في خطوة جديدة تعكس متانة الشراكة الدفاعية الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن صدور إخطار رسمي منشور في السجل الفيدرالي، يقضي بالموافقة على صفقة عسكرية محتملة لتزويد المملكة المغربية بصواريخ “جو–جو” من الطراز الأحدث عالميا.
ووفقا للوثيقة الرسمية الصادرة أمس الاثنين، فإن القيمة التقديرية للصفقة تبلغ حوالي 88.37 مليون دولار أمريكي. وتشمل تزويد القوات الملكية الجوية بـ30 صاروخا من طراز AIM-120C-8، المعروفة تقنيا باسم صواريخ “أمرام” (AMRAAM)؛ وهي صواريخ متطورة متوسطة المدى مخصصة للاعتراض الجوي وتُعد من بين الأكثر تطورا في مجال القتال الجوي.
في هذا السياق، أوضح محمد شقير، الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، أن هذه الصفقة تندرج ضمن منظومة دفاعية عسكرية شمولية يعتمدها المغرب، ولا تقتصر فقط على تحديث الأسطول الجوي؛ بل تشمل أيضا اقتناء أنواع مختلفة من الصواريخ، سواء “أرض–جو: أو “جو–جو”، بما يعزز قدرات المملكة في الدفاع عن حدودها والتصدي لأية تحركات معادية محتملة.
وأشار شقير، ضمن تصريح لهسبريس، إلى أن هذا التوجه يندرج في إطار التوترات الإقليمية القائمة، وفي ظل وجود نظام عسكري مجاور؛ ما يجعل مسألة تحصين الحدود الشرقية والجدار الدفاعي خيارا استراتيجيا مطروحا باستمرار.
وأضاف أن المغرب يعمل على تقوية ترسانته الدفاعية تحسبا لأي سيناريو محتمل، سواء تعلق الأمر بتحركات عسكرية أو تهديدات أمنية، مؤكدا أن اقتناء هذه الصواريخ يأتي ضمن رؤية شمولية تشمل الطيران، والمدرعات والأسطول البحري وباقي مكونات القوة العسكرية، حيث يوجد ترابط وتكامل بين مختلف أنواع الأسلحة.
وشدد الباحث ذاته على أن لجوء المغرب إلى الولايات المتحدة في اقتناء هذه الأسلحة ينسجم مع طبيعة الشراكة العسكرية الممتدة بين البلدين من سنة 2020 إلى 2030، باعتبار واشنطن حليفا استراتيجيا يوفر أحدث ما توصلت إليه الصناعات الدفاعية.
من جانبه، اعتبر عبد الرحمان مكاوي، الخبير العسكري، أن تزويد القوات الجوية الملكية بصواريخ “جو–جو” من فئة “أمرام” يشكل نقلة نوعية في دعم منظومة الدفاع الجوي المغربي، خاصة أنها مخصصة للاستخدام على متن طائرات F-16 Block 72.
وأوضح مكاوي، ضمن تصريح لهسبريس، أن هذه الصواريخ تمنح القوات الجوية قدرات متطورة لحماية الحدود البرية والبحرية والمجال الجوي الوطني، مؤكدا أن المغرب أصبح يتوفر تدريجيا على ترسانة متكاملة جوية وبحرية وفضائية وسبرانية.
وأضاف الخبير العسكري أن هذا التحديث المتواصل ساهم في الحد من سباق التسلح، الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الماضية.
وأبرز المتحدث أن صواريخ “أمرام” تتميز بقدرات قتالية عالية، وتعتمد على خوارزميات شديدة السرية، لافتا إلى أن المغرب أكد للجانب الأمريكي امتلاكه للقدرات الكفيلة بالحفاظ على سرية هذه التكنولوجيا بالمعايير نفسها المعتمدة لدى الولايات المتحدة.
أكد مكاوي أن أهمية هذه الصواريخ لا تقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية؛ بل تمتد أيضا إلى حماية الأمن القومي المغربي من أخطار الجماعات الإرهابية التي باتت تتوفر على وسائل جوية متطورة، مثل الطائرات المسيرة وصواريخ محمولة من نوع “سام 7″ و”سام 9”. كما تساهم هذه المنظومة في إحباط أية محاولات تستهدف أمن واستقرار المملكة.
وأضاف أن هذه القدرات قد تُستخدم أيضا في تحييد شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، خاصة تلك المتورطة في الاتجار الدولي بالمخدرات الصلبة، مثل بعض كارتلات أمريكا اللاتينية، مشيرا إلى أن هذا البعد ينسجم كذلك مع متطلبات حماية الأمن القومي الأمريكي.
وختم مكاوي بالتأكيد على أن صفقة اقتناء 30 صاروخا من طراز “أمرام”، بقيمة تقدر بنحو 88.37 مليون دولار، تشمل أيضا تجهيزات وتقنيات مرتبطة بعمليات التشغيل والتكامل مع طائرات F-16 Block 72؛ ما يعزز جاهزية القوات الجوية الملكية وقدرتها على مواجهة مختلف التحديات الأمنية المستقبلية.
من جانبه، أكد الشرقاوي الروداني، الخبير في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، أنه “في سياقٍ استراتيجي متكامل، لا يمكن فصل الزيارة الأخيرة للمسؤول العسكري الأمريكي الرفيع إلى الرباط بريان إليس عن سلسلة مؤشرات متراكمة تؤكد أن الشراكة الدفاعية بين المغرب والولايات المتحدة دخلت مرحلة النضج العملياتي العميق”.
وذكر الروداني، ضمن تصريح لهسبريس، أنه “إلى جانب المصادقة الأمريكية على صفقة نوعية لتزويد القوات الملكية الجوية بصواريخ AIM-120C-8 AMRAAM المتقدمة، يندرج هذا التطور ضمن مسار أشمل تُؤطّره خريطة الطريق العسكرية 2020–2030 الموقعة خلال زيارة مارك إسبير إلى المغرب، والتي أرست أسس تعاون طويل الأمد قائم على بناء القدرات، والاندماج العملياتي، وتوحيد منظومة العمل العسكري البيني. هذا المسار تعزّز كذلك بزيارة مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان الأمريكية آنذاك، بما حملته من دلالات ثقة استراتيجية وتقدير لدور المغرب كفاعل أمني محوري”.
وحسب الخبير في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، فإن هذا التقارب يتجسد عمليا في “الاستعداد لتنظيم نسخة جديدة من مناورات الأسد الإفريقي، التي باتت منصة مركزية لاختبار قابلية العمل المشترك، وتبادل الخبرات متعددة المجالات بين البلدين”، قائلا إنها “كذلك تعتبر تعبير جيواستراتيجي على أهمية دور المملكة المغربية في المجال الإفريقي الأطلسي والمجال الساحلي الإفريقي”.
ونبه الروداني إلى أن التعاون الثنائي بين البلدين “يستند إلى تنسيق وثيق في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، في ظل تدهور الوضع الأمني في الساحل الإفريقي وجنوب الصحراء، حيث يُنظر إلى المغرب باعتباره ركيزة استقرار وشريكا موثوقا في احتواء التهديدات غير المتناظرة”.
وشدد الخبير في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية على أن “تلازم الزيارات رفيعة المستوى وخارطة الطريق المؤسِّسة والتمارين العسكرية المشتركة والتمكين التسليحي النوعي يؤشر إلى شراكة لا تُدار بمنطق الظرفية؛ بل تُبنى كخيار استراتيجي دائم في هندسة الأمن الإقليمي، القاري والدولي”.
وذكر المتحدث أن صفقة اقتناء الصواريخ تعد “نقلة نوعية في بنية الردع الجوي المغربي، إذ تؤشر على انتقال القوات الملكية الجوية من منطق الدفاع الجوي التفاعلي إلى التحكم الاستباقي في فضاء الاشتباك خارج مدى الرؤية”.
وقال الروداني إن “اعتماد هذا الطراز المتقدم يعزز القدرة على فرض التفوق الجوي، ورفع كلفة أي اختراق محتمل للمجال الجوي الوطني، ويُدخل المغرب عمليا في دائرة الدول القادرة على إدارة الاشتباك الجوي ضمن بيئة قرار- متمحورة عالية الكثافة”.
المصدر:
هسبريس