آخر الأخبار

الراحل سعيد بنجبلي.. مسار "مدوّن" آمن بالتغيير وحرية التعبير و"السّلميّة"

شارك

طابعُ صدمة، ومسحة جنائزية، طبعت تدوينات مغربية بعد تأكّد خبر رحيل المدون سعيد بن جبلي، الذي سبق أن قاد جمعية المدونين المغاربة لمّا كانت المدونات فضاء مؤثّرا للنقاش العمومي متعدّد المشارب والتقديرات، ورافدا من الروافد التي غذّت بعد ذلك “حركة 20 فبراير” سنة 2011 في شوارع المملكة.

وتعدّدت موضوعات النعي والتّلاوُم… فمن آثار الصدمة السياسية لمآلات حراك عشرين فبراير إلى أسئلة حرية الرأي والتعبير، وتقبّل الاختلاف الديني والسياسي، والتعامل الهزلي مع الصحة النفسية، خاصة بعد تعميم رسالة انتحار نُسِبت للفقيد، تحدّث فيها عن معاناته منذ منتصف ثلاثينيّاته من “ثنائي القطب”.

مسار حياة

سعيد بنجبلي، ذو اللكنة الدكالية التي ينظر إليها مغربيّا بأنها لكنة بدوية يمكن أن تعني في تصوّر اللّاوعي الجمعيّ “السذاجة” و”الصراحة”، وُلد سنة 1979 بإقليم الجديدة، في قرية أولاد افرج، وحصل، وفق حوار سابق لهسبريس معه على شهادة الباكالوريا في الهندسة الكيميائية والإجازة في الدراسات الإسلامية، واعتقل وحكم عليه بخمسة أشهر حبسا، و”تعرض للطرد من كلية الشريعة والقانون بفاس بسبب مواقفه النقابية ونشاطه الطلابي، حيث كان ممثلا للطلاب وقاد الاحتجاجات ضد النظام التعليمي الذي كان يهدف إلى التخلي عن مجانية التعليم”.

الكاتب الراحل بدأ تجربة التدوين الرقمي سنة 2005، وساهم في تأسيس “اتحاد المدونين العرب” الذي كان مسؤوله الإعلامي، ثم “اتحاد المدونين المغاربة” الذي ترأّسه في صيغة “جمعية المدونين المغاربة”.

وسنة 2011، بعد شهور من “الحراك” الذي كان من أسمائه المعبّرة إعلاميا، عمّم بنجبلي بيانا يقول: “أنبهكم إلى أن انفراط علاقتي بجماعة العدل والإحسان معلوم للخاص والعام، ويكفي أي مبتدئ أن يقرأ سيرتي المنشورة في وسائل الإعلام ليعرف الأمر، كما أنني ‘مسلم عادي’، ولست إسلاميا بالمعنى المعروف للكلمة، الذي يعني الانتظام في جماعة إسلامية أو ما شابه، وعليه فإنني أرفض وصفي بما ينافي قناعاتي وما يخالف توجهاتي بغرض الطعن في مصداقيتي وتشويه الحقائق من أجل أهداف غير بريئة”.

مواقف سياسية

في الشهر الأول من “حراك 20 فبراير” بالمغرب كتب سعيد بنجبلي مناديا بالتشبث بالسلمية: “ليس لدينا الوقت هنا لنتحدث عن رموز اللاعنف الذين سجلوا أسماءهم في التاريخ بفضل تحريرهم شعوبهم بأقل الخسائر الممكنة، ورسموا مسيرتهم نحو الانعتاق والتطور، ولا للحديث عن الفوائد العظيمة لهذا المنهج الذي أثبتت السنون والتجارب نجاحه وأفضليته، لكن ما يهمنا هو أن يحرص الشباب في ثورات الأيام الحاضرة على عدم الانزلاق إلى أي مظهر من مظاهر العنف، إذ إن الخصم ينتظر أبسط هفوة ليحرف مسيرتنا ويجرنا إلى طريق مظلم حالك (…) فالحذر الحذر أيها الشباب: لا ترم حجرا، ولا تحرق ورقا أو شجرا، ولا تحطم زجاجا أو خشبا، واغز قلب خصمك بالحب وطيب الكلام، وزلزل أركان الظلم بأوضح الشعارات ورزين الكلام، وارفع مطالبك عاليا واصمد بكل احترام، وواصل مسيرة التغيير وأنت تغني للسلام”.

وفي السنة اللاحقة لـ”الحَراك” صرّح بنجبلي بأن “مطالب عشرين فبراير عادلة ومشروعة، كسرت الطابوهات، لكن مطمحنا كان أكبر”، كما أورد: “زمن الإيديولوجيات ولّى، وهذا زمن الانطلاق من الهدف. من يريد الخبز يبحث عن الدقيق والماء والملح ويعجن، ولا يسأل عن أصل القمح والملح وتاريخ الخبز (…) الناس تريد عيشا كريما، وهذا زمن العمل. لا نموذج معينا ينطلق منه المشتغلون بالإيديولوجيا”.

وفي مقال أكثر تفصيلا عن أسباب عدم استمرار “الحركة” كتب الراحل: “رغم اقتناع جل هؤلاء الفاعلين (في 20 فبراير) بأن التغيير رهين بتحقيق المواطنة الحقة والديمقراطية الكاملة، عبر ربط السلطة بصناديق الانتخابات والمسؤولية بالمحاسبة، والفصل بين السلط في إطار مؤسسات غير شكلية، والفصل بين الثروة والسلطة، وحماية الدين من الاستغلال السياسي، والقطع مع إرث الماضي الاستبدادي، من طقوس الإذلال والإهانة، واقتصاد الريع والامتيازات، وأجهزة النظام المخزني (…) فإنهم ولأسباب إديولوجية أكثر منها عملية تقصمهم نقطة واحدة صفين، الأولون يصرون على إيضاح مطلبهم في عبارة الملكية البرلمانية والآخرون يرفضون هذا ‘المطلب/السقف’ لأنه لا يرقى إلى مواقفهم الجذرية”.

ورأى بنجبلي أنه “يتوجب على جميع المتدخلين في حركة التغيير أن يتجنبوا الدخول في جدالات عقيمة ليست لها أي قيمة عملية أو إستراتيجية، بقدر ما لها من تأثيرات سيئة تؤدي إلى تشرذم الحركة وتفتتها (…) وتضعف الروح المعنوية للجماهير الثائرة”.

وحول زمن “حرية الرأي والتعبير” سبق أن كتب الراحل أنه “بفضل الإنترنت صارت الرقابة على المعلومات مستحيلة، واكتسب نشطاء ‘فيسبوك’ والمدونات القدرة على المناورة والتعبئة وحشد الرأي العام، كما لعبت الشبكة دورا هاما في تنسيق جهودهم وإكسابها الزخم اللازم، خصوصا مع تداعي الحدود الجغرافية وتقارب المسافات بفضل الفضاء الافتراضي الكوني”، وزاد: “كما صار من المستحيل على أي فاعل محلي أو دولي غض بصره أو صم أذنه عن أفعال القمع والجرائم (…) أفعال قد تتحول إلى فضيحة مهما كانت محدودة إذا صادفت عين هاتف أو عدسة كاميرا، ما يجعل سكوت أي طرف محلي أو دولي تواطؤا في نظر الرأي العام”.

إيمان و”نبوة”

بنبجلي الذي كان من شباب “جماعة العدل والإحسان” الصوفية المعارضة بالجامعة مطلع الألفية الثالثة، وسبق أن صرّح بأنه كانت له في فترة سابقة مواقف “سلفية”، أثار جدلا مغربيّا وفي دول أخرى بالمنطقة ذات الأغلبية المسلمة في مرحلة لاحقة في حياته، بعد انتقاله للسكن في الولايات المتحدة الأمريكية، حين تحدّث عن فقده إيمانه بالإسلام، ثم إعلانه نبوّته، التي كانت موقفا بُني على قناعة تكوّنت لديه حول كيف تبنى الأديان، ويُؤمن، وكيف تنتشر الرسالات.

وفي كتابه “صورة الله في القرآن والسنة” الصادر عن “دار الوطن” المغربية سنة 2019 قدّم الراحل تفسيرا لمواقفه انطلاقا من أحاديث نبوية، وتصوّرات مذاهب إسلامية، وأحداث تاريخية، وتأملات.

وبعد ما أسماه “التحرر من الإيمان الذي يحجب عن فهم الإسلام” كان بنجبلي يسمّي تخصّصات في الدراسات الإسلامية، التي درسها في الجامعة، مثل “أصول الفقه” بـ”قواعد لضبط التناقض”، و”علم الحديث” بـ”نقد الرواية الشفهية”، وسبق أن كتب عن الجلسات الصوفية التي كان يحضرها في بداية شبابه بأنها كانت زمن “الوهم الجميل”.

وعبّر الراحل عن هذه المواقف أيضا في حوارات مصوّرة، وفي كلمات مباشرة، قبل أن يأخذ تلقّيها منعطفا لمّا أعلن أنه نبي، ودخل في لقاءات فردية استمرّ بثها ساعات دون توقّف، ما أثار نقاشا حول وضعه النفسي، تطرّق إليه بدوره في مرحلة لاحقة، إذ قال: “الكل أحمق، لكن نحاول ستر حمقنا (…) دعه يظهر، جلّكم ليست له شجاعة أن يدع الناس يرون الحمق الذي فيه، مع وجود بعض الشجعان. (أنت) لا تستطيع مواجهة المجتمع بعيوبك، وأنا أواجه المجتمع بعيوبي، بصلعتي، وأسناني المعوجّة، وجبهتي، ولهجتي، ولغتي، ونقائصي. لدي الشجاعة، لأنه ليس لدي ما أخسره، وحتى ولو كان لدي ما أخسره فسأخسره (…) في السنة الماضية عنّ إليّ بعدما صار لدي متابعون أرادوا أن يصيّروني مفكرا وفيلسوفا فـ(‘خرجت ليهوم من الجنب’؛ أي فاجأتهم على حين غرّة) وصرتُ نبيا، لأنكم لستم أنتم من سيصنع مني فيلسوفا أو مفكرا، ولا يهمني هذا، أريد أن أكون (‘هبيل’؛ أي مجنونا)؛ فهل من ليس مفكرا أو فيلسوفا ليس له حق العيش، والحديث، والتعبير!؟ يجب أن نتقبل الناس كما هم، بعيوبهم. لا أن تتقبلني (فقط) عندما أرتدي ربطة عنق في قناة كبيرة. إذا أردت أن تصفق لي صفّق لي وأنا (هبيل)، وأنا مجنون، وأنا نبي”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا