثير الاستثمارات المخصصة للوقاية والتدبير، ما يعني أن عدم التحرك اليوم سيكلف البلاد أضعافا في المستقبل، وفق تعبيره.
واعتبر المتحدث أن هذه النتائج تتيح لأول مرة قياس حجم مشكلة ظلت مهمشة لسنوات، مؤكدا أن “التنوع البيولوجي ليس فقط إرثا طبيعيا، بل هو رهان اقتصادي ومجتمعي حاسم”.
ودعا الطاهري إلى الاستثمار في الوقاية، وتعزيز البحث العلمي، وتحسيس الرأي العام، معتبرا أن ذلك “أصبح ضرورة استراتيجية بالنسبة للمغرب لتفادي خسائر أكبر في المستقبل”.
ــــــــــ
* الصورة الرئيسية للخبر مولدة بالذكاء الاصطناعي.
* الصور المرفقة داخل الخبر مأخوذة من الدراسة العلمية.
المصدر:
العمق