آخر الأخبار

سوريا على عتبة العطش.. كيف استنزفت السياسات والمناخ ودول الجوار شريان الحياة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تعاني سوريا من أزمة مائية يشتد خناقها عاما بعد آخر، تراوحت ملامحها بين هطولات مطرية متذبذبة وتراجع في مناسيب الأنهار، وصولا إلى استنزاف مفرط للمياه الجوفية، مما يضع البلاد على شفا ندرة مائية حادة تهدد أمنها الغذائي واستقرارها المستقبلي.

وكشف فيلم وثائقي نشرته منصة "سوريا الآن" أمس الاثنين أبعاد الكارثة المائية في البلاد، مسلطا الضوء على أسبابها المتشابكة التي تجمع بين التغيرات المناخية القاسية، واستنزاف الموارد، والتركة الثقيلة لسياسات نظام الأسد المائية والزراعية، إلى جانب التأثيرات الخارجية المتمثلة بسدود دول المنبع وتوغل الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.

مصدر الصورة الفيلم يسلط الضوء على أبعاد الكارثة المائية في سوريا وأسبابها المتشابكة (الجزيرة)

أرقام صادمة.. على عتبة الفقر المائي

ويستعرض وثائقي "المياه في سوريا.. هدنة مع الجفاف" تراجعا حادا في حصة الفرد السوري من المياه خلال العقود الثلاثة الماضية، فبعد أن كان يصل سنويا يصل إلى 1791 مترا مكعبا عام 1995، هبط إلى 882 مترا مكعبا عام 2005، ثم واصل انخفاضه ليبلغ نحو 675 مترا مكعبا عام 2025. وتؤكد هذه الأرقام اقتراب سوريا من عتبة "الندرة المائية الحادة" بتجاوزها خط الفقر المائي المحدد عالميا بـ1000 متر مكعب للفرد.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 "الصحة السورية" تطلق النشرة الوبائية بعد غياب 15 عاما.. ما أهميتها؟
* list 2 of 2 رؤية "سوريا بلا مخيمات".. تحديات تعوق عودة نحو 138 ألف عائلة إلى مناطقها end of list

ويرى خبير السدود والموارد المائية المهندس عبد الرزاق فرج العليوي أن التحسن المطري في بعض السنوات لا يعني تجاوز الأزمة، موضحا أن هناك أثرا تراكميا للسنوات الجافة سابقا أدى إلى استهلاك جزء مهم من المخزون الجوفي "ونحن بحاجة لعدة سنوات مطيرة حتى نستعيد ذلك المخزون ونستطيع القول إننا بدأنا في التعافي من الجفاف".

مصدر الصورة كيف تراجع نصيب الفرد السوري سنويا من المياه منذ عام 1995 حتى 2025 (الجزيرة)

ويستعرض الوثائقي عبر تصوير الأقمار الصناعية تحولاً مأساوياً في مجاري الأنهار الرئيسية بسوريا، فنهر الخابور بالجزيرة السورية الذي كان يضخ 2.2 مليار متر مكعب عام 2000، تهاوت إيراداته إلى 900 مليون متر مكعب وانحسرت مياهه عام 2017، حتى لم يبقَ منه عام 2023 سوى أثرٍ قديم. وكذلك نهر جقجق بمحافظة الحسكة الذي لم يبقَ منه عام 2023 سوى مجراه الباهت، نتيجة الجفاف والممارسات العشوائية وحفر الآبار.

المناخ وتراجع الزراعة.. موجات جفاف متكررة

يبيّن الوثائقي أن نحو 70% من الأراضي السورية تقع تحت خط مطري يقل عن 250 مليمترا سنويا. وتكشف بيانات منظمة الأغذية والزراعة ( الفاو) تزايد وتيرة الجفاف بشكل غير مسبوق، فبعد أن كانت الموجات الشديدة تضرب البلاد 6 مرات بين عامي 1900 و2005، أصبحت متكررة ومتقاربة منذ عام 2006، حيث تحولت سوريا بين عامي 2008 و2009 من بلد مكتف بإنتاج الغذاء إلى مستورد للقمح، وأجبر الجفاف 300 ألف عائلة زراعية على ترك أراضيها بين عامي 2006 و2010.

إعلان

ويشير استشاري الموارد الطبيعية الدكتور موفق الشيخ علي إلى الأضرار الكبيرة المترتبة على ذلك، موضحا أن "عدم توفر الأمطار ينعكس مباشرة على مناطق الاستقرار الزراعي والأراضي البعلية التي تشكل المساحة الأكبر (3.5 ملايين هكتار) مما يكبد الفلاحين خسائر فادحة ويدفع باتجاه استنزاف المياه الجوفية".

كما يلفت الوثائقي إلى ظهور آفة بيئية طارئة تفاقم من رداءة نوعية المياه، وفي مقدمتها انتشار نبتة " زهرة النيل" السريع على المسطحات المائية، والتي تمنع عمليات تبادل الأكسجين بين الماء والهواء وتؤدي إلى سوء نوعية المياه.

منابع المياه في يد الآخرين

وتعتمد سوريا بأكثر من 70% من مواردها المائية السطحية على مياه تنبع من خارج حدودها، وعلى رأسها نهرا الفرات ودجلة، إضافة إلى العاصي واليرموك، حيث تمثل الموارد المشتركة مع 5 دول مجاورة أكثر من 50% من إجمالي الموارد المائية.

مصدر الصورة أحواض المياه الرئيسية في سوريا (الجزيرة)

ويكشف الوثائقي تراجع التدفقات المائية لنهر الفرات الواصلة من تركيا، فبعد أن كان المتوسط السنوي يصل إلى 30 مليار متر مكعب، تراجعت التدفقات مع تشييد السدود ضمن مشروع "جاب" التركي (حوالي 10 سدود من أصل 22) لتتهاوى الكميات الواردة عام 2025، بعد أن سجلت انخفاضات حادة بين عامي 2017 و2020.

ولا تقتصر المخاطر الخارجية على دول المنبع، إذ يوثق الفيلم توسع الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد وسيطرته على مفاصل مائية إستراتيجية في هضبة الجولان وجبل الشيخ ونهر اليرموك، وصولا إلى التحكم المباشر بـ10 سدود حيوية (أبرزها سدا الوحدة والمنطرة) مما يمنح الاحتلال القدرة على التحكم بشبكة الموارد المائية لجنوب البلاد.

إرث الأسد وسوء الإدارة والفساد

ويغوص الوثائقي في الجذور السياسية للأزمة، مبينا أن عقود حكم حافظ وبشار الأسد أوصلت البلاد لكارثة مائية عبر سياسات الري بالغمر (التي تعتمد عليها مساحات شاسعة مقابل 23% فقط تستخدم الري الحديث) وكذلك حفر مئات آلاف الآبار العشوائية (ارتفعت من 135 ألف بئر عام 1999 إلى 213 ألفا عام 2007) للادعاء بتحقيق "اكتفاء ذاتي" على حساب المخزون الجوفي.

وفي تعليقه على إدارة أزمات الجفاف السابقة، يوضح المهندس نادر البني وزير الري الأسبق بين عامي 2003 و2010 أن الأخطاء الإدارية أسهمت في تفاقم الهجرة الريفية، قائلا "كان بإمكاننا القيام بمهمة أفضل، بإنشاء جمعيات لاستخدام الآبار، بحيث يعتمد كل 10 أو 15 فلاحا على بئر واحدة وكل فلاح يأخذ حصته، أولا نخفف من الهدر وثانيا نقلل في التكاليف".

مصدر الصورة النواعير وسط مدينة حماة مع جفاف نهر العاصي عام 2025 (الجزيرة)

كما يتطرق الوثائقي إلى الترهل الهيكلي والدمج غير المسؤول الذي أحدثه النظام المخلوع، بإلغاء الهيكلية الإدارية ودمج 6 أحواض مائية في مديرية مركزية بدمشق، بالإضافة لتعيين حسين مخلوف ابن خال بشار الأسد عليها، وحل المؤسسة العامة لاستثمار وتنمية حوض الفرات عام 2008 ودمجها وتعيين ابن قيس الأسد عم المخلوع عليها، مما سلب الأحواض المائية ميزاتها القانونية والمالية والإدارية وأدى لتدهور الحالة المائية وزيادة الفاقد المائي.

الحرب وسلاح المياه

مع تحول الثورة بعد عام 2011 إلى مواجهات مسلحة، تحولت المياه إلى سلاح في الحرب، حيث تضرر ثلث محطات معالجة المياه، وخرج ثلث أبراج المياه عن الخدمة، ونصف محطات الضخ صارت معطلة.

إعلان

ودفع التدمير الممنهج وقطع المياه عن مناطق كاملة (مثل قطع المياه عن دوما عام 2015 وقصف نبع الفيجة) السكان والجهات المحلية إلى حفر الآبار بالآلاف لتأمين مياه الشرب، مما ضاعف الضغط على الطبقات المائية الجوفية وأسهم في تلوث المياه وتفشي الكوليرا عام 2022 بأكثر من 50 ألف إصابة و100 حالة وفاة.

مصدر الصورة التدمير الممنهج وقطع المياه عن مناطق كاملة دفع السكان إلى حفر الآبار بالآلاف لتأمين مياه الشرب (الجزيرة)

الواقع والحلول

يختتم الوثائقي بالتطرق إلى واقع ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث تحاول الحكومة السورية الجديدة إنقاذ ما تبقى من المخزون الجوفي وإيقاف الاستنزاف.

وعن الخطوات الممكنة لمواجهة هذا التردي، يقول الدكتور موفق الشيخ إن العمل جار حاليا على "تنفيذ ودراسة السدات المائية والسدود في المناطق التي فيها هطول مطري، بحيث نستقطب كمية الهطول المطري النازلة على الأودية وحجزها ضمن السدود المائية".

وتؤكد التحذيرات أن الشرق الأوسط الذي اعتاد الصراعات السياسية قد يدخل في العقود المقبلة عصر الصراع على نقطة ماء، مما يضع السوريين أمام سؤال مفتوح: هل سنجد ماء نشربه؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا