يواصل مجلس النواب، مسار رقمنة أرشيفه التشريعي، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إنهاء عصر “التراكم الورقي” والعبور بالمؤسسة التشريعية نحو أفق رقمي يضمن حفظ الذاكرة الوطنية وفق أعلى المعايير الدولية.
وفي هذا الإطار، أطلق مجلس النواب، اليوم الأربعاء، طلب عروض جديد لمعالجة ورقمنة أرصدة أرشيفية ضخمة، بكلفة تقديرية بلغت 600 ألف درهم، تفعيلا لرؤية تحديثية تروم تيسير الولوج إلى المعلومة البرلمانية وضمان استدامة التراث المعلوماتي للمؤسسة.
ويهدف هذا المشروع، وفق ما ورد في دفتر التحملات الذي اطلعت عليه “العمق”، إلى تسهيل الاطلاع على الأرصدة الأرشيفية وتسريع عمليات البحث فيها، وتحسين شروط حفظها المادي، وضمان فهرستها بشكل شامل ودقيق، مع تأمين سلامتها وسريتها. كما يسعى إلى رقمنة 500 ألف صفحة ذات أولوية، بما يساهم في استدامة التراث المعلوماتي لمجلس النواب وحمايته من التلف والضياع.
ويهم المشروع رصيدا أرشيفيا ماديا يناهز 350 مترا خطيا، أي ما يقارب 2400 علبة أرشيف، تتعلق أساسا بالولايتين التشريعيتين 2016-2021 و2021-2026، إضافة إلى رصيد رقمي أولي يضم حوالي 500 ألف صفحة، سواء أحادية أو مزدوجة الوجه، توجد في حالة عامة جيدة.
وينقسم تنفيذ المشروع إلى عمليتين رئيسيتين، الأولى تهم معالجة الأرشيف الورقي، وتشمل التنقية والتنظيف وإعادة الترتيب والتصنيف، وفق أدوات التدبير الأرشيفي المعتمدة من طرف مجلس النواب، ولا سيما مخطط التصنيف، وجدول مدد الحفظ، وميثاق الأرشفة.
وتشمل هذه المرحلة عمليات دقيقة لإزالة الغبار باستعمال معدات متخصصة، واعتماد إجراءات وقائية لحماية الوثائق والعاملين، إضافة إلى تنقية الأرصدة من الوثائق التالفة أو الفارغة أو المكررة، مع الاحتفاظ بنسختين فقط من كل وثيقة. كما يتم تعويض وسائل التثبيت المعدنية ببدائل ملائمة للاستخدام الأرشيفي، تفادياً لتلف الوثائق على المدى المتوسط والبعيد.
وتواكب عملية التنقية مرحلة فرز دقيقة تحترم وحدة الأرصدة وسلامتها المادية والفكرية، على أن تتولى إدارة مجلس النواب عملية الإتلاف النهائي للوثائق غير القابلة للحفظ، وفقاً للضوابط القانونية الجاري بها العمل.
ويلتزم المتعهد بإعادة تكييف الوثائق داخل علب وملفات مخصصة للأرشفة، مع وضع بيانات تعريفية مطبوعة توضح محتوى كل وحدة أرشيفية، واعتماد مخطط ترتيب طبوغرافي داخل مستودعات الحفظ. كما يتعين إعداد جرد معلوماتي رقمي يتضمن معطيات دقيقة حول محتوى العلب الأرشيفية، وتواريخها، وطبيعة الوثائق التي تضمها.
وفي ختام هذه المرحلة، يتم تسليم جرد مفصل للأرشيف الوسيط، والأرشيف التاريخي، إضافة إلى قائمة الوثائق المقترح إتلافها، مرفقة بالأرصدة المعالجة والمصنفة.
أما العملية الثانية فتهم رقمنة الأرشيف وفهرسته وإدماجه داخل نظام التدبير الإلكتروني للوثائق (GED)، حيث يخضع الأرشيف لمرحلة إعداد دقيقة قبل المسح الضوئي، تشمل إزالة الدبابيس والمشابك المعدنية، وتسوية الوثائق، وحماية المستندات الهشة.
وتتم الرقمنة بدقة لا تقل عن 300 نقطة في البوصة، مع تسليم الملفات بصيغة PDF/A-2b، مرفقة بطبقة نصية ناتجة عن تقنية التعرف الضوئي على الحروف (OCR)، خاصة بالنسبة للوثائق المطبوعة باللغتين العربية والفرنسية، بنسبة موثوقية لا تقل عن 85 في المائة. كما تخضع الصور الرقمية لمعالجات تقنية لتحسين الجودة، وضمان خلوها من أي تشويه أو نقص.
وتشمل عملية الفهرسة ربط كل وثيقة رقمية ببيانات وصفية دقيقة، تتعلق بالتصنيف، والتاريخ، والجهة المنتجة، وموضوع الوثيقة، والكلمات المفتاحية. كما يتم إعداد ملفات بيانات منظمة بصيغ معلوماتية معتمدة، لضمان تكامل الوثائق داخل منظومة التدبير الإلكتروني.
وتخضع جميع مراحل الإنجاز لمراقبة جودة صارمة، حيث يتم تدقيق 10 في المائة من الوثائق في كل مرحلة، مع تحديد نسب قصوى للأخطاء، وفي حال تجاوزها، يرفض كامل الرصيد المعني ويعاد إنجازه على نفقة المتعهد.
ويشترط المشروع تعبئة فريق متعدد التخصصات، يضم مدير مشروع متخصص في علوم المعلومات، ومشرفا ميدانيا، وعشرة أعوان معالجة، إلى جانب توفير ماسحات ضوئية عالية الأداء ومحطات عمل ملائمة. وتنجز جميع العمليات حصرياً داخل مقر مجلس النواب بالرباط.
كما يلتزم المتعهد بتنظيم دورات تكوينية لفائدة أطر المجلس، وتسليم دليل استعمال خاص بالأرشيف المعالج، مع تحمل كامل المسؤولية القانونية والإدارية تجاه مستخدميه.
وشدد دفتر الشروط على ضرورة التقيد الصارم بمقتضيات القانون 09-08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والقانون 05.20 الخاص بالأمن السيبراني، إلى جانب الالتزام بالمعايير الدولية المعتمدة في مجال الأرشفة والرقمنة. كما تم التنصيص على التزامات صارمة تتعلق بسرية المعطيات، وعدم نسخها أو استغلالها أو إفشائها، تحت طائلة المتابعة القانونية وفسخ العقد دون أي تعويض.
يشار إلى أن أرشيف مجلس النواب، الذي سبق لجريدة “العمق”، أن زارته، يضم وثائق تعود إلى تجربة المجلس الوطني الاستشاري (1956-1959)، وأول برلمان مغربي لعام 1963 حتى اليوم، باستثناء أرشيف الولاية التشريعية (2016-2021)، الذي لا يزال قيد المعالجة.
ووفقا لمسؤول في مصلحة الأرشيف بالمجلس تحدث للجريدة، فإن الوثائق الأرشيفية تخضع للمعالجة قبل رقمنتها وإدراجها ضمن الشبكة الداخلية للمجلس، حيث تكون متاحة لأعضاء المجلس والموظفين والأطر فقط، فيما يمكن للباحثين الحصول على وثائق غير سرية عبر البريد الإلكتروني أو زيارة مقر المجلس.
ويشمل الأرشيف البرلماني وثائق متنوعة لمصالح ووحدات المجلس، مثل الموارد البشرية، المالية، الجلسات العامة، اللجان، الفرق والمجموعات البرلمانية، الحسابات، المكتبة، وقسم تدبير الموارد المادية. ويتم تنظيم وتخزين هذه الوثائق باستخدام رفوف قابلة للتحريك (RAYONNAGE AMOVIBLE)، ما يضمن مرونة في إدارة الأرشيف.
المصدر:
العمق