آخر الأخبار

الشاعر سعد سرحان "يلعب الكرة" .. حين تقود القدم إلى المجد أكثر من القَلَم

شارك

جامعا بين سلاسة السرد وعمق التأمل، فتح الشاعر سعد سرحان نافذة أدبية وفكرية على عالم كرة القدم، باعتبارها ظاهرة كونية أعادت تشكيل مفاهيم المجد والقوة والمعرفة في الزمن المعاصر. من أسطورة “أقاديموس” إلى أكاديميات الكرة الحديثة، ومن الملعب إلى الجمهور والمعلّق، تتقاطع الفلسفة بالفرجة، ويغدو اللعب مرآةً عميقة لتحوّلات الإنسان الذي بات يحتفي بالحياة أكثر مما يرتهن لمنطق الردع والخوف.

وبلغة الشعر، يقدم الشاعر سرحان قراءة تُمتع العقل كما تُبهج الخيال، وتدعو إلى إعادة التفكير في مكانة اللعبة في عالمنا، حيث قد تقود القدم إلى المجد أكثر مما تفعل أرفع الشهادات وأشدّ الأسلحة فتكا.

هذا نص المقال

“أقاديموس”

في الشمال الغربي لأثينا، توجد منطقة يُقال لها أكاديميا، نسبةً إلى أكاديموس، أحد أبطال الميثولوجيا الإغريقية. وهي المنطقة التي أسّس فيها أفلاطون أكاديميته الشهيرة، تلك التي لم يكن يدخلها من لا يعرف الهندسة، والتي لا تزال حتى الآن هي الشّعلة المرجعيّة التي تقبس منها الاسمَ معظم الصّروح العلمية.

يقينًا أنّ صاحبنا كان اسمه أقاديموس، وما انقلبت قافه كافًا إلّا كما فعلت قاف الإغريق وأوقليدس وسقراط وديموقريطس وهيريقليطس… وحتى لو كانت حُجّتي هذه لا تخلو من تلفيق، فالتلفيق نفسه لا يكون بالكاف، بل بالقاف، فبالقاف أيضًا تصير لصاحبنا قدما بطلٍ يستحق أن تُنشأ لأجله أكاديميات كرة القدم.

لقد كانت كرة القدم، منذ فجر اللّعبة، تُمارَس في الساحات والأزقّة والحواري، كيفما اتّفق وبما أتيح ركله. وحتى حين جرى تقنينها، لم تكن مصدر عيش، تفتح البيوت وتقيم الأود، فهي لم تكن مهنة قائمة بذاتها. لذلك، فاللّاعب كان إذا مسح عرق اللّعب فلكي يفسح لعرق العمل في ذاك المصنع أو تلك الورشة…

الآن، وقد استتبَّ الأمر للّعب، وبات يُدِرّ أضعاف ما يُدِرّ الجدّ، أصبحت اللعبة تُدَرَّس منذ نعومة الأقدام، وصارت لها مدارس وأكاديميات ومناهج ومعجم، وفلاسفة وأطباء ومهندسون ومنظرون، وموظّفون سامون يغبطهم حتى رؤساء الدول، وأرقام معاملات أين منها الناتج القومي لكثير من البلدان.

خرّيجو هذه الأكاديميات لا يتوّجون بشهادات، فما من شهادة ترقى إلى تحصيلهم، وما من لقب أكاديمي ينطلي على صنيعهم… جَرِّبوا فقط أن تنطقوا: الدكتور مبابي أو البروفيسور نيمار على سبيل المزاح، لتتأكّدوا كم أنّ الأسطورة جادّة، ومُكتفية باسمها، فدونها سواه من الألقاب.

الآن، وقد بات الجِدُّ، كلّ الجِدِّ، تحت إمرة اللّعب، ماذا عن أقاديموس؟

قبل مدّة حلّ أقاديموس ضيفًا على البيت الأبيض، فكان محطّ احتفاء لم يحظ بمثله سواه، فالدُّون كان دونه الجميع، بمن فيهم قارون العصر. وصورته وهو واثق الخطوة يمشي إلى جنب الرئيس ترامب، الذي هو رأس العالم الآن، تبيّن إلى أيّ مجد تقود القدم.

وقبل مدة أيضًا، زار أقاديموس آخر بلادَ الهند، فإذا كلّ قداسة أبقارها الحقيقيّة دون قداسة معزته الرمزيّة.

هما طبعًا من أقصد، كريستيانو وميسي. فأية صدفة إلهية زجّت بالمسيح في اسميهما؟

“الملعب”

قبل عقود قليلة، كان مَعْلَمُ القوّة يتحدّد بمحورين فقط: الحصول على جائزة نوبل وامتلاك قنبلة نووية. فكانت الدّول مرهوبة الجانب هي تلك التي تتقدّم مخفورة بصاحب الدّيناميت وصاحبة اليورانيوم.

أمّا اليوم، ومع ظهور الإنسان الاحتفالي، فقد بدأت الأمم تعلن عن نفسها بالقوى الناعمة، فبكرنفال أو فنّان أو مهرجان أو لاعب كرة قدم… يمكن لهذه الدولة أو تلك أن تباهي سواها من الأمم. ولنا فقط أن نلاحظ كيف أنّ معظم عشاق كريستيانو لم يسمعوا بالدكتور عبد السلام، وأنّ جُلّ متابعي ميسى لم يقرؤوا سطرًا لمواطنه بورخيس فأحرى أن يعرفوا عن النسبية الخاصة .

في هذا السّياق، سياق التّرفيه، وفنون العيش، والاحتفاء بحركية الحياة، ستبرز معالم أخرى في منتهى البشاشة، لعلّ أشهرها على الإطلاق ملعب كرة القدم. وهذا هو مربط العنوان.

يتميّز ملعب كرة القدم، عكس اسمه تمامًا، بالكثير من الجدّية. فهو يبدو من الخارج كسفينة عملاقة، حتى وإن كانت لا تبحر أبدًا، فإنّ ركّابها لا يكفّون عن الإبحار بخيالهم ومشاعرهم، كلّ حسب أشرعته ورياحه المواتية.

تصميم الملعب وتزويده بمقتضيات الرّاحة والمتعة والإبهار… يتطلّب عقولًا جبّارة في آخر ما توصّلت إليه علوم العصر. دعكَ من الإضاءة والمدرّجات والكاميرات ونظام الدخول وأسباب الأمن. دعكَ أيضًا من منظر الملعب من الخارج حيث البهجة تغدق نفسها ليلًا بالألوان، حتى لتجعل المرء في خضمّها يترحّم على أسلافه الذين رحلوا قبل أن يشاهدوا هذا الضوءَ العُجاب…

دعكَ من كلّ هذا، وانظر فقط إلى أرضية الملعب، فذلك السطح الأخضر، حيث تجري اللعبة، إنّما يُخفي عمقًا شديد التعقيد: إنّه العنبر، عنبر الملعب، حيث أنظمة رّيِّ وتدفئةِ العشب وإذابة الثلوج وتصريف المياه، فلئن كانت السفينة تغرق بتسرّب المياه إلى عنبرها، فإن الملعب ينجو بتصريف المياه إلى عنبره.

بتفوّق اللّعب على الجدّ، أصبح بعض لاعبي كرة القدم أشهر من حَمَلَة نوبل وعلماء الذرّة، وباتت بعض ملاعبها أعظم من كلّ الصروح العلمية العريقة، فاهتزّت بذلك معايير التقدّم؛ إذ صار الإنسان، وقد أضحى احتفاليًّا بامتياز، يراها في ما يشيع الحُبور لا في ما يبثّ الرّعب، في ملعبٍ لكرة القدم لا في حقيبة نووية.

“الجمهور”

الجمهور مفردٌ بصيغة جمع الجموع. مفردٌ كجمهور البيت الذي قد يكون أنا فقط. وجمعٌ بالعشرات في المقهى، وبالمئات في ملاعب الأحياء ومناطق المشجعين، وجموعٌ بالألوف في المدرّجات.

جمهور المقهى يستحقّ لوحده أكثر من دراسة وافية، لِما له من قدرة على ازدراء العقل والتّنكيل بالمنطق شخصيًّا. فهو ليس جمهورًا مشجّعًا بالمعنى الفعلي للكلمة، فلا آهات الإعجاب منه تحمّس فريقه، ولا صيحات الاستهجان تثبّط منافسه. أمّا الشّطط، كلّ الشّطط في الموضوع، فقد يصل بزبون، بالكاد يملك ثمن قهوته، إلى إسداء النّصح لمدرّبٍ عالميّ يتقاضى شهريًّا أكثر من مقهى. كما قد يصل بآخر إلى انتقاد أحسن لاعب في العالم، حتى إذا انتهت المباراة وانفضّ الجمع، تبيّن أنّه كان يتفرّج وهو جالس على كرسيّ متحرّك.

أمّا جمهور الملاعب، فسيكولوجيته من “سيكولوجية الجماهير”، الكتابِ الذي صدر في الموضوع قبل عدّة عقود. لكن، مع تطوّر اللّعبة من ناحية الملاعب ومرافقها، والبثّ وقنواته، والأستوديوهات وتحليلاتها، كما لجهة دخول التكنولوجيات الحديثة على الخطّ، وسهولة تسخيرها لكلّ غاية… كلّ هذا وكثير غيره، دفع الجمهور إلى تطوير نفسه، فاجترح لها ألوانًا للتعبير والظهور لم تخطر لأسلافه، حتى بات هو نفسه مادة للفرجة تنافس المستطيل الأخضر، وأصبح بعض قادته أشهر من كثير من قادة الفرق والمنتخبات.

وإنّ تاريخ الجمهور لمن تاريخ الملاعب، وكلّ ما نراه منها اليوم عظيمًا، إنّما تخلّق، قبل عقود، جنينًا في أرحام ملاعبِ القوى الكُروية العظمى، كالبرازيل، مهدِ الألتراس، وإيطاليا، أصلِ التّيفو…

ليست المدرّجات هامشًا من لاعب واحد، اللّاعب الثاني عشر، إنّما هي مركزٌ عملاق يحيط بالمستطيل الأخضر لِيسقي، لا العشب، بل سيقانَ اللّاعبين بماء الهِمَّة حتى يزدادوا عطشًا للانتصارْ.

أمّا جميلات الملاعب، فهنّ عندي غددٌ حيّة يستنفرن في أجساد اللّاعبين ذلك الهرمون الجبّارْ.

أطروحتان على الأقلّ يجب أن تُنجزا حول جمهور كرة القدم:

الأولى في مدرسة عليا للفنون الجميلة، حول اللّوحات المذهلة التي يرسمها الجمهور على الهواء مباشرة. فتلك اللّوحات تكون دائمًا بثلاثة أبعاد، فهي إذن تكعيبية، كما أنّها تميع ساعة إلى اليمين وساعة إلى اليسار، وهي بذلك تجمع بيكاسو إلى دالي في مشاهد ولا أروع.

أمّا الثانية، فأَوْلى بها أكثر من جهة. ذلك أنّ الأهازيج المرافقة للمباراة، اجتمع لها من اللّحن والكلمات والأداء والرّقص ما يرقى بالبهجة فيها إلى ذروة البلاغة.

رغم ما يبدو من أنّ جمهور كرة القدم متقوقع داخلها، ولا يكترث لغيرها، فقد أمسى، في السنوات الأخيرة، يرسل من المدرّجات رسائلَ في غاية الحِدّة، خصوصًا وأنّها من منصّة لا تُخْطَأُ منها للعنوان دريئة، مثلما باتت أغانيه في منتهى الالتزام، حتى أنّ لبعضها الحِمضَ النّضالي لأغاني الشيخ إمام وسعيد المغربي وأحمد قعبور…

أنصتوا إليه

الجمهور لا يلعب

فهو جادٌّ تمامًا.

“المعلّق”

المعلّق الرياضي اليوم هو ابن المعلّق الإذاعي، إن لم يكن حفيده. فقبل عقود كان التّلفاز جهازًا أرستقراطيًّا لا يُدرك إلّا بسعةٍ واضحةٍ لذات اليد. ذلك أنّ المذياع، وقد كان من خشب رفيع وبحجم مهيب، هو الذي كان يؤنس البيت ويفي بأغراضه الجانبيّة. فهو المؤذّن ساعة الأذان، وهو الساعة عند الإشارة، وهو السيدة ليلى تلقّن ربّات البيت دروسًا في التّنمية الذاتية، وهو مرسول الحبّ ووصفات الطبخ وأخبار العالم ودكّان الناس، وسوى ذلك ممّا يجزي الوقت. فإذا حلّ المساء طرح عنه أمر اليوم برمّته، وعاد بالأسرة بأسرها إلى الأمس الأبعد: الأزلية.

ولمّا كان في كلّ أسرة فرد رياضي، بالممارسة أو بالعقيدة، وكان لا بدّ للأسبوع من يوم أحد، وهو يوم منزّه عن العمل، فقد اجترحت الإذاعة لذلك برنامجًا شديد الفَرادة والنّجاح، يُقال له “الأحد الرياضي”.

طيلة “الأحد الرياضي” كان المستمع يتفرّج على المباراة بأذنيْه بعد أن توظّب له المخيّلة ما يصف المذيع من مجرياتها، فالمذيع، زمانئذٍ، كان يسمّى واصفًا رياضيًّا، من خلال وصفه يستشفّ المتابع أيّ الفريقين أقرب إلى الفوز. وإذا كان هنالك من خذلان، فلأنّ بعض الصّحافيين الإذاعيين، ولهم حتى الآن نسل في مختلف القنوات، إنّما أخذوا صفتهم تلك من الصّحّاف لا من الصّحافة، وإلّا كيف يجري الحديث عن التفوّق حتى والتمثال تحت النّعال؟

في زمن المذياع الخشبيّ الكبير، مذياع البيت أو المذياع الثابت، ظهر مذياع بحجم الكفّ، لنا أن نسمّيه المذياع المحمول، يقتنيه كلّ من شبّ عن طوق الأسرة، فيستقلّ عنها بمحطّاته ويضبط موجاتها على مزاجه، فإذا كان يوم الأحد أمسى مصدرًا محترمًا لنتائج المباريات، وفي ذلك فخر يعوّضه عن بطّاريات الأسبوع.

السؤال عن نتائج المباريات في الشارع ظلّ قائمًا حتّى وقت متأخّر. ولعلّ أطرف ما حدث في هذا الأمر، هو أنّ أحد أصدقائي اِستوقف رجلًا محترمًا بداعي السؤال عن إحدى المباريات، لِيتفاجَأَ بأنّ السيد كان يجري مكالمة من طارئ آخر، لم يكن قد تفاقم بعد، سيعرف لاحقًا بالهاتف المحمول، ذلك الجهاز الذي، وقد صار ذكيًّا، بات هاتفًا ومذياعًا وتلفازًا بقنوات تُعَدُّ ولا تحصى.

مع تفشّي القنوات الرياضية، واعتلاء كرة القدم عرش الرياضات قاطبة، ودخول المحتضنين والإعلانات والصناديق الاستثمارية على الخطّ، فنشوء اقتصاد للّعب أين منه اقتصادات الجدّ، صار لا بدّ للواصف الرياضي من أن يغيّر جُبّته التي لم ترها أذن من قبل، ببدلة قد تشاهده بها ملايين العيون. مثلما صار عليه أن يُغني ثقافته حول اللّعبة بالقراءة عن تاريخها والإلمام بأرقام المنافسات ومسارات النجوم وألقاب الأندية والمنتخبات… وكذا اجتراح أسلوب مميّز في التعليق، وابتكار تعابير فريدة تكون له بصمة بين أقرانه.

هكذا، بات المعلّق الرياضي جزءًا لا يتجزّأ من الفرجة. له تأثير واضحٌ على نِسَب المشاهدة، فيتفرّج الواحد منّا على هذه القناة بسبب فُلان، مثلما يغير تلك بسبب علّان.

لقد بات المعلّق الرياضي الآن للمباراة كالموسيقى التّصويرية للشريط السينمائي، قد ينسى المرء تفاصيل هذا دون أن تغادره متعة تلك. وبما أنّ الموسيقى قد تفوز بجائزة في مهرجان للسينما، فإنّني أقترح على الفيفا أن تفكّر في إحداث واحدة لمعلّق السنة. مثلما أقترح تكريم هذا المُفَوَّهَ أو ذاك من المعلّقين، وقد أحيل على التقاعد، بدراسة أعماله الكاملة، فهو من صميم اللّعبة تمامًا كضربة الجزاء التي حظيت بأكثر من رسالة جامعية.

“ضربة الجزاء”

بعد أن أخضعت بسحرها مملكة اللّعب مترامية الأطراف، وتربّعت على عرش الرياضات بكل أنواعها، عبّدت كرة القدم الطريقَ إلى قلاع الجدّ الحصينة. ففي السنوات الأخيرة، نوقشت في غير جامعة أكثر من أطروحة دكتوراه حول اللّعبة. الموضوع واحد والمقاربات شتّى. أمّا الموضوع فهو ضربات الجزاء بمتن يفيض فيه العرض عن الغرض. وأمّا المقاربات فتشمل شخصية المسدّد، وحالته النفسية والذهنية، وحدس الحارس، وظروف المباراة وأهميّتها، وتأثير الجمهور، وزاوية التسديد، وسوى ذلك من البارامترات التي تتخلّل تلك المعادلة الرهيبة، التي يتراوح حلّها بين مجد أين منه المجد، وخِزي دونه الموت.

تحظى ضربة الجزاء بهذا الاهتمام الأكاديمي، لكونها أقرب عناصر اللّعبة إلى الهدف، وأكثرها حسمًا للنتيجة. فهي ليست فقط أقوى لحظة في المباراة، بل هي أيضًا مباراة مستقلة بذاتها، مباراة من ثوانٍ فقط، يواجه فيها الهجوم المطلق الدفاعَ أعزلَ إلّا من نفسه. وتسجيلها أو صدّها، إنّما هو انتصار لمعسكر كامل من المشاعر.

“ضربة الخطأ”

ولئن كانت ضربة الجزاء تُنفّذ من نقطة معلومة من الملعب، فإنّ ضربة الخطأ قد تكون من أيّ نقطة خارج منطقتيْ الجزاء. وهي بذلك أوفر متنًا وأكثر تنوّعًا، فمنها المباشرة وغير المباشرة، ومنها القريبة والبعيدة، ومنها السّانحة فينبري لها أيمن، ومنها البارحة فينبري لها أعسر.

خلافًا لضربة الجزاء، قد يتقدّم لضربة الخطأ أكثر من لاعب، ففيما يكون الخصم منهمكًا في إقامة جدار الدفاع ونصب شراك التّسلّل، تراهم يوشوشون بعضهم بتفاصيل السيناريو المُعدّ مسبقًا في حصص التدريب، الذي سيجري إخراجه مجدّدًا على الهواء مباشرة.

ضربة الخطأ، هي الأخرى، مباراة داخل المباراة، أطول قليلًا من ضربة الجزاء، ولا يتواجه فيها لاعبان فقط، وإنّما يواجه فيها مكرُ هؤلاء مكرَ أولئك، ونتيجتها قد تحسم نتيجة اللقاء.

كلّما تجاوزت نسبة النجاح نسبةَ التّوقّع، تكون ضربة الخطأ أجمل. ولنا فقط أن نعود إلى متونها الشهيرة لنقتنع بأنّها لا تقلّ جدارة عن ضربة الجزاء بدخول الجامعة كمادة للدراسة والبحث.

فالمسار الذي تأخذه الكرة بعد التّسديد، والمُنْحَنى الذي ترسمه في الهواء، والسرعة والقوة والانعطاف وسوى ذلك من أسباب نجاح التسجيل، إنّما هي عناصر لا بدّ أنّ للرياضيات والفيزياء فيها رأيًا يطرح في أكثر من أطروحة، وتحليلًا يقدّم في أكثر من دراسة.

أمّا سيناريو الضربة وإخراجه وتصدّع جدار الدفاع… فلا شكّ أنّه من اختصاص أهل المسرح، وإلّا متى سيكرّمون بريخت بالدخول إلى ركح الملعب؟

“الرُّكنية”

تُنفّذ الرّكنية من أقصى نقطة على تماسّ المرمى. فإمّا أن تُمرّر حسب ترتيب مسبق، أو تُقوّس إلى مربّع العمليات حيث يحتدم الصراع الذي قد يصل إلى حدّ تصفية الحسابات، وهو الصراع الذي قد يرقى بالرّكنية إلى ضربة جزاء. أمّا إذا نجح اللّاعب في وضع الكرة داخل المرمى مباشرة، فإنّ الهدف يسمّى هدفًا أولمبّيًّا. وشتّان طبعًا بين آلهة الأولمب وأنتونين بانينكا.

ولئن كانت كلمات من قبيل تماسّ، وقوس ومربع وزاوية وحسابات ومستطيل وقائم… يجب أن تُحال على شعبة الرياضيات، فهي الأجدر بأطروحتها، فإنّ آلهة الرّكنيات وأساطير اللّعبة والتّصدّي الخرافي والهدف الخُزعبلي والتمريرة الخيالية… إنّما هي تسميات تمتح من قاموس غابر، وهذا مبحث لن يعدم من ينبري له.

ولعل الرّكنية الأجمل في كلّ العصور، بما فيها العصور القادمة، التي تستحقّ لوحدها دراسات وافية، لكونها مزجت الخيال بالقوّة بالمتعة بالجرأة بالسّرعة بالدّقة بالانزياح بتكسير أفق الانتظار… فهي تلك التي نفّذها ديفيد بيكهام إلى روبيرتو كارلوس الذي أودعها بعناية الهواء في سجلّ الخلود.

“التمريرة الحاسمة”

حتى نهاية القرن الماضي، كان صُنّاعُ الأهداف صنّاعَ مجدٍ بلا مجد، فلا الإحصائيات كانت تكترث لصنيعهم ولا المعلّقون كانوا يُعلون من شأنه. لذلك، كان المهاجم يجرّب حظّه من أيّة وضعية كانت، حتى لو كان أحد زملائه في وضع سانح، فهو يعرف حقّ المعرفة أنّ الإشادة تكون لموقّع الهدف لا لمساعده.

أمّا الآن، وقد صار ما صار من أمر كرة القدم، من ملاعب وقنوات وأكاديميات واستوديوهات تحليل… باتت كلّ مجزوءة من اللّعبة تحظى بالمُعامل الذي تستحقّه، وأصبح كلّ تفصيل منها تحت المجهر. فالبثّ اليوم يتيح إعادة اللّقطة من مختلف الزوايا، وعرضها بطيئًا للتّمعّن في ما مرّ سريعًا، فإذا كلّ ثانية من المباراة تحت السّيطرة تمامًا.

في هذا السياق برز الحديث عن التمريرة الحاسمة، مثلما برز سَحَرتها الذين أضْفَوا عليها جمالًا أين منه جمال الهدف؛ إذ صار بعض الهدّافين بالنسبة لهم مجرّد مساعدين، سعاة بريد يضعون الأمانة في الصندوق.

التّمريرة الحاسمة، أو ما بات يُعرف بالأسّيست، إنّما هو تعبير عامّ عن الحالة. ولمّا كان لهذه خصوصيتها أحيانًا، فقد اجترح لها المعلّقون أوصافًا في منتهى الشّعرية. فهذا ينعت واحدة منها بالحريرية، أنعم عليه الله بالقزّ والدّمقس والإبْرَيْسَم والدّيباج والرَّدَن والإضريج والسّندس والخزّ. وذاك يصف أخرى بالكرة المقشّرة، أطعمه الله المقشّر من ثمار العاجلة والآجلة، جزاء وصفه هذا، وكأنّ الكرة ليست محضَ قشرة سميكة لثمرة من هواء.

عدا جانبها الشّعري، الذي على دراسته الوقوف طويلًا عند بلاغة الالتفات، فالتّبئير على التّمريرات الحاسمة، خصوصًا في وضعيات شبه مستحيلة، يحيلها على شعبة الفيزياء، قسم البصريات تحديدًا.

كلّ سنة يُتوّج لاعبو كرة القدم المميّزون بجوائز مرموقة أين منها حتى جوائز نوبل. وللعدالة والإنصاف، على الفيفا أن تُحدث جوائز للتمريرة الحاسمة. فكما أنّها تمنح جائزة بوشكاش لأفضل هدف في السنة، عليها أن تمنح جائزة ميسي لأفضل تمريرة. ولمّا كان الجورب للحذاء كالأسيست للهدف، عليها أن تضيف إلى “الحذاء الذهبي” جائزة لأكثر ممرّر في السنة تحمل اسم “الجورب الذهبي”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا