أثار جدول أعمال الدورة العادية لمجلس جماعة الدار البيضاء، المرتقب عرضه على اللجان الدائمة في أفق المصادقة عليه، موجة واسعة من الجدل في أوساط المتتبعين للشأن المحلي، وذلك بسبب الغياب التام لأي نقطة تهم مقاطعة سيدي مومن، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشرا مقلقا على استمرار تهميش واحدة من أكبر المقاطعات كثافة سكانية بالعاصمة الاقتصادية.
ويرى فاعلون سياسيون ومهتمون بالشأن المحلي أن هذا “الفراغ” داخل جدول الأعمال لا يمكن اعتباره مجرد سهو إداري أو صدفة عابرة، بل يعكس، في نظرهم، غياب رؤية مندمجة تجاه مناطق الهشاشة داخل المدينة، وفي مقدمتها سيدي مومن، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات بنيوية على مستويات متعددة، تشمل البنية التحتية، والمرافق العمومية، والتجهيزات الاجتماعية.
واعتبر عدد من المتتبعين أن عدم إدراج أي مشروع أو برنامج أو حتى نقطة إخبارية تخص سيدي مومن، يوحي وكأن المقاطعة خارج أولويات التدبير الجماعي، وهو ما وصفوه بـ”الإقصاء غير المعلن” لمنطقة تضم مئات الآلاف من السكان.
ففي الوقت الذي تتصدر فيه مشاريع التهيئة الحضرية وتطوير الفضاءات العمومية جداول أعمال الدورات السابقة، غالبا ما تتركز هذه المشاريع في مناطق وسط المدينة أو الأحياء ذات الجاذبية الاقتصادية، بينما تستمر أحياء الهامش في الانتظار.
ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة النقاش حول الفوارق المجالية داخل الدار البيضاء، حيث تعيش بعض المقاطعات على إيقاع أوراش كبرى وإعادة تهيئة مستمرة، في حين تظل مناطق أخرى، من بينها سيدي مومن، رهينة مشاكل متراكمة، مثل ضعف شبكة الطرق، قلة المساحات الخضراء، نقص المراكز الثقافية ودور الشباب، فضلا عن الضغط الكبير على المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية.
وأكد مهتمون أن غياب سيدي مومن عن جدول أعمال الدورة الحالية يعمق الإحساس بعدم العدالة المجالية، خاصة وأن الساكنة كانت تأمل أن تشكل هذه الدورة فرصة لبرمجة مشاريع جديدة أو على الأقل تقييم وضعية الأوراش المتعثرة بالمنطقة.
وتأتي هذه التطورات في سياق تعرف فيه المقاطعة تحديات اجتماعية واقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع معدلات الهشاشة والبطالة في صفوف الشباب، وضعف فرص الإدماج الاقتصادي.
في المقابل، تتعالى أصوات مطالبة مجلس جماعة الدار البيضاء بمراجعة أولوياته، وإدراج نقاط تهم سيدي مومن خلال أشغال اللجان أو في دورات لاحقة، تفاديا لتعميق فجوة الثقة بين المنتخبين والساكنة.
قال يوسف سميهرو، عضو مجلس مقاطعة سيدي مومن، إن حضور المقاطعة داخل أجندة مجلس جماعة الدار البيضاء يكاد يكون منعدما، سواء خلال الدورات العادية أو الاستثنائية، معتبرا أن جداول الأعمال المتعاقبة “غالبا ما تخلو بشكل تام من أي نقطة تهم سيدي مومن أو تستجيب لانتظارات ساكنتها”.
وأوضح سميهرو، في تصريح لجريدة العمق المغربي، أن هذا الغياب المتكرر لا يمكن اعتباره مجرد صدفة أو سهو إداري، بل يعكس “ضعفا في الترافع داخل مجلس المدينة من طرف المنتخبين المفترض فيهم الدفاع عن قضايا المنطقة ونقل انشغالات سكانها إلى طاولة القرار”.
وأضاف أن عددا من ممثلي المقاطعة داخل المجلس “لا يمارسون الدور المطلوب منهم بالجرأة والفعالية اللازمتين، في وقت تحتاج فيه سيدي مومن إلى صوت قوي يدافع عن حقها في التنمية والعدالة المجالية”.
وأكد المتحدث أن المقاطعة تعيش منذ سنوات على وقع ما وصفه بـ“الإقصاء التنموي الصامت”، حيث لم تستفد، بحسب قوله، من مشاريع مهيكلة أو برامج تنموية كبرى قادرة على إحداث تحول حقيقي في ظروف عيش الساكنة.
وأشار إلى أن الوضع القائم يعمّق الفوارق داخل المدينة، ويكرس واقع “الدار البيضاء بسرعتين”، حيث تستفيد مناطق من استثمارات متتالية، بينما تبقى أخرى، مثل سيدي مومن، خارج دائرة الأولويات.
وسجل سميهرو أن عددا من الأحياء بالمقاطعة ما تزال تعاني من خصاص واضح في البنيات التحتية الأساسية، من طرقات وتجهيزات ومرافق عمومية، إضافة إلى محدودية الفضاءات الاجتماعية والثقافية والرياضية، وهو ما ينعكس سلبا على فئات واسعة من الشباب والأسر.
واعتبر أن استمرار هذا الوضع دون تدخل فعلي “يفتح الباب أمام مزيد من الهشاشة الاجتماعية ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف أحياء العاصمة الاقتصادية”.
وختم عضو مجلس المقاطعة تصريحه بالتأكيد على أن إنصاف سيدي مومن لا يتطلب وعودا ظرفية، بل يستدعي “إرادة سياسية حقيقية لإدماج المنطقة في الدينامية التنموية للمدينة”، عبر برمجة مشاريع واضحة بآجال محددة، ومواكبة حقيقية لتنزيلها على أرض الواقع، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة لضمان عدم تكرار ما وصفه بـ“سنوات من الانتظار دون نتائج ملموسة”.
المصدر:
العمق