شنّ عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، هجوماً سياسياً مباشراً على رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش وحكومته، متهماً إياهم بالجهل بحقيقة السياسة، وبالعبث بأرزاق الفقراء، وبخدمة منطق المال والصفقات بدل خدمة المواطنين، وذلك في كلمة مطولة ألقاها خلال الجلسة الختامية للملتقى الوطني للمرأة القروية، حيث وضع قضايا الدعم الاجتماعي، والأرامل، والمقاصة، والمرأة والأسرة، والفساد، والانتخابات في صلب خطابه.
في مستهل كلمته، التي ألقاها الأسبوع الماضي من إقليم فحص أنجرة، شدد بنكيران على أن السياسة الحقيقية “هي القرب من الناس، وليس التعلق بمراكز النفوذ”، معتبراً أن من يبني سياسته على العلاقة مع “الفوق” سرعان ما يُرمى ويُستغنى عنه، أما من يبنيها مع “التحب”، أي العلاقة مع الشعب، فإنه يبقى ويحميه المواطنون حتى لو أُبعد عن المناصب. وقال بوضوح: “السياسة الحقيقية هي أن تأتي إلى الناس، وتتكلم معهم، وتشرح لهم، ويثقون فيك. أما سياسة التعلق بالفوق فإنها تنتهي بأن يطردوك في آخر المطاف”
وصف بنكيران عزيز أخنوش بأنه رجل أعمال دخل السياسة دون أن يملك أخلاقها أو منطقها، مؤكداً أن من يقود البلاد اليوم “لا يفهم السياسة”، لأنه ينظر إلى المجتمع بعين الصفقات والأرباح لا بعين العدالة الاجتماعية. وقال: “هذا الرجل لا يفهم السياسة. هو يعيش في عالم الملايين والمليارات، ولا يعرف ماذا تعني 200 درهم لأسرة مغربية”.
“حكومة بلا أصل سياسي”
واعتبر أن أخنوش وحكومته لا يملكون “أصلاً سياسياً ولا تاريخ نضال”، بل جاؤوا من عالم المال إلى عالم الحكم، مضيفاً أن رئيس الحكومة “لم يضرب إضراباً، ولم يدخل السجن، ولم يعرف معنى التضحية السياسية”، بل انتقل بين الأحزاب حتى اقتضت المصلحة أن يُنصَّب على رأس حزب الأحرار.
وأكد بنكيران أن خطورة هذا الوضع تكمن في أن من يملك المليارات لا يشبع، بل تزداد شهيته، فيبحث دائماً عن المزيد، حتى ولو كان ذلك عبر المال العام. وقال: “الذين عندهم أموال كثيرة لا يمكن أن يستهلكوها، لكنهم يريدون المزيد ليشعروا أنهم أقوى من غيرهم”
من أبرز الاتهامات التي وجهها بنكيران لأخنوش، ما سماه “فضيحة 2.6 مليار درهم” في ملف تحلية مياه الدار البيضاء، حيث قال إن رئيس الحكومة حاول أن يحصل على هذا المبلغ من المال العام “بغير حق” عبر صفقة شاركت فيها شركته مع شركة إسبانية، قبل أن يتراجع تحت الضغط البرلماني، معتبراً أن القرار “لم يُلغَ بعد” وأن الخطر ما يزال قائماً. وقال مخاطباً الحضور: “قلنا له في البرلمان إنك لا تملك الحق في مليارين وستمائة مليون درهم في صفقة تحلية المياه، فتراجع وقال لن آخذها، لكنه لم يُلغ القرار”.
وفي محور اقتصادي مركزي، دافع بنكيران بشدة عن قراره خلال ولايته بإصلاح صندوق المقاصة، مؤكداً أنه أنقذ ميزانية الدولة من الانهيار، بعدما كانت تستنزف عشرات المليارات سنوياً دون مراقبة. وقال: “عندما جئتُ إلى الحكومة وجدتُ المقاصة تكلف الدولة 57 مليار درهم، وبقيتُ معها حتى خفضتها إلى 12 أو 15 ملياراً، وإلا كانت الدولة ستفلس”.
وأوضح أن نظام المقاصة كان يسمح للشركات ببيع الوقود ثم تقديم فواتير للدولة لتسديد الفرق، “من دون مراقبة ولا محاسبة”، محذراً من أن إعادته اليوم، كما يطالب بعضهم، تعني ضرب ميزانية الصحة والتعليم. وأشار إلى أن حتى الحكومة الحالية تعترف بخطورة إعادة المقاصة، لكنها في الوقت نفسه تهاجم حكومته التي أصلحتها، واصفاً هذا السلوك بـ”غياب الإنصاف”.
الأرامل: “سرقوا منهن آلاف الدراهم”
في ملف الدعم الاجتماعي، أكد بنكيران أن فكرة منح مساعدات مباشرة للفقراء والأسر الهشة كانت فكرته حين كان رئيساً للحكومة، وأنه طرحها على أخنوش شخصياً عندما جاءه في مراكش يفاوضه على دخول حزبه الحكومة. وقال: “جاءني أخنوش وقال لي: احذف الدعم المباشر وأخرج حزب الاستقلال من الحكومة. رفضتُ الأمرين. واليوم هو يطبق الدعم لكنه ينكره عليّ”. وأضاف أن المبلغ الذي كان يتصوره للدعم يتراوح بين 500 و 1000 درهم ، بل إن نزار بركة كان يقترح أن تصل الميزانية المخصصة له إلى 30 مليار درهم.
لكنه هاجم بشدة طريقة الحكومة الحالية في تطبيق “المؤشر” الذي يحرم الناس من الدعم لأسباب بسيطة، كاشتغال سبعة أيام أو شراء هاتف. وقال: “هذا لا يفهم السياسة. أن تمنح المواطن 500 درهم ثم تسحبها منه لأنه عمل سبعة أيام! هذا ظلم”.
وخصص بنكيران جزءاً واسعاً من خطابه للدفاع عن الأرامل، مذكراً بالمنحة التي أقرها لهن حين كان رئيساً للحكومة: 700 درهم للطفل الواحد. وقال إن الحكومة الحالية حين عممت منحة 500 درهم على الجميع، ألغت عملياً حق الأرامل ذوات الأطفال المتعددين، فخسرت بعضهن 200 درهم أو 550 درهم شهرياً. وقال بأسى: “امرأة كانت تأخذ 1050 درهم وأصبحت تأخذ 500 درهم فقط. هذا يهني أنها خسرت 550 درهم. هؤلاء لا يعرفون ماذا تعني 200 درهم في المغرب”.
المال السياسي وشراء الأصوات
في محور الانتخابات، هاجم بنكيران بشدة ظاهرة شراء الأصوات، قائلاً إن من يقبل 200 درهم مقابل صوته “باع شرفه وكرامته وبلاده ومستقبل أبنائه”. وأوضح أن هناك من يستغل فقر الناس لشراء ذممهم، بينما حزب العدالة والتنمية، كما قال، “قطع يده عن الحرام”، ولا يعتمد إلا على الله وأصوات المواطنين.
وأكد بنكيران أن الحكومة الحالية لا تهتم بالمواطنين، بل تستعملهم فقط عند الانتخابات. وقال إن نوابها يقولون للناس: “انتخبوا لصالحنا، ولا تسألونا بعد ذلك عن شيء”. وأضاف أن شركات بعض الوزراء، مثل وزير التعليم، تضاعفت مداخيلها بشكل هائل خلال توليهم المسؤولية، في إشارة إلى تضارب المصالح. وشدد على أن المال العام “مال المغاربة”، ولا يجوز أن يعيش به المسؤولون في “ألف ليلة وليلة” بينما يعاني المواطنون.
المصدر:
لكم