د. مصطفى تاج
قبل افتتاح كأس أمم إفريقيا لكرة القدم بأسابيع، نشرت كل من الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم على موقعيهما بالإنترنت إعلانات تطلب متطوعين للمساهمة في تنظيم الكأس التي تحتضنها بلادنا ما بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، بتسع ملاعب رياضية موزعة على ست مدن مغربية وهي أكادير ومراكش والدار البيضاء والرباط وفاس وطنجة… مما دفع بالآلاف من المتطوعين والمتطوعات إلى التسجيل عبر البوابة الالكترونية المنشأة لهذا الغرض.
وبعد اختيار وحسم لائحة المتطوعين المطلوبين وفق الشروط المدرجة، أطلقت اللجنة المحلية المنظمة لكأس أمم إفريقيا بشراكة مع مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل سلسلة دورات تكوينية ابتدأتها بمدينة المهن والكفاءات بتامسنا، وشملت بعدها أكثر من 70 موقعا تابعا لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل استفاد منها قرابة 15000 متطوعا ومتطوعة موزعين على المدن الست المحتضنة وبإشراف من أزيد من 150 مدربا مؤهلا لتأطير مختلف مراحل التكوين.
عملية التطوع هاته والتي أطلق عليها شعار: “تطوع معانا” كان الغرض منها هو تكوين المتطوعين الذي سيتكلفون بدعم مختلف الجوانب التنظيمية للبطولة، من الأنشطة الإعلامية والفنية والترفيهية والاعتمادات والضيافة، إلى استقبال الجماهير ومرافقتهم، فضلا عن مهام أخرى مرتبطة بهذا الحدث القاري الكبير، حيث استفاد المتطوعون من تكوين مهني وتطوير للمهارات، شمل تدريبات عامة وأخرى متخصصة حسب الدور والموقع، بالتركيز على مهارات الاستقبال وحسن الضيافة والعمل الجماعي وإدارة التواصل والإسعافات الأولية والتوجيه والإرشاد السليمين، إلى جانب تكوين ميداني داخل الملاعب وأماكن العمل. كما يعول على هذه الحملة لتكون فرصة مميزة لإدماج المتطوعين كجزء من الفريق الذي يقف خلف كواليس أكبر تظاهرة كروية في إفريقيا.
وبعد انطلاق الاستحقاقات الكروية الأولى المرتبطة بالكأس، يمكن القول بكل موضوعية بأن نجاح المغرب في الاحتضان مضمون ولله الحمد والمنة، وذلك بفعل المجهودات الجبارة التي قامت بها مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها، على مستوى تأهيل الملاعب القديمة وإحداث أخرى جديدة، وكذا على مستوى تجويد البنيات التحتية من طرق ومطارات وبنيات استقبال سياحية وترفيهية… ومن جهة أخرى على مستوى التنظيم الذي ساهمت فيه شريحة المتطوعات والمتطوعين بكل التزام واحترافية.
ولأن المناسبة شرط، فإنه يهمني هنا التطرق إلى الإطار القانوني الذي ينظم العمل التطوعي ببلادنا، وتسليط الضوء على بعض من جوانب قصور القانون رقم 06.18 المتعلق بالعمل التطوعي التعاقدي، والذي بقي جامدا منذ إصداره قبل خمس سنوات تقريبا من طرف الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني. ولو أن هذه الوزارة قامت باستطلاع رأي في صفوف رؤساء الجمعيات القائمة حول مدى معرفتها بالقانون ومضامينه إلا أن هذا غير كاف خصوصا وأن الواقع يبين أن أغلب الفاعلين الجمعويين لا علم لهم بالقانون أصلا ولم يستشاروا قبل إعداده وإصداره.
ولأن بلادنا سنت في دستورها مبدأ أساسيا يتعلق بالديمقراطية التشاركية والمواطنة، فإن أهم جوانب قصور القانون أنه لم يتم إصداره بشكل تشاركي وتعاوني مع المعنيين به. ثم أنه أغفل جانب التعويض المادي فيما نجد اليوم أنفسنا أمام حالة استعانة الدولة وكونفدرالية دولية (الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم) بجيش من المتطوعين وتوقيع عقود معهم تشمل تعويضات مادية، ولكن بشكل يناقض مضامين القانون المنظم. مما يطرح علامات استفهام كبيرة في الموضوع.
قد يقول قائل في هذا الأمر بأنه ليس هناك ما يمنع بأن تتعاقد الدولة أو أية جهة وطنية أو دولية مع متطوعين مقابل أجر، وأن الأصل في الأمر هو الإباحة، مادام القانون الحالي نظم فقط التطوع بدون أجر ولم ينظم التطوع بأجر. إلا أن الواقع يرتفع، والأصل في التشريع أنه يوضع لكي ينظم جميع التعاقدات بين الأطراف، كيفما كانت، حتى تصان الحقوق ويضمن كل طرف تحقيق مبتغاه بما يتماشى مع التزاماته. فدور الدولة مهم في قوننة جميع العمليات والتعاقدات التي تتم داخلها، في إطار شعارها الطموح: دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون.
لقد كان حريا بالوزارة المكلفة أن تستبق الأحداث، وتعدل قانونها أو تطرح قانونا ينظم العمل التطوعي بأجر قصد تعميق النقاش فيه قبل الوصول إلى هذا الفراغ القانوني والإحراج المؤسساتي والذي جعل الدولة وهيئة دولية من حجم الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم ومعها الجامعة الملكية لكرة القدم تجند متطوعين مغاربة وأجانب على أرضها في ظل فراغ تشريعي، حتى لا أقول بدون سند قانوني أو خارج منظومة القانون. فوضعية المتطوعين القانونية اليوم لا يؤطرها لا قانون العمل التطوعي التعاقدي السالف ذكره ولا مدونة الشغل.
والمؤسف حقا، أن فريقا برلمانيا هو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب كان قد فطن للأمر وسبق له أن بادر بالدفع بمقترح قانون يعدل القانون المتعلق بالعمل التطوعي التعاقدي في نسخته الحالية في نقطة فريدة تهم تنظيم التطوع بأجر، ولكن الوزارة المعنية لم تتجاوب معه إيجابا ولم تستجب لمطلب برمجته للمناقشة في اللجنتين المعنيتين بمجلسي البرلمان. مما يطرح السؤال حول واقع رصيد هذه الوزارة وحول جودة التشريعات التي تصدر من مديرية الشؤون القانونية بها، ومدى تتبعها للمبادرات البرلمانية التي ترمي تجويد النصوص وملائمتها مع متطلبات التطور الذي تعرفه الدولة والمجتمع.
المصدر:
هبة بريس