أعاد إلغاء الملك محمد السادس إقامة شعيرة عيد الأضحى لهذه السنة أذهان المغاربة إلى مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني الذي سبق وألغى النحر في “العيد الكبير” 3 مرات، خصوصا الذين عاشوا المرحلة الدقيقة والحاسمة من تاريخ المغرب المعاصر عقب التخلص من نير الاستعمارين الفرنسي والإسباني.
ورغم عدم تحقق التوقعات التي كانت تشير السنة الماضية إلى إمكانية “رفع الحرج عن الفقراء بالنظر إلى الغلاء الفاحش في أسعار الماشية رغم استيراد الأغنام”، إلا أن الوضعية هذه السنة كشفت، وفق متتبّعين، “عن متاعب كبيرة ظلّت تتعقّب جيوب المغاربة نتيجة تضرر القطيع الوطني، وكذا غياب الدقة وظهور أسئلة ترافق معطيات تقدمها جمعيات بعينها تتولى رصد المخزون الوطني من رؤوس الأغنام”.
القرار الملكي الصادر أول أمس الأربعاء أثمر تعليقات عديدة ترى أنه “اتّخذ بالاستناد إلى ركائز وأسس موضوعية”. وسيقوم أمير المؤمنين، مثل المرات السابقة التي ألغيت فيها شعيرة الأضحية، بنحر أضحيتين، واحدة لنفسه والثانية نيابة عن المغاربة، وذلك “سيرا على سنة جدنا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام”، عندما ذبح كبشين وقال: “هذا لنفسي وهذا عن أمتي”.
المرة الأولى التي أعلن فيها الملك الحسن الثاني “تعليق” نحر الأضحية كانت سنة 1963، وذلك بعد اعتلائه العرش بسنتين. أعلن هذا القرار حينها بعد أن واجه الاقتصاد الوطني تحديات ثقيلة جراء “حرب الرمال” ضد الجارة الشرقية الجزائر. هذا القرار اعتبر حينها “حكيما” لأن الاقتصاد الوطني كان “سيواجه متاعب حقيقية لو أقيم العيد”، حسب مؤرخين.
ويحكي مغاربة مازالوا أحياء قصّتهم الفريدة مع “أوّل عام هجري بدون ذبيحة في المغرب الحديث”، مبرزين أن “عائلات مع ذلك، خصوصا في القرى والأرياف، أقامت الشعيرة”، بالنظر إلى “الارتباط السوسيو-ثقافي الممزوج بالعنصر الديني القوي لدى مجموعة من المغاربة”، ويذكر الذين عاشوا تلك اللحظة أن “العائلات التي تتوفر خصوصا على أكباش في مناطق بعيدة أحيت العيد، ولكن سرّا”.
المرة الثانية التي ستخفت فيها أصوات آلات الذبح الحادّة رسميّا كانت سنة 1981. خلال تلك السنة يقول المؤرخون إنه “وقع تحالف خطير للجفاف وبرنامج التقويم الهيكلي والمديونية الخارجية ضدّ شعيرة النحر”، فاضطرّ الملك الراحل إلى إعلان إلغاء العيد بالنظر إلى “نفوق العديد من رؤوس الأغنام بسبب تواتر موجات جفاف حاد أنهك الاقتصاد المغربي حينها”. لم يجد أمير المؤمنين بدّا من إلغاء العيد، رغم أن معظم المغاربة كانوا يتأهبون لذلك.
المؤرخ المغربي حسن أوريد وضح لهسبريس أن “الأجواء عموما كانت إيجابية وهناك من ذبح من المغاربة”، مسجلا أن “الاستثناء الوحيد الذي طبع ذلك اليوم هو إقدام بعض سكان منطقة كلميمة على ذبح كلاب” وتعليقها على بوابة “قصر لميمة”، معتبرا أن “الأمر كان نوعا من الاستفزاز، وكان ردّ فعل مرتبطا بأسباب سياسية، وليس دينية، تعود إلى أحداث 1973”.
سنة 1996 كانت الظروف مرة أخرى استثنائية، وكان المغرب مهدّدا بالسكتة القلبية، فأكد الملك الراحل في خطابه حول الإمساك عن أضحية العيد أن “عيد الأضحى إن شاء الله سيبقى مع ذلك كاملا بجميع سننه ومظاهره، من أداء صلاة العيد في المصليات والمساجد، وإنفاق الصدقات، وصلة الرحم، وعمل الصالحات، ولا يتوقف من شعائره هذه السنة إلا ذبح الأضحية”.
الجالس على العرش برر قراره حينها في رسالة تلاها وزيره في الأوقاف والشؤون الإسلامية الراحل عبد الكبير العلوي المدغري، بالقول: “معلوم أن ذبح الأضحية سنّة مؤكدة، لكن إقامتها في هذه الظروف الصعبة من شأنه أن يتسبب في ضرر محقق، بسبب ما سينال الماشية من إتلاف وما سيطرأ على أسعارها من ارتفاع يضر بالغالبية لعظمى من أبناء شعبنا، لا سيما ذوي الدخل المحدود”.
وذكر حسن أوريد في حديثه لهسبريس أن “هذه السنة مرت أجواؤها أيضا بشكل اعتيادي، مع وجود عائلات قامات بالذبح دون وجود محاولات للمنع أو غرامات”، مشيرا إلى أنه “لم تكن هناك أسواق لبيع الأضحية حينها ولم يتم الذبح علنا”، مشددا على أن “الأجواء أيضا كانت إيجابية دون تسجيل الاستثناء الذي حصل سنة 1981”.
أهاب أمير المؤمنين محمد السادس، لأول مرة في العهد الجديد، بالمغاربة عدم القيام بذبح الأضحية، وقال في رسالته التي تلاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، إن هذا يأتي “من منطلق الأمانة المنوطة بنا، كأمير للمؤمنين والساهر الأمين على إقامة شعائر الدين وفق ما تتطلبه الضرورة والمصلحة الشرعية، وما يقتضيه واجبنا في رفع الحرج والضرر وإقامة التيسير، والتزاما بما ورد في قوله تعالى: وما جعل عليكم في الدين من حرج”.
وقال مؤرخ المملكة السابق لهسبريس إنه “قرار جيد”، بالنظر إلى “وجود نزيف حقيقي وجفاف هيكلي، بالإضافة إلى تغيير يشتغل في بنية المجتمع المغربي”، مسجلا أنه “اليوم لا بد من التفكير في صندوق تؤدى فيه مساهمات يكون موجها للفقراء والمستضعفين، كما يتعين أن تغدو الشعيرة اختيارية”، وزاد: “هذا لاعتبارات طبيعية خالصة أو بالنظر لتقلص القطيع وإنما تماشيا مع الدينامية التي يعيشها المجتمع”.
تحليلات رافقت هذا القرار اعتبرت أنه “يراعي جملة من الأسباب التي تقود في تجميعها إلى ترجيح عدم القيام بشعيرة الذبح خلال هذه السنة”، مضيفة أنه بني على “أسس شرعية متينة تستند إلى فهم سليم للدين، وإلى سنة عمل بها الرسول الكريم، وإلى سوابق تاريخية تؤكد على دور أمير المؤمنين ونيابته عن شعبه، في مثل هذه الظروف، للقيام بذبح أضحية العيد، وفق ما هو مقرر في السنة النبوية العطرة”.
وبعد إعلان القرار الملكي بدا الشعب المغربي مبتهجا وسعيدا، في حين حدث حزن كبير في أوساط المتاجرين بالقطيع والوسطاء والمضاربين، إذ قالت تعليقات كثيرة إن “الملك رفع الحرج عن شعبه هذه السنة بالنظر إلى اقتراب أسعار الماشية من مستويات جد قياسية تتجاوز تلك المسجلة العام الماضي”، وقال آخرون إنه “حرص على تيسير قيام المواطنات والمواطنين بشعائرهم الدينية، ومراعاة أحوالهم، والتخفيف عنهم في حالات الضرورة”.