آخر الأخبار

يوم كامل بطعم الزعتر.. الحرب تعيد صياغة وصفات المائدة الغزية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

استغرق العثور على أوقية واحدة، تزن 250 غراما، من الزعتر البري في أسواق قطاع غزة ساعات من البحث، وبلغ ثمنها 25 شيكلًا (نحو 8.3 دولارات) مقارنة بـ7 شواكل (نحو 2.3 دولار) قبل حرب الإبادة على قطاع غزة، أي أن سعر الكمية نفسها ارتفع إلى أكثر من 3 أضعاف ونصف الضعف.

ومن هذه الأوقية بدأت رحلة أخرى لتوفير مكونات أطباق كان الزعتر الفلسطيني قاسمها المشترك، وسرعان ما أضحت محاولة إعداد طعام يوم كامل، بمناسبة اليوم العالمي للزعتر، اختبارا ميدانيا يكشف كيف أفرغت حرب الإبادة الإسرائيلية الحقول والأسواق، وأعادت صياغة وصفات توارثتها موائد الغزيين عبر أجيال.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الأونروا تحذر من موجة ضغوط إسرائيلية قبل انتخابات أكتوبر
* list 2 of 2 قبيل الشتاء.. تحذير من الصليب الأحمر بخصوص مباني غزة end of list

فالنبتة التي كانت تُزرع في الحقول والحدائق المنزلية، وتوفر دخلا لعشرات الأسر، بات العثور عليها طازجة أمرا نادرا بعد تجريف مساحات واسعة من الأراضي وتدمير المشاتل وتعذر وصول المزارعين إلى حقولهم.

مصدر الصورة المطبّق الفلسطيني بالزعتر والمكوّن من أوراق الزعتر البلدي الطازجة (الجزيرة)

داخل مطبخ "سمايل كيتشن" شرع الشيف نبيل الشوّاف 65 عاما في إعداد أطباق الزعتر وفق وصفاتها الأصلية، ومنذ خطوات التحضير الأولى، حضرت آثار الحرب في كل مكوّن: غاب الزعتر البلدي الطازج، وشحّ السماق البلدي، وارتفع ثمن زيت الزيتون، ففرضت البدائل نكهتها على الوصفات، فيما أعاق انقطاع الكهرباء الطهي ونفد الغاز قبل اكتمال الخَبز.

وبين طبق أُنجز وآخر تعذر إتمامه، توثق التجربة المسافة التي صنعتها الحرب بين الزعتر بوصفه ذاكرة للمائدة الفلسطينية، وبوصفه طعاما وحيدا لازم الغزيين أيام الجوع والنزوح.

أطباقٌ من الزعتر

بدأ الشواف إعداد المائدة بـ"المسفّن" الفلسطيني، جامعا في عجينته الزعتر وزيت الزيتون وحبة البركة، ثم انتقل إلى المناقيش والمطبّق والسلطات، وأدخل الزعتر في صلصة أعدّها من الحليب والطحين والزبدة، لترافق وجبات اللحوم والأرز، في محاولة لتوسيع حضوره من خلطة صباحية مألوفة إلى نكهة تعبر وجبات اليوم.

إعلان

وتتطلب الوصفة الأصلية للمطبّق أوراق الزعتر البلدي الطازجة، وقد دفع شحّها الشوّاف إلى استخدام الزعتر الجاف. وحلّ نوع متاح من السماق محل السماق البلدي، أحد المكونات الرئيسة في الخلطة الفلسطينية.

ويقول الشوّاف إن الأسواق توفر حاليا زعترا مزروعا بالري، يختلف في رائحته ومذاقه عن البلدي القادم من جبال الضفة الغربية، والذي توقف توريده إلى غزة منذ بدء الحرب.

وظهرت آثار هذه البدائل في قوام الأطباق ونكهتها، فحافظت الوصفات على أسمائها وأشكالها، فيما حمل مذاقها أثر المكونات التي غابت عنها.

وتحولت عملية الطهي نفسها إلى اختبار آخر، إذ امتد إعداد المائدة نحو 5 ساعات بفعل انقطاع الكهرباء وتعذر تشغيل الأفران الكهربائية، ثم نفدت أسطوانة الغاز أثناء الخَبز، وبقي جزء من الكمية نيئا، في وقت بلغ فيه سعر كيلو الغاز نحو 100 شيكل.

وأعادت التجربة الشوّاف إلى ليالي المجاعة التي كان يعدّ خلالها ما توفر من الطعام لأسرته وجيرانه، فقد رافق الزعتر الغزيين خلال أشد مراحل الجوع، وحضر على موائدهم فطورا وغداء وعشاء، حتى اقترنت نكهته في ذاكرة كثيرين بالخوف والنزوح وانتظار الوجبة التالية.

وتمنح هذه المائدة وجها محسوسا لما أصاب زراعة الزعتر في غزة، فكل مكوّن تعذر العثور عليه داخل المطبخ يقابله حقل جُرّف، أو أرض حُجبت عن مزارعها، أو حلقة تعطلت بين القطاف والتجفيف والتسويق.

وتكشف بيانات شمال القطاع وخان يونس ورفح أن أزمة الوصفة بدأت قبل وصولها إلى السوق، منذ اللحظة التي خرجت فيها مساحات واسعة من الأرض من دورة الإنتاج.

مصدر الصورة نبيل الشوّاف داخل مطبخ "سمايل كيتشن" لإعداد مائدة قوامها الزعتر (الجزيرة)

محصول ينحسر عبر المحافظات

شمال قطاع غزة، تراجعت المساحة المزروعة بالزعتر، ويعزى هذا الانحسار إلى التجريف الإسرائيلي، وتقلص الأراضي المتاحة، ووقوع حقول داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي، إلى جانب تعذر وصول المزارعين إلى مساحات كانوا يعتمدون عليها في إنتاج المحصول، بحسب أحمد حمدونة مسؤول قسم المرافق ولجان الأحياء في بلدية بيت لاهيا.

ويقول حمدونة إن الزعتر كانت من الزراعات المنتشرة في منطقة شمال قطاع غزة قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، إذ تجاوزت المساحات المزروعة به 70 دونما، وشكّلت مصدر دخل لعدد من المزارعين والأسر العاملة في القطاع الزراعي.

ويوضح حمدونة أن الجيش الإسرائيلي دمّر مساحات واسعة من محاصيل الزعتر ضمن عمليات القصف والتجريف التي استهدفت الأراضي الزراعية، فيما تقلصت المساحات المتاحة للزراعة، وتعذر على المزارعين الوصول إلى حقولهم. كما توقف عدد كبير منهم عن ممارسة عملهم بعدما وقعت أراضيهم داخل المناطق الحمراء الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي.

وبحسب حمدونة، تراجعت المساحة المزروعة بالزعتر شمال القطاع من أكثر من 70 دونما قبل الحرب إلى نحو 5 دونمات حاليا، بانخفاض تقديري يتجاوز 90%، ويعكس هذا التراجع حجم الضرر الذي ألحقته حرب الإبادة بالمحصول والأسر التي اعتمدت عليه مصدرا للدخل.

ويشير إلى أن أكبر مساحة يستطيع المزارع استغلالها حاليا لا تتجاوز 150 مترا مربعا، وتُصنّف غالبا ضمن نطاق الحدائق المنزلية، الأمر الذي يكشف محدودية الأراضي المتوفرة، ويقيّد قدرة المزارعين على التوسع في زراعة الزعتر أو الوصول إلى إنتاج تجاري مستدام.

إعلان

ويرى حمدونة أن الحفاظ على زراعة الزعتر شمال غزة يتطلب توفير البذور والشتلات ومستلزمات الإنتاج، واستثمار المساحات الصغيرة المتاحة، وتعزيز الزراعة داخل الحدائق المنزلية، باعتبارها أحد المسارات الممكنة لحماية هذا المحصول ودعم مصادر دخل الأسر، في ظل استمرار سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

مصدر الصورة أول طبق تم إعداده بالمطبخ هو "المسفّن" الفلسطيني جامعا في عجينته الزعتر وزيت الزيتون وحبة البركة (الجزيرة)

محافظة خان يونس

أما بالنسبة لمحافظة خان يونس، فقد صرّح عياد أبو طه، مدير عام غرفة تجارة وصناعة في محافظتي خان يونس ورفح أنّ المساحة الصالحة والمتاحة لزراعة الزعتر تراجعت من نحو 150 دونما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 20 دونما عقب حرب الإبادة الإسرائيلية، ويعني ذلك خروج 130 دونما من دائرة الاستغلال الزراعي، وانكماش المساحة بنسبة 86.7%، فيما تمثل الرقعة المتبقية 13.3% من مساحتها الأصلية.

وقبل الحرب، كانت زراعة الزعتر تقوم على دورة إنتاجية متكاملة تشمل تجهيز الأرض وغرس الشتلات والري والتسميد، ثم القطاف والفرز والتجفيف والطحن والتعبئة والتسويق، وباحتساب إنتاجية الدونم بين 450 و600 كيلوغرام سنويا، بلغت الطاقة الإنتاجية التقديرية للمساحة المزروعة آنذاك ما بين 67.5 و90 طنا سنويا.

ومع تقلص المساحة المتاحة إلى 20 دونما، يقول أبو طه إن طاقتها الإنتاجية النظرية هبطت إلى ما بين 9 و12 طنا سنويا، بتراجع تقديري يتراوح بين 58.5 و78 طنا مقارنة بمرحلة ما قبل الحرب، ويرتبط حجم الإنتاج الفعلي بإمكان الوصول إلى الأراضي، وتوفر المياه والشتلات والأسمدة ومستلزمات الخدمة الزراعية، وسلامة مرافق الري، والقدرة على تنفيذ القطاف في مواعيده.

وتجاوز أثر هذا الانكماش حدود الحقول، فطال العاملين في القطاف والتجفيف والطحن والتعبئة والنقل والتسويق، وخفّض دخل المزارعين والأسر المرتبطة بالمحصول، وتحولت خسارة 130 دونما من مساحة الزعتر إلى فقد متسلسل في الإنتاج وفرص العمل وحضور المنتج المحلي في أسواق خان يونس.

مصدر الصورة سعر الكمية نفسها من الزعتر ارتفع إلى أكثر من 3.5 أضعاف بعد حرب الإبادة على غزة (الجزيرة)

محافظة رفح

يقول أبو طه إن زراعة الزعتر قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت تقوم على دورة إنتاجية متكاملة، تبدأ بتجهيز الأرض وغرس الشتلات وخدمة المحصول بالري والتسميد، ثم تمتد إلى القطاف والفرز والتجفيف والطحن والتعبئة وتسويق الزعتر أخضر أو مجففًا.

ووفق الحصر المحلي الذي يعتمده، كان الدونم يمنح بين 3 و4 قطفات سنويًا، بمتوسط يقارب 150 كيلوغرامًا للقطفة، لتتراوح حصيلته التقديرية بين 450 و600 كيلوغرام سنويًا.

وقد أصابت حرب الإبادة الإسرائيلية هذه الدورة في حلقاتها كافة، فقد أدى التجريف والتدمير واتساع مناطق السيطرة العسكرية إلى تعذر وصول المزارعين إلى أراضيهم، ثم امتد الأثر إلى مصادر المياه ومرافق الري والشتلات والأسمدة والمبيدات ومواعيد القطاف؛ وتراجعت تبعًا لذلك عمليات التجفيف والتعبئة والنقل والتسويق، وأصبح تقدير إنتاجية الدونم مرتبطًا بإمكان الوصول إلى الأرض وخدمتها أكثر من ارتباطه بقدرتها الزراعية الأصلية.

وفي ظل انحسار الزعتر البلدي واضطرار الشوّاف إلى توظيف بدائله، أفضت التجربة إلى مائدة زاوجت بين رسوخ الموروث الفلسطيني والاجتهاد الطهوي المعاصر، فاحتفظت الأطباق التقليدية بأصولها الثقافية، واتسع حضور الزعتر عبر وصفات مستحدثة. وهكذا دفعت الندرة إلى إعادة تشكيل الوصفة مع صون مرجعيتها الفلسطينية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا