آخر الأخبار

الدفع بعدم دستورية قوانين المغرب .. قيود التشريع وحماية الحقوق والحريات

شارك

أكد الأكاديمي المغربي الحسن بوقنطار أن “القراءة المتأنية لمشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون تُبيّن خللا في التوازن بين المتطلبات الدستورية الخاصة بحماية الحقوق والحريات، وبين السهر على ضمان الأمن القانوني”، حيث لمس توجّها نحو “تقييد مسطرة الدفاع عبر إغراقها بمجموعة من القيود وأحكام تتعارض وروح الدستور”.

وأبرز بوقنطار، ضمن مقال توصّلت به جريدة هسبريس الإلكترونية، أن تمرير المشروع بصيغته الحالية، وإن كان ممكنا سياسيا بفعل الأغلبية البرلمانية، يبقى مرهونا برقابة المحكمة الدستورية وموقفها منه، موضحا أن “جوهر النقاش الدستوري سينصب بالأساس حول الأحكام الواردة في البابين الأول والثاني من هذا المشروع، خاصة ما يتعلق بالاختصاص الذي يبقى دستوريا حصريا للمحكمة الدستورية، ارتكازا على الفصل 133 من الدستور”.

نص المقال:

يعود موضوع تحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون إلى الساحة التشريعية في محاولة جديدة لتفعيل الفصل 133 من الدستور الذي شكل إضافة نوعية في مجال القضاء الدستوري، وترسيخ الحقوق والحريات من خلال تمكين المتقاضي من الدفع بعدم دستورية كل قانون يعتبر أنه يمس بحقوقه وحرياته. فهو يتوخى تحقيق مجموعة من الأهداف من أبرزها:

– المساهمة في تطهير المنظومة القانونية من النصوص المشوبة بعدم الدستورية، التي تكون إما صدرت قبل الدستور، أو أنها لم تخضع للمراقبة الدستورية، حيث إنه من المعروف أن القوانين التنظيمية وحدها خاضعة للمراقبة الدستورية القبلية قبل الأمر بتنفيذها، وذلك استنادا إلى الفصل 132 من الدستور. في حين إن القوانين العادية تبقى خاضعة لرغبة الجهات التي منحها الدستور إمكانية الطعن فيها قبل الأمر بإصدارها.

– توطيد حماية الحقوق التي نص عليها الدستور، خاصة في بابه الثاني المعنون بالحريات والحقوق الأساسية، من خلال تمكين المتقاضي من التدخل البعدي للطعن في كل قانون يعتقد أنه يمس بحقوقه أو حرياته.

لكن المشرع الدستوري أحاط هذه الآلية الدستورية بعدد من القيود التي يمكن أن نشير إليها:

لا يتعلق الأمر بدفع مباشر، بمعنى أنه لا يمكن الطعن في أي قانون بعد صدوره خارج المسطرة القضائية.

أن يكون المقتضى التشريعي موضوع الطعن من صميم النزاع، وأنه يمس بأحد الحقوق أو الحريات التي نص عليها الدستور.

لا يمكن إثارة مقتضى سبق التصريح بدستوريته من طرف القضاء الدستوري، ما لم تتغير الظروف الدستورية.

تصريح القضاء الدستوري بعدم دستورية مقتضى قانوني يمنع تطبيقه في النازلة المعروضة. لا تمتد آثاره إلى الوضعيات القانونية المكتسية، وإنما تمتد إلى المستقبل. فالأمر لا يتعلق بالإلغاء.

أفضت دسترة هذه الآلية إلى إحداث المحكمة الدستورية، التي حلت محل المجلس الدستوري الذي نشأ في سنة 1994، والذي استمر حتى بداية أبريل 2017، تاريخ تنصيب أعضاء المحكمة الدستورية من طرف جلالة الملك محمد السادس.

1. مسار معقد

لم يكن مسار تفعيل الفصل 133 سهلا. فبعد مرور أكثر من أربع عشر سنة على صدور دستور 2011، ما زالت مسطرة تفعيل هذا الفصل لم تصل إلى مبتغاها. لقد بدأت بإقرار القانون التنظيمي رقم 15.86، في 6 فبراير 2018، وتمت إحالته على المحكمة الدستورية التي باشرت دراسته ارتكازا على المادة 25 من القانون التنظيمي المتعلق بها. وأصدرت في 6 مارس 2018 قرارها رقم 18/70 الذي أجاز عددا من الأحكام، وصرح بعدم دستورية البعض، أبرزها يتعلق بنظام التصفية الذي جاء في ذلك القانون، والذي اعتبرته المحكمة المذكورة مخالفا لروح الدستور الذي ينص في فصله 133 على ما يلي: ” تختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق والحريات التي يضمنها الدستور”، بمعنى أن هذا الاختصاص يبقى حصريا للمحكمة الدستورية، سواء تعلق الأمر بالشكل أو المضمون.

وتبعا لهذا القرار الذي يعتبر ملزما للجميع بمنطوق الفصل 134 الذي ينص في فقرته الثانية على: “لا تقبل قرارات المحكمة الدستورية أي طريق من طرق الطعن، وتلزم كل السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية”، سعت الحكومة إلى ترتيب الآثار الناجمة عنه، وذلك من خلال الصيغة الثانية التي تم تقديمها إلى المحكمة الدستورية بعد استكمال مسطرة الإعداد. لكن هذه الأخيرة، وبموجب قرارها رقم 23/207 الصادر في 21 فبراير سنة 2023، صرحت بأن الإجراءات المتبعة لإقرار ذلك القانون غير مطابقة للدستور. بمعنى آخر، فإن المحكمة المذكورة المحكمة لم تتطرق للمضمون، الذي يظهر من خلال معاينته أنه كان يستجيب إجمالا لقرارها سالف الذكر.

2. إشكالات قانونية

تعود الحكومة مرة أخرى إلى تبني صيغة جديدة لهذا القانون التنظيمي تحت عدد 24.35، التي أحيلت على البرلمان في أكتوبر الماضي بعد تداول المجلس الوزاري بشأنها.

وبصرف النظر عن الملاحظة الشكلية المتعلقة بتغيير ترقيم هذا المشروع، وهل الأمر يتعلق بمجرد مسألة تقنية، أم إن الأمر يحيل إلى قانون تنظيمي جديد، فإن ما يهمنا هو معرفة ما إذا كانت هذه الصيغة الجديدة تستجيب للدستور، وتعالج على ضوئه ملاحظات المحكمة الدستورية، طالما أن هذه الأخيرة ستراقب أحكامه قبل إصدار الأمر بتنفيذه.

لا شك أن هذا المشروع الموجود بين أيدي البرلمان أخذ بعين الاعتبار بعض الملاحظات التي تضمنها قرار المحكمة الدستورية الصادر في سنة 2018، كما هو الأمر بالنسبة لإدخال النيابة العامة ضمن أطراف الدعوى، أو فيما يتعلق بإحالة تنظيم مسطرة معالجة الدعوى على القانون الداخلي للمحكمة، أو فيما يخص حذف كل ما يتعلق بهيئة التصفية الموضوعة في القانون السابق، لكن مع ذلك نلاحظ أن المشروع الجديد لم يكتف بترتيب الآثار، وتثبيت الأحكام التي اعتبرتها المحكمة الدستورية مطابقة للدستور، بل إنه تبنى هندسة جديدة تضمنت مزيدا من المواد، وفي الوقت نفسه أدرجت أحكاما تتطلب مراقبة جديدة من طرف المحكمة الدستورية.

في الواقع، ينبني هذا المشروع على محاولة إقرار نوع من التوازن بين المتطلبات الدستورية التي ترمي إلى حماية الحقوق والحريات كما نص عليها الدستور، لا سيما في بابه الثاني، وأكدها قرار المحكمة الدستورية سالف الذكر، وبين ضمان السير العادي لمرفق العدالة، والسهر بالأساس على ضمان الأمن القانوني. لكن القراءة المتأنية لهذا المشروع تبين اختلال هذا التوازن لصالح منطق يتوخى بالأساس تقييد مسطرة الدفع من خلال إغراقها بمجموعة من القيود، وأحكام تتعارض وروح الدستور، خاصة فيما يتعلق بإجراءات الدفع أمام محكمة درجة أولى، أو درجة ثانية. نكتفي بالإشارة إلى البعض منها، فيما يلي:

أولا: فيما يتعلق بإثارة الدفع، نلاحظ أن هذا النص قلص من إمكانية إثارة الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة الاستئناف لأول مرة، إلا في حالة استثناءين، هما: صدور حكم غيابي في المرحلة الابتدائية في حق مثير الدفع أو صدور مقرر قضائي في المرحلة الابتدائية بناء على نص تشريعي لم يثره الطرف الآخر (الفقرة الثانية من المادة 3). يطرح هذا التقييد إشكالا يرتبط بحق المتقاضي في إثارة هذا الدفع الذي يهم حقا من حقوقه، في جميع مراحل التقاضي.

ثانيا: تتعلق الملاحظة الثانية بالطرف المعني بوضع مذكرة الدفع. نسجل أن المحكمة الدستورية في معرض مراقبتها للمادة 5 من القانون التنظيمي 15. 86 اعتبرت في تفسيرها للمادة المذكورة أن الدفع بعدم الدستورية يتبع الدعوى الأصلية بخصوص ما تتطلبه في موضوع الاستعانة بمحام، فتكون الاستعانة بمحام في الحالة التي توجب ذلك الدعوى الأصلية، في حين يكون للمعني بالأمر الحق في توقيع الدفع إذا كانت الدعوى الأصلية التي أثير بمناسبتها معفية من تطبيق قاعدة الاستعانة الوجوبية بمحام. في الصيغة الحالية، هناك تضييق واضح، سواء على حق المتقاضي أو جزء من المحامين، حيث لا يمكن أن تكون مقبولة إلا إذا كانت موضوعة من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض. وهذا التقييد، بالمقارنة مع ما جاء في الصيغة التي أجازها قرار المحكمة الدستورية سالف الذكر، يحرم طرفين هما: المتقاضي نفسه إذا كان في قضية لا تلزم وجود محام، وهو مقيد للفصل 118 من الدستور الذي ينص على أن “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون”، والمحامي نفسه، حيث إن فئة واسعة من المحامين ستجد نفسها غير مؤهلة للقيام بذلك، ومجبرة بالاستعانة بمحام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، الذي هو ليس طرفا في الدعوى الأصلية. مما يشكل تضييقا واضحا على الحقوق، وخاصة ما يتعلق بالحق في محاكمة عادلة طبقا للفصل 23 والفصل 120 من الدستور.

التبرير الذي يساق لتمرير هذا المقتضى يستند إلى الحرص على عدم إغراق المحكمة بدفوع تفتقر للجدية وللكفاءة الضرورية لتحرير مذكرات الدفع. لكن هذا التبرير غير مقنع، من جهة لا نملك أي معطيات دقيقة حول عدد الدفوع المحتملة، طالما أن الآلية ما زالت لم تطبق إلى حد الساعة. فالأمر يتعلق بإسقاطات تفتقر إلى البرهنة في الوقت الراهن. فضلا عن ذلك، فإن تحقيق الأمن القضائي لا يمكن أن ينظر إليه فقط بمنظور أمني. فالأمن القضائي يتحقق بجودة النصوص ووضوحها، وانسجامها مع الدستور، وكذا استقرار الاجتهاد القضائي وثباته. أكثر من ذلك، في الوقت الذي نسمح لأي محام بالطعن أمام المحكمة الدستورية فيما يتعلق بالطعون الانتخابية التشريعية، فإننا نمنعه فيما يخص الدفع بعدم الدستورية. وهو أمر يحتاج إلى تبرير أكثر صلابة.

ثالثا: في السياق نفسه، فإن المشروع أعطى في مادته الخامسة للمقررات التي تصدرها محكمة درجة أولى أو محكمة درجة ثانية قوة مطلقة، حيث إذا تبين لها عدم استيفاء المذكرة للشروط المذكورة تصدر مقررا بعدم القبول معللا، لكنه غير قابل للطعن. ومن شأن هذا المقتضى أن يجعل من محكمة درجة أولى أو ثانية قاضيا دستوريا محل المحكمة الدستورية. وتكون قراراتها، ولو ضعيفة التعليل، أو معيبة، غير قابلة للطعن. وهو أمر يتناقض والشرعية القضائية التي تعطي للمتقاضي إمكانية الطعن حتى آخر درجة للتقاضي، وهي المجسدة في محكمة النقض.

رابعا: في المادة 8 من هذا المشروع: بدل أن يكتفي النص بإحالة الملف من طرف المحكمة التي أثير أمامها الدفع مباشرة إلى المحكمة الدستورية، فإنه يكرس مصفاة مقنعة، حيث تنص على أنه “يحال الدفع بعدم دستورية قانون المثار أمام محكمة أول درجة أو محكمة ثاني درجة، حسب الحالة، إلى الرئيس الأول لمحكمة النقض … ويشعر فورا الوكيل العام للملك لدى هذه المحكمة قصد تقديم ملتمساته الكتابية داخل أجل ثلاثة (3) أيام من تاريخ توصله بنسخة من هذه المذكرة”.

وتتميما لهذا المسار، تشير المادة 9 إلى أن “تتولى محكمة النقض التحقق من استيفاء مذكرة الدفع المحالة إليها للشرطين التاليين:

وجود صلة بين المقتضى التشريعي محل الدفع وبين الحق أو الحرية موضوع الخرق أو الانتهاك والتي يضمنها الدستور

أن لا يكون قد سبق البت بمطابقة المقتضى التشريعي محل الدفع للدستور، ما لم تتغير الأسس التي بنيت عليها المطابقة المذكورة”.

سواء تعلق الأمر بالشرط الأول أو الثاني، فهما يدخلان في اختصاص المحكمة الدستورية، اعتبارا إلى أن الأول، ولو اعتبر من الشروط الشكلية لدعوى الدفع، يبقى جزءا لا يتجزأ من اختصاص المحكمة. وأما الثاني، فإنه تقني، حيث إن القضاء الدستوري أدرى بالقضايا التي عالجها، والتي اعتبرها دستورية أو غير دستورية. فالأمر يتعلق بالذاكرة الدستورية. وصيانتها تقع على عبئ القضاء الدستوري نفسه، وليس القضاء العادي.

لذلك، فإن المادتين الثامنة والتاسعة المذكورتين تعودان بنا إلى الجدل المتعلق بالاختصاص، الذي كرسه الفصل 133 من الدستور. فتمكين محكمة النقض من النظر في مذكرة الدفع، حتى ولو تم الحديث بشكل مقنع عن الصلة، فإنه يشكل مخالفة للحكم الدستوري، من حيث يمنح اختصاصا لمحكمة النقض يتعلق في العمق بمراقبة جدية الدفع، وهو أمر ليس من اختصاصها، كما ورد في قرار المحكمة الدستورية آنف الذكر.

ختاما، لم أر جدوى من الخوض في باقي الأحكام المنصوص عليها في هذا المشروع، إدراكا مني أن جوهر النقاش الدستوري سينصب بالأساس حول الأحكام الواردة في البابين الأول والثاني من هذا المشروع، وخاصة ما يتعلق بالاختصاص الذي يبقى دستوريا من الاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية، ارتكازا على الفصل 133 من الدستور، وقرار المحكمة المشار إليه آنفا.

قد تستطيع الحكومة، بما لها من أغلبية مريحة أن تمرر هذا المشروع، لكن السؤال يبقى مطروحا حول موقف المحكمة الدستورية منه في حالة تبنيه بالصيغة المطروحة من طرف الحكومة.

ملحوظة: هذا المقال في الأصل مداخلة قدمت في الندوة التي نظمتها لجنة العدل والتشريع والحريات العامة بمجلس النواب، وذلك يوم 30 ديسمبر 2025.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا