آخر الأخبار

طعام الأندلس الأخير.. كيف حوّل ابن رزِين أعراف المائدة إلى أرشيفٍ للحضارة؟

شارك

حين تختصر المائدةُ حضارةً كاملة

أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعلُ كتابَ طعامٍ يختصرُ ملامحَ حضارةٍ بأكملها؟ وكيف غدا “فَضَالَةُ الخِوَان في طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ والأَلْوَان” شاهدًا ناطقًا على ذائقةِ الأندلسيين والمغاربة، لا في مطابخهم فحسب، وإنما في رؤيتهم للعيش والترف والنِّظام؟ أهو مجرّد ديوان لوصفاتٍ لذيذة، أم أراده صاحبه سجلًّا خفيًّا لأعراف المائدة، وحركة التجارة، وتقاطُع الثقافات في الغرب الإسلامي؟ ثم من هذا المؤلِّف الذي جمع بين الفقه والأدب وفنون الطبيخ، فصاغ من رائحة القدور وحركة الأيدي على الخِوَان نصًّا علميًّا أدبيًّا يتمّ استدعاؤه اليوم مرجعًا لفهم زمنٍ مضى؟ فما الذي نجده حقًّا حين نفتح صفحات هذا الكتاب العتيق؟ أترانا نطالع أسماء أطعمة وأصناف ألوان، أم نقف على خارطةٍ دقيقةٍ لمطبخٍ أندلسيّ-مغربيّ بلغ ذروة النُّضج في ذوقه وتنظيمه؟ كيف تسلّل ابنُ رَزِين التُّجيبي إلى ما وراء القدور والموائد، ليحدّثنا، من خلال الوصفة والمقدار وطريقة التقديم، عن هويّة مجتمعٍ، وطبقاتٍ اجتماعية، وعلاقاتِ قوّةٍ وثقافةٍ ونعيمٍ كيْ لا يطويهُ الزَّوال؟ ثم كيف تحوَّل هذا السِّفْر، الذي كُتِب في زمن الانكسار والتهجير، إلى وعاءٍ ضَمِن استمرار ذاكرة الذوق الأندلسي، بحيث يضعنا اليوم أمام سؤالٍ مُلحّ: هل نقرأ “فضالة الخِوَان” لنتعلّم كيف نطبخ، أم لنفهم كيف كان الأندلسيون يعيشون ويفكّرون ويُجَسِّدون حضارتهم في لُقمةٍ مهيأة على مائدةٍ عامرة؟

من المطابخ إلى المخطوطات

يُعَدُّ كتابُ “فضَالَةُ الخِوَان في طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ والأَلْوَان” لأبي الحسن عليّ بن محمد بن أبي القاسم ابن رَزِين التُّجِيبي الأندلسي من أنفسِ ما خلّفته لنا حضارةُ الأندلس والمغرب في باب المطابخ وآداب المائدة، حتى كاد يكون وثيقةً حضاريّةً بقدر ما هو ديوانٌ للوصفات والأطعمة. وُلِدَ ابنُ رَزِين في مُرسِيَة، في بيئةٍ تجمع بين العلم والوجاهة، فتربّى على ثقافةٍ رصينة وعيْشٍ مترفٍ، قبل أن تعصف التحوّلاتُ السياسية بالأندلس، فتدفعه إلى الخروج من دياره متنقّلًا حتى استقرّ به المقام بتونس، حيث تُوفِّي نحو سنة 692هـ. وقد عاين في مسار حياته تهافُتَ العمران الأندلسي وتفكُّكَ بنيانه، وانطفاء كثيرٍ من مظاهر النِّعمة التي كانت المائدةُ أبرزَ تجلّياتها؛ فكأنّه ردَّ على هذا الأفول بتقييد ما بقي في صدره من صُوَر الموائد وطرائق الطّهو وأعراف الخِوان، فخرج هذا الكتاب نصًّا جامعًا يحفظ ملامح ذائقةٍ كانت آيلةٍ إلى زوال، ويقدّم لنا اليوم مدخلًا دقيقًا إلى فهم ثقافة الطعام في الغرب الإسلامي أواخر عهده الأندلسي.

ألّف التجيبي كتابه في سياقٍ تاريخيّ مضطرب أواخر عصر الدولة الموحّدية وبدايات الدولة المرينية في الغرب الإسلامي، مع تسارُع سقوط مدن الأندلس وتحوُّل مراكز الثِّقل السياسي والثقافي نحو حواضر المغرب وتونس. في هذا المناخ الملبّد، ظلّت الثقافة العالِمة تُقاوِم النسيان؛ فإلى جانب كتب الفقه والحديث والأدب والطب، ظهرت مصنّفاتٌ تُعنى بـ”علم الأغذية” وفنون العيش اليومي، ومن بينها “فضالة الخِوَان” الذي يُعَدُّ من أهمّ المصادر التي تُتيح للباحث اليوم إعادة تركيب صورة المطبخ الأندلسي-المغربي، وأنماط التغذية، وطقوس الأكل، وذوق الطبقة الأرستقراطية في الغرب الإسلامي.

ليس ابنُ رَزِين في هذا الكتاب طباخًا محترفًا فحسب، فقد كان عالمًا وأديبًا ومؤرِّخًا؛ استثمر تكوينه في علوم الشريعة واللغة، فجاء كتابه جامعًا بين الحِذق الفقهيّ، والدقّة الطبية، واللمسة الأدبية. للكتاب ثلاث نُسَخٍ مخطوطة متناثرة بين مدريد وتوبِنغن ولندن، أعاد الدارسون إحياءَه بتحقيقاتٍ علمية منذ منتصف القرن العشرين، من أطروحة فرناندو دي لاغرانخا إلى تحقيق الأستاذ محمد شَقرون وغيرهما.

يتألّف الكتاب من مقدمةٍ يبيّن فيها المؤلف دوافع التأليف، وحدودَ كتابه، وعلاقته بما سَبَقه من كتب الطبيخ المشرقية، ثم يشرع في أبوابٍ مرتَّبة ترتيبًا منهجيًّا: يبدأ بالأخباز والثَّرائد، ثم أصناف اللحوم والقدور والحسيّات (الأشربة الساخنة)، ويتدرّج إلى أطباق الخضر والبقول، فالأسماك، ثم المخلّلات والزيوت والخلول والأصناف الحافظة، وينتهي بباب الحلوى والأشربة اللطيفة. ويضمّ الكتاب ما بين 420 و470 وصفة تقريبًا، بحسب اختلاف النُّسَخ، تتجلّى فيها تأثيراتٌ عربية ومسيحية ويهودية، في توليفةٍ دقيقة تعكس التنوّع الاجتماعي والثقافي في الأندلس.

يولي ابنُ رَزِين عنايةً خاصّة لمسألة الترتيب الغذائي وفق تصوّر الأطباء لوظائف المعدة والهضم؛ فيقدِّم الأطعمة الثقيلة من لحومٍ وألبانٍ وعجائن في أوّل المائدة، ثم ينتقل إلى الخضراوات، ويختم بالفواكه والحلوى، في تدرّجٍ يراعي “طاقة البدن” ولا يكتفي بإمتاع اللسان. كما يخصِّص فصولًا للأواني الفخارية والنحاسية والزجاجية والذهبية، يذكر فيها محاسن كلّ نوعٍ ومساوئه، وشروط صلاحيته للطبخ والحفظ، ويُفرد مواضع للحديث عن أهل المطبخ: شروط الطباخ، وآداب الخدمة، وكيفية عرض الأطعمة وتزيينها على الخِوَان، حتى يغدو الكتاب دليلًا كاملاً لثقافة وآداب المائدة، لا مجرّد دفتر للوصفات.

هكذا تتجلى معرفة المؤلِّف بالأعشاب والتوابل وخواصّ الأغذية؛ يُكْثر من ذكر الحَبّة السوداء، والكَمُّون، والكَرَاوِيَا، والزَّعفران، والزَّنجبيل، وسائر الطِّيب، مبينًا أثرها في النَّكهة والبدن معًا، في تمازجٍ واضح بين علم الطب وفق نظرية الأمزجة والأخلاط، وبين حسٍّ تجريبيّ راكمته قرون من الممارسة في مطابخ القصور والبيوت العريقة. وله في الألبان والأجبان والسَّميدات والكسكس أبوابٌ تدلّ دلالةً قاطعة على مركزية الحُبوب ومنتوجاتها في النظام الغذائي الأندلسي-المغربي، وعلى ما بلغه فنُّ المعجّنات والحلوى من دقةٍ وتنوّع.

تكمن أهمية “فضالة الخِوَان” اليوم في كونه وثيقةَ حضارةٍ قبل أن يكون كتابَ مطبخ؛ فمن خلاله يُطِلّ الباحث على تفاصيل الحياة اليومية: ترتيب المجالس، صورةُ المرأة في إدارة البيت والمائدة، شبكةُ التبادل التجاري من خلال ما يَرِد في المؤلَّف من توابل ومواد مستوردة؛ كما يزدحم نصّه بمعجمٍ دقيق للأطعمة والأواني وأساليب الطهي، كثيرٌ منه خاصٌّ بالأندلسيين. لذلك أصبح هذا الكتاب ركيزةً في دراسات تاريخ الغذاء في الغرب الإسلامي، وموردًا لا غنى عنه للمؤرِّخ والأديب واللغويّ على السواء، وحلقة متينة تصل حاضرنا بذائقة زمنٍ باذخٍ مضى، احتشدت فيه المائدةُ بالألوان كما احتشد العقلُ والروح بالعلم والفنّ.

أيّ مستقبل لثقافة الأكل؟

تتجلّى ثقافةُ الأكل في المجتمعات التقليدية بوصفها جزءًا لا يتجزّأ من نسيج الحياة اليومية، لا مجرّد استجابةٍ لحاجةٍ بيولوجية عابرة. كان الطعام مرتبطًا بالأرض والموسم والأسرة والجماعة؛ تُستحضَر موائدُه من منتجاتٍ محلّيةٍ يعرف الناسُ مصدرَها، وتُعَدّ بأيدٍ أقرب ما تكون إلى روح صاحبها. وكانت الطقوس المحيطة بالأكل من طريقة الجلوس، وتوزيع الأدوار في إعداد الطعام وتقديمه، إلى الدعاء قبل الأكل وبعده واحترام اللقمة وعدم إهدارها، تعكس منظومة قيمٍ متكاملة: التضامُن، والضّيافة، والاقتصاد في الاسْتهلاك، وتقديسُ نعمة الرزق. هكذا كان الطبقُ امتدادًا للأرض، والمائدةُ امتدادًا للأسرة، ووجبةُ الطعام درسًا عمليًّا في الأخلاق والانتماء.

أمّا اليوم، فقد دخلت ثقافةُ الأكل طورًا جديدًا تحت ضغط التحضّر السريع والعولمة، وتسليع كلّ ما يتعلّق بالجسد والوقت والذّوق. صار الوصول إلى الطعام أكثر يسرًا، لكنّ المسافة بين المستهلِك ومصدر ما يأكل اتّسعت؛ فغلبت الأطعمةُ السريعة والمصنَّعة، وتراجعت منزلة الطبخ المنزلي لصالح ما يُشترى جاهزًا أو يتمّ توصيله إلى باب بيتكَ. وتحوّلت المائدةُ في كثيرٍ من البيوت من فضاءٍ للّقاء والتواصل إلى محطةٍ عابرة يُؤدّي فيها كلُّ فرد “واجب” الأكل منفردًا أمام شاشةٍ أو هاتف. في المقابل، ظهرت موجةٌ جديدة تجعل من الطعام موضوع عرضٍ واستعراض: صور الأطباق في وسائل التواصل، وموضة المطاعم والأنظمة الغذائية، واستثمار “الهوية الغذائية” في التسويق والسياحة؛ فصار الطعام علامةً اجتماعيةً ورأسمالًا رمزيًّا بقدر ما هو حاجة جسدية.

غير أنّ هذه التحوّلات، على ما فيها من تهديدٍ للأبعاد العميقة لثقافة الأكل، تفتح في الوقت نفسه إمكاناتٍ جديدة للمراجعة وإعادة البناء. فوعيُ الناس اليوم بمخاطر الأطعمة المصنَّعة، وبأثر الاختيارات الغذائية في الصحّة والبيئة، أعاد الاعتبار، ولو جزئيًّا، إلى الزراعة المحلّية، والطبخ المنزلي، والوصفات التراثية. هكذا، يطرح العصر الحديث سؤالًا جوهريًا حول كيفية الموازنة بين ما يقدّمه من تنوّعٍ واسع في المأكولات وسهولة الوصول إليها، وبين الحفاظ على ثقافة الأكل باعتبارها مجالًا حيًّا للقيم والذاكرة والهوية. فالغذاء لا ينبغي أن نختزله في كونه مجرّد “وقود” للجسد، وإنما أن نُبقيه لغةً صامتة تعبّر عن علاقة الإنسان بذاته، وبالآخرين، وبالعالم من حوله.

بين النصّ الغذائي والنصّ الحضاري

أفلا يَحسُن بنا، ونحن نطوي صفحات «فضالة الخِوَان»، أن نتساءل: ألسنا أمام نصٍّ يدعونا إلى إعادة بناء علاقتنا بالطعام بوصفه ثقافةً لا مجرّد شهوةٍ عابرة؟ أليس في هذا الكتاب ما يُلزمنا أن نقرأ المائدة باعتبارها امتدادًا للعقل والذوق والتاريخ، لا قطعةً معزولة عن سياقها الحضاري؟ فإذا كان ابنُ رَزِين قد كتب ليُقاوِم النسيان ويصون ذاكرة الأندلس من التبدُّد، أفلا يكون من الوفاء لهذا الجهد أن نتعامل مع “فضالة الخِوَان” اليوم بوصفه وثيقةً تستحقّ أن تُدرَس وتُستحضَر في وعينا الجمعي، كلما أردنا أن نفهم كيف تتحوّل لقمةُ الخبز وقطعةُ الحلوى وقدرُ الطعام إلى مرآةٍ صادقةٍ لحضارةٍ عريقةٍ في لحظة قوّتها وفي ساعة أفولها على السواء؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا