بعد ما تعرض له الطرفان من سخرية وازدراء وتقليل من الشأن وتهميش، يمكن القول إن كلاً من الاتحاد الأوروبي وكندا يدرك تماماً ما يشعر به الآخر.
على مدى الأشهر العشرين الماضية، وجد الطرفان نفسيهما في مواجهة متواصلة مع تهديدات ترامب ومطالبه وأوامره، في تجربة بدت شبه متطابقة، شملت رسوماً جمركية عقابية، ومحاولات للضم، وتدخلات تنظيمية، وتبادلاً مريراً للاتهامات، تفاقمت حدته بفعل هجمات شخصية لاذعة اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي.
وكانت القطيعة مؤلمة، على أقل تقدير، فالولايات المتحدة لطالما كانت أقرب حليف لكل من الاتحاد الأوروبي وكندا، ومصدرهما الرئيسي للأمن، فضلاً عن كونها شريكهما التجاري المفضل، لكن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قلبت هذه المسلّمات رأساً على عقب، ودفعت الطرفين إلى إعادة النظر في موقعهما داخل عالم يزداد برودة وقسوة.
وفي هذا السياق، وجد الجانبان هذا الأسبوع العزاء لدى بعضهما البعض. فمن خلال خطابين متتاليين حظيا بتغطية واسعة، انتقلت مساعي التقارب بين الاتحاد الأوروبي وكندا إلى مستوى جديد، لتتحول إلى علاقة علنية كاملة الأركان.
أورسولا فون دير لاين قامت بالخطوة الأولى خلال خطاب حالة الاتحاد ، حين دعت كندا إلى تسجيل سابقة تاريخية، بأن تصبح أول "عضو شريك" في التكتل، بموجب صفة قانونية جديدة تماماً صُممت خصيصاً لأوتاوا.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، في إشارة ضمنية إلى ترامب: "نحن نؤمن بأن القوة لا تعود للأقوى أو للأغنى أو للأعلى صوتا، بل لنا جميعا".
وأضافت: "إنها شراكة ليست ضد أحد، بل من أجل قوتنا المشتركة. نريد أن نرتقي بالعلاقة مع كندا إلى أعلى مستوى ممكن".
وقوبل الإعلان، الذي لم يرد في النص المسبق للخطاب المرسل إلى الصحافة، بموجة حارة من التصفيق في البرلمان الأوروبي. وفي خضم هذه الأجواء، نهض رئيس الوزراء الكندي مارك كارني من مقعده مبتسماً، وتوجه إلى فون دير لاين مقبّلاً إياها على خدها.
وفي اليوم التالي، انعكست الأدوار، إذ جلست فون دير لاين بين الحضور تستمع إلى كارني وهو يخاطب الجمهور نفسه.
وقال رئيس الوزراء الكندي، وسط موجة جديدة من التصفيق: "أوروبا وكندا أقوى معاً". وأضاف: "دعونا نعمّق هذه الجذور، ونوسّع هذه المظلة، ونزرع غابة عابرة للأطلسي، يعيش في ظلها مواطنونا أحراراً على أرض حرة".
أشعلت هذه العبارات الرنّانة حماسا أوروبيا غير مسبوق تجاه كندا. ففي ستراسبورغ اصطف النواب لالتقاط صور سيلفي مع كارني، وارتدى زعيم حزب الخضر، تيري راينتكه، قميص منتخب كندا خلال خطابه، بينما نشر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث صورة لعلم أوروبي تتجاوره ورقة قيقب إلى جانب 12 نجمة، وصرّح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بأن الاتحاد الأوروبي وكندا "مكتوب لهما" توطيد الروابط بينهما.
وذهبت روبرتا ميتسولا، رئيسة البرلمان الأوروبي، أبعد من ذلك عندما ذكرت صراحة أستراليا ونيوزيلندا باعتبارهما التاليين في قائمة الدول المرشحة لتصبح "أعضاء شركاء" في التكتل.
وقالت في تصريح لشبكة يورونيوز: "لا أشك في أنها ستشمل دولا أخرى، وأن آخرين سيأتون ليطرقوا بابنا. وفي هذه الأوقات التي يسودها الشك، تكتسب الصداقة أهمية بالغة".
ولم يكن الحماس أقل على الضفة الأخرى من الأطلسي، فقد أظهر استطلاع أُجري قبيل رحلة كارني أن 56 في المئة من الكنديين يرون أن ما يجمعهم بالاتحاد الأوروبي، رغم أن المحيط يفصل بينهما، يفوق ما يجمعهم بالولايات المتحدة، على الرغم من الحدود البرية المشتركة التي تمتد لنحو 8,891 كيلومتراً.
تعاملت بروكسل وأوتاوا مع هذا التقارب باعتباره أمراً بديهياً، إذ يرى كل منهما نفسه ملتزماً بالقدر ذاته بالديمقراطية الليبرالية وسيادة القانون والأسواق المفتوحة، ما يجعلهما نظرياً شريكين متوافقين إلى حدّ كبير.
وفي خطابيهما، لم تدّخر فون دير لاين وكارني جهداً في تعداد المجالات التي يمكن للاتحاد الأوروبي وكندا تعزيز تعاونهما فيها والازدهار معاً، بدءاً من التجارة والطاقة والمواد الخام الاستراتيجية والبطاريات، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمية والتمويل والدفاع والفضاء والمنطقة القطبية الشمالية.
وتحدّث كارني عن برنامج يمنح الشباب حرية التنقل "للعيش والعمل والدراسة حيثما يريدون على أي من ضفتي الأطلسي"، فيما طرحت فون دير لاين رؤية تقوم على إنشاء "فضاء مشترك للازدهار والأمن الاقتصادي".
وليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه المجالات نفسها من بين الملفات التي بات التعاون فيها مع الولايات المتحدة أكثر صعوبة، وأحياناً شبه مستحيل، منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، في وقت يخوض فيه كارني حرباً تجارية مع الولايات المتحدة قد تلحق أضراراً جسيمة بقطاعات محورية في الاقتصاد الكندي.
ومع ذلك، برز تباين بين الطرفين بشأن المصطلحات المستخدمة لوصف هذا التقارب. فقد تمسكت فون دير لاين بتسمية لافتة وهي "عضو شريك"، رغم عدم وجود سابقة قانونية لها، وفي ظل الغموض الذي يحيط بها والتساؤلات التي تطرحها، كما لم يتضح ما إذا كانت قد تشاورت مع عواصم الدول الأعضاء قبل طرح المقترح.
في المقابل، فضّل كارني استخدام تعبير "تحالف من أجل المستقبل"، وهو وصف أقل حساسية. فبالنسبة إلى رئيس الوزراء الكندي، تنطوي تسمية "العضوية الشريكة" على إيحاء بالتنازل عن جزء من السيادة لصالح بروكسل، وهو ما شدّد على أنه لن يحدث بأي حال.
وقال كارني: "إن التسمية الدقيقة مسألة تعود لأوروبا".
وبعيداً عن هذا التباين المحدود، ظل الطرفان متمسكين بخطاب متقارب إلى حدّ كبير، حتى إنهما استخدما، في بعض الأحيان، الكلمات نفسها في تبادل عبارات الإشادة.
لكن خلف الابتسامات والعناق وعبارات الإطراء، يتنامى القلق حيال ما قد يحمله المستقبل.
فالاتحاد الأوروبي وكندا يجدان نفسيهما اليوم وسط صراع بين قوى عدة، من أجندة ترامب القائمة على شعار "أمريكا أولاً"، إلى المنافسة غير العادلة من جانب الصين، وصولاً إلى الحرب الروسية، في تحديات تهدد بتقويض ثرواتهما ودفعهما نحو دوامة من الركود. وفي الوقت نفسه، لا يملكان سوى مراقبة المعايير العالمية التي يسعيان إلى الدفاع عنها وهي تتآكل من الداخل.
ومن هنا، لا تقتصر هذه الصداقة على السعي إلى تحقيق الازدهار بقدر ما ترتبط أيضاً بمحاولة الصمود في وجه هذه التحولات.
وكان ترامب، على وجه الخصوص، عاملاً قوياً في دفع الطرفين نحو مزيد من التقارب، إذ جعلت سياساته المزعزعة للاستقرار هذه الشراكة المتنامية تبدو شبه حتمية.
وسرعان ما التفت الرئيس الأمريكي إلى ما وصفه بـ"الاحتفال بالحب"، مهدداً بفرض "رسوم جمركية خطيرة للغاية" إذا اعتُبرت "العضوية الشريكة" عملاً عدائياً.
في المقابل، شدّد كارني على أن التحالف بين الاتحاد الأوروبي وكندا يمثل "مبادرة إيجابية"، وأنه "ليس رداً على أي طرف آخر"، لكنه وجّه في خطابه انتقاداً مبطناً لترامب، مؤكداً أن كندا ليست حليفاً موسمياً يسعى إلى "اتفاقات محصلتها صفر".
وترى بيني ناس، مديرة مكتب بروكسل في صندوق مارشال الألماني، أن الانسجام الجديد بين الاتحاد الأوروبي وكندا ليس سوى "نتيجة طبيعية" لمسار العلاقات خلال الأشهر العشرين الماضية.
وقالت ناس ليورونيوز: "إن الولايات المتحدة تبتعد عن دورها التقليدي كمرساة وقائدة لتحالفها التقليدي من الدول الديمقراطية، وهو ما يدفع بوضوح إلى البحث عن شركاء جدد في عالم تسوده حالة من عدم اليقين".
وأضافت: "إن الوضع التجاري ودرجة الانسجام التنظيمي لم يعودا مجرد شروط تمهّد للازدهار، بل أصبحا ساحة تتجلى فيها المنافسة على القوة بصورة مباشرة".
وختمت بالقول: "إن أي إطار للشراكة بين الاتحاد الأوروبي وكندا سيخضع للتقييم، وسيكون عرضة للهجوم، على هذا الأساس منذ اليوم الأول".
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة