قال فاعلون في الهجرة وحقوق الإنسان إنّ إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تعليق إصدار جميع التأشيرات لمقدّمي طلبات تأشيرات الهجرة من مواطني مجموعة من الدول، ضمنها المغرب، “أثار مخاوف واسعة بشأن تداعيات القرار الإنسانية والقانونية”، مشيرين إلى أنّ “الخطوة قد تؤدي إلى تعطيل مسارات الهجرة القانونية بالنسبة للمقبولين في القرعة، ولا بد من استثناء الحالات الإنسانية العاجلة أو الحرجة، ولا سيما لمّ الشمل والمرضى والطلبة”.
وأشار هؤلاء الفاعلون إلى أنّ “للولايات المتحدة، كغيرها من الدول، حقّا سياديا في تنظيم حدودها وسياسات الهجرة وفقا لما تراه مناسبا لأمنها القومي ومصالحها الداخلية”، مبرزين في المقابل أنّ “ممارسة السيادة لا ينبغي أن تكون بمعزل عن الاعتبارات الإنسانية أو الالتزامات الدولية”، كما أن “التحدّي يكمن في تحقيق توازن بين حق الدولة في اتخاذ قراراتها السيادية، وواجبها في احترام حقوق الأفراد أو التمييز ضدهم على أساس جنسهم”.
ووضحت وزارة الخارجية الأميركية، أن “القرار لا ينطبق على التأشيرات السياحية لكونه مخصص فقط لمقدمي طلبات تأشيرات الهجرة، فيما تأشيرات السياحة هي تأشيرات دخول لفترة مؤقتة لغير المهاجرين”، موردة أنه “يُستثنى من هذا التوقف حاملو الجنسية المزدوجة الذين يتقدمون بطلب باستخدام جواز سفر ساري المفعول لدولة غير مدرجة أعلاه”.
قال محمد الخشاني، رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث حول الهجرة أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس، إن “هذا القرار يُعدّ إجراء سياديا من حيث الشكل، مع أنه قد يتعارض مع الحق الأساسي في حرية التنقل”، مسجلا أن صدور القرار بشكل مفاجئ ودون تمهيد أو نقاش عمومي يعكس نهجا غير متوازن في تدبير ملف الهجرة، ويغلب عليه الطابع السياسي الشعبوي أكثر من كونه قائما على مقاربة عقلانية تراعي التعقيدات القانونية والإنسانية المرتبطة بهذه القضية.
وأوضح الخشاني، ضمن تصريح لهسبريس، أن الولايات المتحدة تعتمد اعتمادا بنيويا على المهاجرين، بمن فيهم غير النظاميين، في عدد من القطاعات الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها، وفي مقدمتها القطاع الفلاحي، مبرزا في هذا السياق حالة ولاية كاليفورنيا، التي تُعد من أكبر المنتجين الزراعيين في البلاد، حيث يشكل المهاجرون العمود الفقري لليد العاملة، وهو ما يجعل أي قرار يُقصيهم أو يقيّد حركتهم ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة.
وأشار المتحدث إلى أن تجاهل هذا الواقع الميداني لا يطرح فقط إشكالا اقتصاديا، بل يفتح أيضا نقاشا أعمق حول جدوى هذه السياسات وقدرتها على تحقيق المصلحة العامة، معتبرا أن اللجوء إلى قرارات ظرفية قد يرضي جزءا من الرأي العام، لكنه لا يقدم حلولا مستدامة، بل قد يؤدي إلى اختلالات إضافية في سوق الشغل وفي النسيج الاجتماعي.
وأبرز الخشاني أن مثل هذه السياسات عوض أن تُسهم في تنظيم الهجرة بشكل واقعي ومتوازن، تُعقّد الإشكالات القائمة وتتناقض مع مبادئ الانفتاح والتعددية التي قامت عليها التجربة الأمريكية تاريخيا، مشددا على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة، تقوم على الحوار واحترام الحقوق الأساسية، وتوازن بين متطلبات السيادة ومقتضيات العدالة الإنسانية.
من جانبه، قال عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، إن “تعليق إصدار تأشيرات الهجرة على أساس الجنسية يندرج ضمن الصلاحيات السيادية للدول في تنظيم دخول الأجانب إلى أراضيها، غير أن هذه الصلاحيات ليست مطلقة أبدا”، وسجل أن “القانون الدولي، وإن لم يكرس حقا عاما في الهجرة إلى دولة بعينها، يفرض قيودا واضحة على كيفية ممارسة السلطة التقديرية، أهمها احترام مبادئ عدم التمييز، والضرورة، والتناسب، وعدم التعسف في اتخاذ قرارات تهم فئات عريضة وبشكل جماعي”.
وشدد الخضري، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، على أن “قرار ترامب بمنع التأشيرة عن المهاجرين من جنسيات دول معينة، يثير بالفعل إشكالات قانونية جدية من زاوية مبدأ عدم التمييز كما هو منصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكونه يقوم على تصنيف جماعي قائم حصريا على الجنسية دون إخضاع الأفراد لتقييم شخصي لقدرتهم المالية أو مدى امتثالهم لشروط الهجرة”.
وأكد المتحدث أن “المساءلة الدولية لا تتعلق بهدف الإجراء المعلن فحسب، بل أيضا بوسائله، ومدى كونه أقل تقييدا للحقوق، وأكثر اتساقا مع مقتضيات العدالة الإجرائية”، مستندا إلى منظور الحق في التنقل، أو ما يصطلح عليه في العلاقات الدولية “MODE 4″، وتابع: “رغم أن هذا الحق لا يشمل صراحة دخول دولة أجنبية، إلا أن القيود المفروضة عليه يجب أن تكون محددة في الزمن، ومبررة بضرورات معللة وواضحة، وغير قابلة للتوسع غير المبرر”.
كما أفاد الحقوقي ذاته بأن “اعتماد تدبير شامل بدل آليات فردية بديلة، مثل الكفالة المالية أو التحقق المعمق من مصادر العيش، يطرح تساؤلات حول مدى احترام مبدأ التناسب، ويضعف الحجج القانونية الداعمة لمشروعية القرار على المستوى الدولي”، لافتا إلى وضعية المقبولين في برنامج القرعة الأمريكية، حيث “الضرر يتجاوز مجرد تأجيل إجرائي ليصل إلى المساس بتوقع مشروع نشأ عن قبول قانوني خاضع لأجل زمني صارم”.
واعتبر الخضري أن “حرمان هؤلاء من استكمال مسارهم، لأسباب خارجة عن إرادتهم ودون توفير آليات تعويض أو تمديد، يثير مسألة الإنصاف وحسن الإدارة، ويفتح المجال أمام مساءلة قانونية داخلية، فضلا عن كونه يتعارض مع المبادئ العامة للعدالة التي يفترض أن تحكم السياسات العامة في الدول الديمقراطية”، خالصا إلى إمكانية المراهنة على النظام القضائي الأمريكي للنظر في مدى مس القرار المذكور بمبدأ المساواة أمام القانون، أو وجود تعسف إداري، أو انطواء القرار على تمييز غير مبرر.
المصدر:
هسبريس