لم يكن إصدار هدى ألبومها القصير في فرنسا مجرّد تمرين على الشهرة، بل فعل وعيٍ فنّي، يتجاوز الرغبة في الوصول إلى المدى الأعمق: أن تُصغي المدينة الأوروبية لصوتٍ قادم من الجنوب لا على سبيل التكرار، بل التغيير. خمس أغانٍ مشبعة بروح التجريب، مشغولة بعناية حرفيّة، تتوسّل اللغة الفرنسية لا باعتبارها وسيلة للتماهي، بل كأداة لإعادة التشكيل. صوت هدى يخرج من بين السطور لا ليغنّي فقط، بل ليُقيم حوارًا مع ثقافة تستقبل الفنّ بشروط السوق، فتقدّم لها هي عملًا يتنفّس الصدق، ويُلغي المسافات بين الأصل والمنفى. بهذا الألبوم، لا تبحث هدى عن جمهور، بل تصنع لنفسها موقعًا في خريطة الفن المعاصر، كأنها تفتح نافذة تطلّ منها الأغنية المغربية الحديثة على فضاء أوروبي يفتّش عن الجِدة دون أن يفقد توازنه مع المألوف.

لفتت هدى الأنظار في بداياتها من خلال مشاركتها في برنامج فرنسي لاكتشاف المواهب حمل عنوان *”Voix Nouvelle”*، وهو منصة شبابية حديثة تهدف إلى إبراز الأصوات الفريدة القادمة من خلفيات ثقافية متنوّعة. في هذا السياق لم تكن هدى مجرّد مشاركة، بل مفاجأة الموسم، إذ امتلكت قدرة لافتة على احتواء النصوص الغنائية الفرنسية، وإعادة بثّها بنبرة تحمل دفء الجنوب وأناقة التعبير الحضري؛ حضورها اللافت، وجرأتها في اختيار الأعمال التي تؤديها، جعلا منها حديث لجنة التحكيم، وواحدة من أبرز الأسماء التي استطاعت أن تُبرهن على أنّ الفن لا يعترف بالهويات المغلقة، بل يزدهر حين تنفتح الذائقة على المختلف والمتجاوز.

في ألبومها “Dans Mon Monde” تتجاوز هدى منطق التجريب السطحي إلى بناء عالم موسيقي يتكئ على التفاصيل، ويتنفّس عبر نبض داخلي خافت، لكنه نافذ. لا يُسمَع هذا العمل بقدر ما يُستَشعر؛ فالأغاني الخمس ليست محطات صوتية فحسب، بل خرائط شعورية مرسومة بحسّ أنثوي حاد، فيه من الرقة قدر ما فيه من القوّة؛ تُطوّع اللغة الفرنسية في مقاطعها كما لو أنها لغتها الأولى، تُغنّيها بنبرة لا تُحاكي الغرب بل تُحادثه، وتُحمّل الكلمات بدلالات تُقارب الحنين والغربة والانبعاث. وفي خلفية كل لحن تهمس تفاصيل الإنتاج الحديثة التي أشرف عليها منتجون شباب من باريس، منحوا المشروع ذلك التوازن النادر بين الحداثة الإلكترونية والملمس الشرقي الشفيف، في توليفة لا تفتقر إلى الانسجام ولا إلى الجرأة.

تنبض أغاني الألبوم بتوتّر داخلي رفيع، يمسك بتلابيب الذات الممزّقة بين الأمس والغد، بين الأرض التي انبثقت منها اللغة الأولى، وتلك التي فُرضت كلغة واقع. لا تتعامل هدى مع موضوعاتها كمجرّد محاور للغناء، بل كحالات وجودية تُسكِنها في صلب التكوين الفني، فتُصبح الأغنية مساحة استبطان لا مجرّد أداء. أكثر ما لامس الجمهور، خصوصًا الشباب المغاربي المقيم في أوروبا، كان ذلك الشعور بالانشطار الهادئ الذي عبّرت عنه المغنية في “Entre Deux Rives”؛ عملٌ تتداخل فيه الشِعرية بالسرد، ويطفو فيه صوتها كهمس طويل من حنين لا يريد أن يُشفى. في تلك الأغنية، لا تطرح الغربة كمعاناة، بل كهوية ثالثة، تنمو في الفراغ بين الوطن والمهجر، حيث لا الجذور كافية للثبات، ولا الآفاق مضمونة الاستقرار.

حضور هدى في المشهد الفني الفرنسي لم يكن نبتًا عشوائيًا، بل زرعًا حاذقًا التقطته أعين النقّاد قبل أن يترجمه الجمهور تفاعلًا؛ الصحافة الثقافية، بكل ما فيها من تريّث وصرامة، لم تتردد في الاحتفاء بها، فقد خصّتها صحف مثل Le Parisien وLibération بمقالات تسبر عمق صوتها، وتُشيد بنقاء إنتاجها وبُعده عن الصيغ الجاهزة؛ وُصفت بأنها تمثّل ملامح جيل جديد من الفنانين المغاربيين، أولئك الذين لم يعودوا يرون في اللغة قيدًا، بل أداة انفتاح، ولا في الجذور عبئًا، بل نبعًا للفرادة. في الفضاء الرقمي، كان الصدى أسرع وأوسع، مقاطع الألبوم اجتاحت “تيك توك” و”إنستغرام”، حيث اختارها مئات الشباب لتأطير لحظاتهم الشخصية، لا لأنها رائجة فقط، بل لأنها تشبههم: متردّدة، متمردة، ومحلّقة على تخوم الانتماء.

ما تُراهن عليه هدى ليس مجرد صوتٍ جميل، ولا مشروعًا ظرفيًا يُعزز حضورها في سوق موسيقي عابر، بل هو تصوّرٌ كامل للهوية الفنية في زمنٍ يتقلّب فيه معنى الانتماء؛ فهي لا تقبل أن تُختزل في قالب “الفنانة المغاربية المقيمة في فرنسا”، بل تُطالب بموقع أوسع، أكثر تعقيدًا وعمقًا، حيث يمكن للذات أن تكون مُركّبة بلا أن تُتَّهم بالتشتّت؛ في حديثها لوسائل الإعلام بدت واثقة من خطّها الفني، حين صرّحت بأنها لا تُقلّد، ولا تستعير، بل تُنحت لغتها الخاصة من تضاريس تجربتها الشخصية، من دفء التربية المغربية ونظامية التعليم الفرنسي؛ بالنسبة لها لا تُناقض اللغة الفرنسية هويتها، بل تُكملها، تمنحها نبرة جديدة تُتيح لها أن تُخاطب جمهورًا متنوّعًا دون أن تفقد وضوح نبرتها الأصلية؛ هذه الرؤية، التي تمزج بين الأصالة والانفتاح، هي ما يُضفي على مشروعها طابعًا واعدًا واستثنائيًا في آن.

في أوساط الجالية المغاربية استُقبل ألبوم هدى بكثير من الحفاوة، لا لأنه فقط يُحاكي تجربتهم، بل لأنه يُعبّر عنها بصدق نادرٍ وأسلوبٍ يلامس الوجدان دون تكلّف. أغنية “Fille de Personne” تحوّلت إلى ما يشبه نشيدًا خفيًا، يتداوله الشباب باعتباره مرآة لمشاعر التمزّق والتداخل، ورسالة تُخاطب ذلك الجيل الذي نشأ في قلب ثقافتين، دون أن يُمنح حق الانتماء الكامل لأيٍّ منهما. بعض التعليقات التي رافقت انتشار الأغنية على المنصات الرقمية وصفتها بأنها “صرخة ناعمة” تعبّر عمّا يعتمل في داخل الآلاف من أبناء الهجرة الصامتين. وقد وجدت الجمعيات الثقافية المغربية في فرنسا في صوت هدى تجسيدًا لما تصبو إليه: فنانة شابة، حداثية الرؤية، غير منبتّة عن الأصل، قادرة على أن تُصيغ الجذر في قالب جديد؛ من هذا المنطلق، وجّهت إليها دعوات لإحياء أمسيات موسيقية في عدد من المدن الفرنسية، كرمزٍ حيّ لهوية لا تتكلم عن الماضي فقط، بل تنبض بالحاضر وتعيد تعريفه.