آخر الأخبار

معطيات رسمية تكشف عن "زلزال ديمغرافي صامت" يحول المغرب إلى "مجتمع مسن"

شارك

كشفت معطيات حديثة صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، استنادا إلى نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، عن تسارع لافت في وتيرة الشيخوخة الديمغرافية بالمغرب، في تحول بنيوي عميق يطال تركيبة السكان ويطرح تحديات متزايدة على مستوى السياسات العمومية، خصوصاً في مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والتكافل بين الأجيال.

وأفادت مندوبية التخطيط في إحصائيات حول المسنين بالمغرب، بناء على الإحصاء الأخير للسكان والسكنى 2024 أن تطور حجم وبنية السكان حسب الفئات العمرية يشهد مسارا متواصلا من الشيخوخة منذ ستينيات القرن الماضي، غير أن هذا المسار عرف تسارعا واضحا خلال العقد الأخير. فإلى غاية فاتح شتنبر 2024، بلغ عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فما فوق حوالي 5,027 ملايين شخص، مقابل 3,168 ملايين سنة 2014، و2,376 ملايين فقط سنة 2004، ما يعني أن عدد المسنين بالمغرب تضاعف بأكثر من الضعف خلال عشرين سنة.

وسجلت الفترة ما بين 2004 و2014 نموا في عدد المسنين بنسبة 33,3 في المائة، قبل أن تشهد مرحلة 2014-2024 قفزة أكبر بنسبة 58,7 في المائة، وهو ما يعكس تسارعا ديمغرافيا غير مسبوق. واعتبرت المندوبية أن هذا التحول العميق من شأنه أن يفرض إعادة تقييم شاملة للسياسات العمومية، بالنظر إلى ما يحمله من رهانات اجتماعية واقتصادية وصحية مرتبطة بتزايد حاجيات فئة عمرية آخذة في الاتساع.

وعلى مستوى النوع الاجتماعي، أوضحت المعطيات أن النساء ما زلن يشكلن النسبة الأكبر ضمن فئة المسنين، بفعل تفوقهن في أمد الحياة عند الولادة. ففي سنة 2024، بلغ عدد النساء المسنات حوالي 2,576 ملايين مقابل 2,451 ملايين من الرجال. غير أن تطور هذه النسبة عرف تذبذبا خلال العقدين الماضيين، حيث انتقل وزن النساء من 52,3 في المائة سنة 2004 إلى 50,8 في المائة سنة 2014، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 51,2 في المائة سنة 2024.

وترافق هذا الارتفاع العددي للمسنين مع تزايد مطّرد في وزنهم الديمغرافي داخل مجموع السكان. فبعد أن كانت نسبتهم لا تتجاوز 7,2 في المائة سنة 1960، ارتفعت إلى 8 في المائة سنة 2004، ثم إلى 9,4 في المائة سنة 2014، لتبلغ 13,8 في المائة سنة 2024. في المقابل، سجلت فئة السكان في سن النشاط (15-59 سنة) تراجعا خلال العقد الأخير، بعد مسار تصاعدي طويل، حيث انخفضت نسبتهم من 62,4 في المائة سنة 2014 إلى 59,7 في المائة سنة 2024. أما فئة الشباب دون 15 سنة، فقد واصلت منحناها التنازلي، منتقلة من 44,4 في المائة سنة 1960 إلى 26,5 في المائة سنة 2024.

وأكدت المندوبية أن وتيرة النمو الديمغرافي لفئة المسنين تفوق بشكل واضح معدل نمو مجموع السكان. فبين سنتي 2004 و2014، بلغ معدل النمو السنوي المتوسط لهذه الفئة 2,92 في المائة، قبل أن يرتفع إلى 4,73 في المائة خلال الفترة 2014-2024، في حين عرف معدل نمو مجموع السكان تراجعاً من 1,25 في المائة إلى 0,83 في المائة خلال الفترتين نفسهما. ويعكس هذا التباين تسارع ظاهرة الشيخوخة، التي يُتوقع أن تتعمق أكثر في السنوات المقبلة.

ومن بين المؤشرات الدالة على هذا التحول، سجلت المندوبية تضاعف نسبة المسنين مقارنة بعدد الأطفال دون 15 سنة خلال عشرين عاما. فبعد أن كان المغرب يسجل أقل من 26 مسناً لكل 100 طفل سنة 2004، ارتفعت هذه النسبة إلى أكثر من 37 سنة 2014، لتصل إلى حوالي 52 مسناً لكل 100 طفل سنة 2024، وهو ما يعكس تغيرا جذريا في شكل الهرم السكاني.

كما أظهرت المعطيات ارتفاعا مقلقا في مؤشر عبء الإعالة المرتبط بالشيخوخة، الذي يقيس الضغط الاقتصادي الذي تمثله فئة المسنين على السكان في سن العمل. فقد انتقل هذا المؤشر من 13,1 في المائة سنة 2004 إلى 14,9 في المائة سنة 2014، ليبلغ 22,8 في المائة سنة 2024، ما يعني تزايد العبء الاجتماعي والاقتصادي على الفئات النشيطة.

وعزت المندوبية السامية للتخطيط هذه التحولات أساساً إلى التقدم الكبير الذي حققه المغرب في مسار الانتقال الديمغرافي، والذي يتسم بانخفاض حاد ومستمر في معدلات الخصوبة، إلى جانب تحسن ملحوظ في مؤشرات البقاء وأمد الحياة. فقد تراجع مؤشر الخصوبة الإجمالي من 7,2 أطفال لكل امرأة سنة 1962 إلى 3,14 سنة 1994، ثم إلى 1,97 سنة 2024، وهو مستوى يقل عن عتبة تعويض الأجيال المحددة في 2,1 طفل لكل امرأة.

وسجل الانخفاض في الخصوبة سواء في الوسط الحضري أو القروي، وإن كان أكثر حدة في المدن، حيث تراجع متوسط عدد الأطفال لدى المرأة الحضرية من 7,77 سنة 1962 إلى 1,8 طفل سنة 2024، مقابل انخفاض من 6,91 إلى 2,4 طفل في الوسط القروي خلال الفترة نفسها.

وأرجعت المندوبية هذا التراجع إلى جملة من العوامل، من بينها ارتفاع سن الزواج الأول، وتزايد معدلات العزوبة، واتساع استعمال وسائل منع الحمل، في سياق يتسم بتعزيز التعليم، وتسارع التمدن، وتكريس برامج التخطيط العائلي. فقد ارتفع متوسط سن الزواج الأول لدى النساء من 17,5 سنة سنة 1960 إلى 24,6 سنة سنة 2024، ولدى الرجال من 24 سنة إلى 32,4 سنة خلال الفترة ذاتها، فيما انتقلت نسبة استعمال وسائل منع الحمل من أقل من 10 في المائة خلال سبعينيات القرن الماضي إلى 71 في المائة سنة 2018.

وخلصت المندوبية إلى أن هذه المؤشرات مجتمعة تنذر بتحديات كبرى تنتظر المغرب في أفق السنوات المقبلة، وتفرض ضرورة بلورة سياسات عمومية استباقية وشاملة، تستجيب للتحولات الديمغرافية المتسارعة، وتضمن كرامة وجودة عيش فئة المسنين، في إطار توازن اجتماعي مستدام بين مختلف الأجيال.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا