أنس العمري – كود///

في مراكش، المدينة التي تتقاطع فيها الذاكرة بالحاضر، وتتمازج فيها رائحة التاريخ بنبض المستقبل، لم يكن افتتاح أشغال الدورة الـ93 للجمعية العامة للإنتربول مجرد موعد دولي آخر. كان، في عمقه، لحظة كاشفة لبلد يخرج من نطاقه الجغرافي نحو فضاء أوسع.. فضاء التأثير العالمي.

وهكذا وجد المغرب نفسه، ومعه عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، في واجهة المشهد الأمني الدولي، ليس بصفة المملكة بلد مضيف، بل باعتبارها مرجعا يشاهد به وتنسب إليها الريادة، حموشي ليس مجرد شخصية، بل قامة أمنية يستشهد به المسؤولون الدوليون.

فمنذ سنوات، والمملكة تتقدم بخطى ثابتة نحو بناء نموذج أمني متزن، يمزج بين الحداثة والإنسانية، ويزاوج بين الصرامة المهنية ورؤية سياسية حكيمة. وفي افتتاح هذا الحدث الدولي البارز، بدا واضحا أن المغرب لم يعد مجرد فضاء للتعاون الأمني، بل أضحى إحدى ركائزه، وأحد مراكز ثقله.

فحين اعتلت مراكش منصتها الدولية، للمرة الثانية بعد سنة 2007 التي شهدت تزين المدينة بأعلام الدول الأعضاء في المنظمة خلال الدورة 76، تحولت إلى منارة تسلط منها إشادات متتالية على المغرب، الذي اختار تحويل الأمن إلى ثقافة جماعية، واستراتيجية دولة، وورشة مستمرة لا تنتهي.

المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، لم يعد فقط اسما بارزا في المنظومة الأمنية المغربية، بل أصبح رمزا دوليا لمدرسة جديدة في العمل الشرطي والاستخباراتي.

وحين وقف في الجلسة الافتتاحية، لم يكن يخاطب العالم فقط باسم مؤسسة أمنية، بل باسم نهج متكامل ترتكز دعائمه على رؤية ملكية واضحة.

قال عبد اللطيف حموشي، في كلمته بالجلسة الافتتاحية اليوم الاثنين، إن المغرب يتعامل مع الأمن باعتباره “نعمة جماعية ومسؤولية مشتركة”، مبينا أن حماية المجتمعات لن تتحقق إلا عبر “توطيد التعاون المؤسساتي، وتعزيز الشراكات المجتمعية، وتقوية التعاون الدولي”.

كانت كلماته هاته امتدادا لفهم عميق يعتبر الأمن ليس رد فعل، بل جزءا من هندسة شاملة لبناء دولة مستقرة، وقادرة على حماية نفسها وشركائها.

كما أشار إلى أن الاستراتيجية الأمنية المغربية قائمة على مبدأين لا ينفصلان، حماية الأمن واحترام حقوق الإنسان، حيث أنه في مرحلة تتصاعد فيها التهديدات وتتعقد فيها الجريمة، يصبح هذا التوازن فلسفة متقدمة، تضع المغرب بين الدول القليلة التي استطاعت أن تجعل من الوظيفة الشرطية خدمة وطنية وإنسانية في آن واحد.

أمام هذا الزخم، لم يتردد اللواء أحمد ناصر الريسي، رئيس منظمة الإنتربول، في وصف المغرب بـ”النموذج الراسخ” في الانفتاح والتعاون الأمني.

لم تكن كلماته مجاملة دبلوماسية، بل كانت اعترافا صريحا بعمل مؤسساتي، وبنهج جعل المغرب شريكا استراتيجيا لدول العالم، لا مفعولا به في المعادلات الأمنية.

أما الأمين العام للمنظمة، فالديسي أوركيزا، فقد قدم بدوره شهادة ذات دلالة.. فالمغرب، في نظره، ليس فقط مضيفا للقمة… بل “عضوا نشطا وداعما أساسيا” لعمل الإنتربول، وفق ما جاء في تصريحه لوسائل الإعلام على هامش الجلسة الافتتاحية للمؤتمر المستمرة أشغاله إلى 27 من نونبر الجاري.

إنها شهادة تترجم سنوات من العمل الهادئ، ومن الحضور الفعال في الملفات العابرة للحدود، ومن قدرة المملكة على أن تكون جزءا من الحلول، لا من المشكلات.

إن هذه اللحظة الدولية التي تحتضنها مراكش أكثر من مجرد مؤتمر. إنها تأكيد على أن المغرب، بقيادته ورجالاته ومؤسساته، صار شريكا أساسيا في بناء أمن العالم.

وعبد اللطيف الحموشي، بما راكمه من خبرة وحكمة وصرامة مهنية، أصبح أحد الوجوه التي تختزل فيها مكانة دولة كاملة.

وهو لا يظهر كمسؤول يؤدي مهامه فحسب، بل رجل دولة يصنع اتجاها، ويترك أثرا، ويعيد تشكيل صورة الأمن في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة.

مراكش لم تحتضن مؤتمرا.. عاصمة النخيل احتضنت لحظة صعود بلد إلى مستوى جديد من التأثير.

ولحظة تأكيد على أن المغرب، في عالم مرتبك، أصبح عنوانا للثقة. وعبد اللطيف حموشي أحد أبرز لغاته الصريحة.