بالأرقام.. التصعيد في اليمن يرفع فاتورة خسائر المدنيين ويعمق الأزمة الإنسانية
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتزايد خسائر المدنيين في اليمن وتتعاظم معها المأساة الإنسانية في البلاد مع استمرار واحدة من أعنف جولات التصعيد منذ اندلاع الحرب قبل 12 عاما، في وقت يشارف فيه عدد النازحين داخليا على 5 ملايين شخص.
ومع دخول التصعيد الجاري شهره الرابع، تتوالى التحذيرات الدولية من خطورة الوضع الإنساني المتدهور أصلا، حيث تصنف الأمم المتحدة الأزمة في اليمن منذ سنوات بأنها من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 كاميرا الجزيرة ترصد جانبا من معاناة النازحين في تعز
* list 2 of 2 اشتعال معارك الجبهات المتعددة باليمن يفاقم أزمة النزوح end of list
وتحتدم المعارك بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في أكثر من محور في دورة مواجهات جاءت بعد 4 سنوات من الهدوء النسبي في خطوط التماس بين الطرفين، بينما فشلت الجهود الأممية والدولية والإقليمية في التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة.
مصدر الصورة
مئات الضحايا من المدنيين
في أحدث تصريح، أفادت الحكومة اليمنية بمقتل وإصابة 610 مدنيين منذ بدء التصعيد الأخير في البلاد الذي اشتدت وطأته خلال سبتمبر/أيلول الماضي.
وقال وزير حقوق الإنسان مشدل محمد عمر في كلمة أمام مجلس حقوق الإنسان في دورته الثالثة والستين بجنيف إن موجة التصعيد الأخيرة للحوثيين أسفرت عن مقتل أكثر من 250 مدنيا وإصابة نحو 360 آخرين، في حصيلة أولية حتى 30 سبتمبر/أيلول الماضي.
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قد قال -في 24 سبتمبر/أيلول الماضي- إن التصعيد الذي شهده اليمن منذ أن شن الحوثيون موجة جديدة من الهجمات مطلع أغسطس/آب أسفر عن مقتل وإصابة ما لا يقل عن 125 مدنيا.
موجة نزوح جديدة
كان من أبرز تداعيات عودة المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين فرار عشرات الآلاف من المواطنين خصوصا عقب سيطرة الحوثيين -في 10 سبتمبر/أيلول- على مدينتي حيس والخوخة آخر معاقل الحكومة اليمنية في محافظة الحديدة، إضافة إلى 4 مديريات بمحافظة تعز أبرزها مدينة المخا وصولا إلى منطقة باب المندب.
وفي آخر حصيلة للفارين من مناطقهم، كشفت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن (حكومية) الأربعاء الماضي أن إجمالي أعداد النازحين المسجلين رسميا بلغ 29519 أسرة تضم في مجموعها 197906 أفراد ينتمون إلى 10 محافظات يمنية مشمولة بالرصد.
وبحسب الوحدة، تصدرت محافظة تعز قائمة المحافظات المستضيفة بواقع 13925 أسرة تضم 97529 فردا موزعين على 15 مديرية، وجاءت محافظة لحج في المرتبة الثانية باستقبالها 7179 أسرة تضم 50253 فردا في 9 مديريات مستضيفة.
وذكرت أن العاصمة المؤقتة عدن استقبلت 3741 أسرة، تضم 17782 فردا يتوزعون على مديريات المحافظة الثماني، في حين سجلت محافظة أبين 2097 أسرة تضم 14679 فردا في مخيمات وتجمعات مديريتي خنفر وزنجبار.
وفي محافظة الحديدة بلغ إجمالي الأسر المسجلة 1471 أسرة تضم 10297 فردا في مديريتي حيس والخوخة، وسط مؤشرات على حركة نزوح ثانوية حديثة لتلك الأسر باتجاه محافظة عدن تجري متابعتها وتقييم احتياجاتها الناشئة.
وقالت وحدة النازحين إن بقية الأسر النازحة توزعت بنسب بين محافظات مأرب بواقع 412 أسرة، والضالع 240 أسرة، وحضرموت 214 أسرة، والمهرة 124 أسرة، وشبوة 116 أسرة.
وتقول الأمم المتحدة في آخر تحديثاتها عن النازحين في اليمن إن هناك أكثر من 152 ألف شخص نزحوا جراء التصعيد الأخير، مشيرة إلى أن أكثر من 3700 من اللاجئين فروا مؤخرا من اليمن باتجاه جيبوتي.
ووفقا للأمم المتحدة، فإن هناك 4.8 ملايين نازح داخليا في اليمن قبل التصعيد الأخير، مما يعني تصاعد أرقام النازحين إلى نحو 5 ملايين.
تحذيرات من انهيار كامل للأمن الغذائي
وحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة -أمس الجمعة- من أن استمرار المعارك في اليمن "يهدد بانهيار الأمن الغذائي بالكامل" في البلاد، وحث المجتمع الدولي على تكثيف جهوده لتجنب "مستقبل قاتم" إذا استمرت الأوضاع في هذا الاتجاه.
وقال المدير التنفيذي المساعد لعمليات برنامج الأغذية العالمي ماثيو هولينغورث متحدثا للصحفيين في جنيف عبر الفيديو من روما "إن الجوع في اليمن يتفاقم اليوم بوتيرة متسارعة أمام أعيننا، وتأثير موجة انعدام الأمن الأخيرة هذه على حالة الأمن الغذائي ينذر بعواقب كارثية للغاية".
وأظهرت عمليات الرصد الأخيرة التي أجراها البرنامج في المناطق التي يمكن الوصول إليها أن 74% من الأسر عجزت عن تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية، وهي أعلى نسبة تُسجَّل هذا العام، وفقا لموقع الأمم المتحدة.
وقال البرنامج إن 18.3 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي على مستوى البلاد. كما يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء التغذية الحاد، بمن فيهم 500 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أكثر أشكال سوء التغذية خطورة على الحياة.
وشدد البرنامج على أن النزاع وارتفاع الأسعار يزيدان من تقييد فرص الحصول على الغذاء. فقد ارتفعت أسعار دقيق القمح بنسبة 10% خلال أسبوعين في أجزاء من محافظة تعز، حيث يقيم معظم النازحين الجدد، في حين تشير تقديرات التجار إلى أن مخزونات القمح تكفي لتلبية الطلب لمدة شهرين فقط.
وأشار هولينغورث إلى أن فرق البرنامج في الميدان ترصد وصول عائلات إلى محافظتي لحج وتعز بعد أن ساروا أياما دون طعام أو ماء.
فقدان مئات الآلاف للمساعدات
وقال هولينغورث إن البرنامج قدم المساعدة لأكثر من 70 ألف شخص في بؤر النزوح بمحافظتي تعز ولحج، لكنه يواجه صعوبة متزايدة في إيصال الغذاء إلى مناطق المواجهات الأمامية.
وأشار إلى أن العاملين في المجال الإنساني فقدوا القدرة على الوصول إلى نحو 350 ألف شخص كانوا يتلقون المساعدة سابقا، وذلك بعد وقوع تلك المناطق تحت سيطرة سلطات الأمر الواقع الحوثية.
وأوضح هولينغورث أن اليمن "يواجه بالفعل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم"، محذرا من أنه "إذا لم يبادر العالم قريبا لمساعدة اليمن فإن الآفاق المستقبلية ستزداد قتامة".
وتحتاج الوكالة الأممية إلى 109 ملايين دولار لعمليات الاستجابة للطوارئ، و158 مليون دولار لاستمرار البرامج الاعتيادية المتعلقة بالغذاء والمساعدات النقدية والتغذية والوجبات المدرسية حتى مارس/آذار 2027.
ومما يزيد الوضع سوءا استمرار الأمم المتحدة في تعليق مؤقت لعمليات وكالاتها وصناديقها وبرامجها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مع استمرار الجماعة في احتجاز 73 موظفا أمميا بمن فيهم 38 موظفا من برنامج الأغذية العالمي.
مصدر الصورة
مستويات خطيرة
وقال الباحث في الشؤون الإنسانية والسياسية والاقتصادية الدكتور إيهاب القرشي إن الأمن الغذائي في اليمن أساسا متراجع وفي المستويات الخطيرة جدا.
وأوضح للجزيرة نت أن التقديرات ما قبل اندلاع التصعيد الأخير تشير إلى أن أكثر من 20 مليون يمني في المرحلة الرابعة ما قبل إعلان المجاعة، بينما هناك مديريات كثيرة ومناطق متعددة في اليمن أصبحت فعلا تقع في المرحلة الخامسة من نظام الأمن الغذائي في اليمن، وهناك حالات وفيات من المجاعة في الأشهر الماضية.
ووصف القرشي التدخلات الأخيرة من المنظمات لإغاثة موجة النزوح الجديدة بأنها ضعيفة جدا، مؤكدا أن استمرار العمليات العسكرية يؤثر دائما في الجانب الإنساني، فضلا عن الجانب الاقتصادي المتردي في اليمن.
وأضاف أن تراجع المساعدات الإنسانية من المانحين الدوليين قيّد المنظمات أمام الكارثة الحقيقية التي يعانيها النازحون.
مصدر الصورة
وأكد أن الكارثة تتزايد والمساعدات الإنسانية تتراجع مما خلق فجوة كبيرة في الاحتياجات، مشيرا إلى أن المنظمات الأممية والدولية والحكومات الفاعلة بالعمل الإغاثي مطلوب منها التحرك وزيادة التمويل.
ويرى القرشي أن الوكالات والمنظمات بحاجة إلى إعطاء المانحين اطمئنانا من حيث مستوى الشفافية العالي وتقارير قياس الأثر، لافتا إلى أن أحد أسباب التراجع يتمثل في عدم وجود الثقة بالمنظمات التي وُصم كثير منها بالفساد والتماهي مع الحوثيين بشكل كبير خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن وصول التصعيد إلى مناطق البحر الأحمر والخليج العربي بما فيها مضيقا هرمز وباب المندب وتداعياته على سلاسل الإمداد جعل اليمن من أكثر المناطق تأثيرا لاعتماده على الاستيراد، فضلا عن ارتفاع الجمارك الحكومية في المنافذ البرية وتكرار ذلك في النقاط العسكرية التابعة للحوثيين للمواد التي تأتي من مناطق سيطرة الحكومة.
مصدر الصورة
عجز كبير
وبحسب القرشي، فإن اليمنيين كانوا يستهلكون سلة غذائية في عام 2015 تصل إلى 50 ألف ريال يمني (نحو 233 دولارا حينئذ)، بينما اليوم تصل إلى أكثر من 500 ألف ريال يمني (نحو 320 دولارا) في ظل عدم تحسن دخل المواطنين وتوقف الرواتب وارتفاع الأسعار والوضع الاقتصادي المنهار.
وكان سعر الدولار الأمريكي في عام 2015 يساوي 214 ريالا، ويصل سعره حاليا في مناطق سيطرة الحكومة إلى 1560 ريالا.
وشدد القرشي على ضرورة قيام الحكومة اليمنية بإظهار الصورة الحقيقية للمجتمع الإقليمي والمجتمع الدولي بوضوح، مع المصداقية العالية في وضع الأرقام ووجود خطط استجابة إنسانية عاجلة.
وأكد أن اليمن لا يزال بحاجة إلى السلال الغذائية والمساعدات الآنية المنقذة للحياة، داعيا إلى تحرك حكومي لمطالبة الدول المانحة وخاصة الخليجية لتقديم مساعدات عاجلة وتقديم التسهيلات اللازمة لعمل المنظمات.