آخر الأخبار

الإنفعال الرياضي وحدوده في فهم العلاقات الدولية

شارك

بقلم الدكتور جمال العزيز

لم يكن عدم الظفر باللقب في نهائي كأس إفريقيا أمام المنتخب السنغالي مجرد خسارة رياضية عابرة، لكن لحظة كثيفة الدلالات، كشفت عن تداخل العاطفي بالسياسي؛ والرياضي بالرمزي، ووضعت الوعي الجماعي أمام اختبار التمييز بين الإنفعال المشروع والإنزلاق في تأويلات غير سليمة.

لقد تابعنا جميعا أطوار مباراة قوية ومتكافئة، كان فيها المنتخب المغربي في مستوى تطلعات جماهيره، منضبطا تكتيكيا، حاضرا ذهنيا، ومؤمنا بحقه في التتويج. غير أن بعض التصرفات غير المقبولة التي صدرت عن مدرب المنتخب السنغالي، خاصة مطالبته لاعبيه بمغادرة أرضية الملعب عقب الإعلان عن ضربة الجزاء لصالح المنتخب المغربي، شكلت محاولة واضحة لزعزعة مجريات المباراة والتأثير على مسارها خارج منطق التنافس الرياضي والأخلاقي. وهي تصرفات تظل مرفوضة .

ومع ذلك، فإن الحسرة العميقة التي خلفها ضياع اللقب، رغم مشروعيتها الإنسانية، دفعت بعض الأصوات إلى التعبير عن أفكار متشنجة من قبيل أن “إفريقيا كلها ضد المغرب”. هذا المنطق، مهما كانت خلفياته النفسية، يظل غير سليم وخطير في آن واحد، لأنه يختزل قارة كاملة بتنوعها وتعقيداتها في مباراة كرة قدم، ويُسقِط الإنفعال الآني على العلاقات الدولية التي لا تُبنَى بالعواطف ولا تُقاسُ بنتائج الملاعب.

العلاقات بين الدول، في عمقها الحقيقي، تُبنَى على المصالح المشترَكة، والإختيارات الإستراتيجية، والإحترام المتبادل. أما الرياضة، ورغم قوتها الرمزية، فتبقى مجالا للتنافس، للفوز والخسارة، لا مرآة نهائية لتموقع الدول ولا معيارا لصداقاتها أو خصوماتها.

إن النظارة التي يمكن للمغرب أن يقيس بها أصدقاءه الحقيقيين ليست كرة القدم ولا أي رياضة أخرى، بل مواقفه الثابتة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، واحترام سيادته؛ والإلتزام بثوابته الوطنية. هناك تُختبَر الصداقات، وهناك تتحدد بوصلة المواقف، لا في تسعين دقيقة من اللعب.

وفي هذا السياق، يفرض الواقع الإعتراف بالتميز والرقي المغربي على الصعيد القاري، ليس فقط رياضيا، بل تنمويا واقتصاديا ومؤسساتيا. المغرب اليوم نموذج إفريقي صاعد، يستثمر في الإنسان؛ ويقود أوراشا كبرى في البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والتعاون جنوب-جنوب، برؤية هادئة وواثقة.

كما لا يمكن إلا التنويه بالمنتخب المغربي، الذي قدم أداء مشرفا، وبالجمهور المغربي الذي أبان مرة أخرى عن وعي حضاري، وحضور راق، ودعم غير مشروط؛جسد صورة المغرب المتزن و الواثق، الذي يربح حتى حين لا يتوج بالكأس.

والمغرب، في نهاية المطاف، ماض في طريق تقدمه وازدهاره، بثبات واستمرارية، بفضل الضامن الحقيقي للمستقبل: الَملَكِية، وهي مؤسسة متجذرة في التاريخ و موحدة للأمة، وقائدة لمسار تنموي جعل من المغرب فاعلا وازنا في محيطه الإقليمي والقاري.

إن تجذر المغرب في إفريقيا ليس طارئا ولا ظرفيا، لكن هو تجذر عميق، تؤطره الملكية بحضورها السياسي، وامتدادها الديني، ورأسمالها الرمزي والروحي. حضور لا يُقاسُ بالألقاب فقط، بل بالثقة والإستمرارية، والقدرة على بناء المستقبل.

قد نخسر نهائيا ويضيع اللقب، لكننا نربح مسارا تنمويا ويظل المغرب منتصرا بثوابته ومؤسساته.

ومن هذا الوعي نفسه، يبرز سؤال ما هو قادم، ونحن على أعتاب الإستحقاقات التشريعية المقبلة. فكما أن الإنفعال الرياضي لا ينبغي أن يُربِك فهمنا للعلاقات الدولية، فإن الإنفعال السياسي بدوره لا يجب أن يَحجُب عنا جوهر الرهان الوطني. نحن مقبلون على محطة حاسمة، لا يُرادُ لها أن تكون مجرد تنافس انتخابي، لكن معركة وعي ومسؤولية من أجل مغرب الغد.

مغرب ينتصر بالتنمية وباستشراف التحولات بعد النتائج ؛وبجيل جديد للتنمية يحمل نفسا إصلاحيا، وكفاءة تدبيرية، وارتباطا صادقا بالثوابت الوطنية.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا