آخر الأخبار

الأسطول الخفي في مضيق هرمز يحافظ على استمرار تدفق النفط

شارك
إحدى سفن شحن النفط في مضيق هرمزصورة من: Morteza Akhoundi/ISNA/Photoshot/picture alliance

مضيق هرمز مغلق – أو يكاد. ترزح إيران تحت الضغوط الأمريكية ، وتهدد طهران السفن المارة. ورغم ذلك، يواصل النفط تدفقه بفضل شبكة لوجستية خفية ومحكمة، كما أن المخاطرة لا تزال مجدية اقتصاديا .

لم يعد لمضيق هرمز سوى جزء بسيط من أهميته السابقة في تجارة النفط . ورغم أن عدد مرات العبور ارتفع قليلا الأسبوع الماضي بنسبة 2.5 بالمئة ليصل إلى 121 سفينة وفقا لبيانات مؤسسة "Kpler" ، إلا أن عدد رحلات السفن المحملة بالنفط انهار في الوقت نفسه بنسبة 27 بالمئة. وفي المقابل، ارتفع عدد رحلات السفن الخاضعة للعقوبات من 9 إلى 16 سفينة. وبالتالي، فإن إجمالي حركة المرور يغطي على التحول الحقيقي: التجارة النظامية تفقد أهميتها باستمرار، بينما تزداد الشحنات الخاضعة للعقوبات وتلك التي يصعب تتبعها .

بالتوازي مع ذلك، تحاول الولايات المتحدة خنق تجارة النفط الإيرانية عبر فرض حصار على الموانئ الإيرانية وتطبيق عقوبات جديدة. وتريد واشنطن بذلك إركاع طهران اقتصاديا وضرب أهم مصادرها للعملة الصعبة. ومع ذلك، لم يتوقف تدفق النفط من الخليج بالكامل .

إذ نشأت شبكة لوجستية خفية "سلسلة توريد موازية" بين المياه الإقليمية الإيرانية، ومناطق الرسو العُمانية، والموانئ الواقعة خارج المضيق: حيث تختفي ناقلات النفط من أنظمة التتبع، وتتبادل السفن الشحنات في عرض البحر، بينما تتولى ناقلات صغيرة "مكوكية" قطع المراحل الأكثر خطورة، وفق صحيفة هاندلسبلات الألمانية.

ويقدر محللون مستقلون أنه رغم الحصار، لا يزال هناك ما بين 3 إلى 5 ملايين برميل من النفط تمر يوميا عبر هرمز – وهو رقم أقل بكثير من الـ20 مليون برميل التي كانت تمر قبل الحرب، لكنه بعيد كل البعد عن التوقف التام .

"العمل اللوجتسي الخفي": نظام مرن في عرض البحر

ما كان يُستخدم في السابق بشكل أساسي للالتفاف على العقوبات، تحول الآن إلى نموذج يُحتذى به لمنطقة بأكملها، لم يعد طريقها النفطي الأساسي يعمل إلا بشكل محدود. وهكذا ولدت اللوجستية الخفية لهرمز كشبكة مرنة في البحر وطرق تصدير بديلة .

وتتولى ناقلات صغيرة أو متوسطة الحجم الرحلات القصيرة عالية المخاطر، ويجري تبادل الشحنات بين السفن قبالة سواحل عُمان أو الفجيرة على الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة .

وتدمج إيران هذه الأساليب مع "أسطول الظل" الخاص بها والمُجرّب منذ سنوات، وتحاول في الوقت نفسه أن تحدد بنفسها من يُسمح له بعبور المضيق. وبهذه الطريقة، يظل المضيق ممرا نافذا رغم الحصار – ولكن فقط لتلك السفن التي يمكنها التحرك داخل هذا الهيكل المعقد وصعب التتبع .

الإمارات تقسم المسار الخطير إلى مراحل

ويبدو أن دولة الإمارات هي أكثر من طور هذا التقسيم في العمل إلى حد الكمال. حيث تقوم شركة النفط الحكومية "أدنوك" بتحميل الناقلات في الخليج  وجعلها تقطع الممر الخطير عبر هرمز جزئيا بدون تشغيل نظام التتبع التلقائي (AIS) – وهو النظام الذي يحدد موقع السفينة ومسارها، كما تنقل صحيفة هاندلسبلات.

وبمجرد الخروج من المضيق، يتم نقل النفط الخام عبر عمليات ضخ من سفينة إلى أخرى، لتتولى السفن الأخرى الرحلة الطويلة نحو آسيا مثلا. ووفقًا لوكالة "بلومبرغ"، فإن أدنوك باتت تعرض هذا النموذج حتى على النفط الخام العراقي القادم من البصرة .

هذا المبدأ يوزع المخاطر؛ فلم تعد هناك حاجة لأن تبحر ناقلة ضخمة من الميناء العراقي أو الإماراتي وصولا إلى الصين مباشرة. وبدلا من ذلك، تحول الممر الأكثر خطورة إلى ما يشبه خط رحلات مكوكية قصيرة .

وباتت شركات الشحن الحكومية الصينية ، مثل "كوسكو " (Cosco) وشركة ناقلات النفط "China Merchants Energy Shipping" ، تتجنب دخول هرمز بنفسها، وتفضل استلام النفط خارج الخليج، بعد إتمام عمليات إعادة التحميل قبالة الفجيرة أو الموانئ العُمانية .

السعودية تطور حلولا بديلة

بدورها طورت السعودية حلولا بديلة. ففي منتصف أغسطس/آب، قامت ثلاث ناقلات عملاقة بتحميل نحو مليوني برميل لكل منها في "رأس تنورة" و"الجعيمة"، وهما ميناءان نفطيان سعوديان رئيسيان على الخليج. وفي الوقت نفسه، تعرض شركة "أرامكو" الحكومية شحنات للاستلام قبالة الفجيرة أو "صحار"، وهي مدينة عُمانية تقع على خليج عُمان .

وعلى الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، يجري تشغيل خطة أخرى: حيث يتم نقل النفط من "ينبع"، المدينة الساحلية السعودية على البحر الأحمر، عبر ناقلات مكوكية إلى "العين السخنة" في مصر، ليتم تفريغه هناك ونقله عبر نظام خطوط أنابيب "سوميد" (SUMED) المصري الممتد من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط. ويسمح هذا الإجراء أيضا بتفادي المرور عبر مضيق باب المندب المهدد من قبل الحوثيين.

إيران تُخفي السفن – وتغير هوية منشأ النفط

النموذج الإيراني يذهب إلى أبعد من ذلك. فقد رصدت مؤسسة "Kpler" بين شهري مارس ومايو أن نحو 94 بالمئة من عمليات العبور في هرمز تمت خارج ممرات الملاحة المقررة من قبل المنظمة البحرية الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة .

ونحو 41 بالمئة من هذه العمليات جرت عبر مسارات "مظلمة" أو لا يمكن تتبعها بوضوح. وفي هذه الأثناء، تسير الناقلات الخاضعة للعقوبات، والسفن الإيرانية، والسفن التجارية العادية بشكل متزايد عبر الممرات نفسها .

ويرى الخبراء أن هناك استراتيجية وراء هذا الأمر؛ فطهران تؤسس لنظام ملاحي جديد: حيث إن حالة عدم اليقين بشأن الألغام والهجمات تجعل المسار على الجانب العُماني خطيرًا، بينما توجه إيران السفن إلى مياه تحت سيطرتها لفرض تصاريحها، وتفتيشها، ورسومها، وفق موقع فوكوس الألماني. وبالتالي، لا يقتصر الأمر على إخراج النفط فحسب، بل تحاول إيران كسب نفوذ سياسي دائم من مضيق هرمز .

الصادرات الإيرانية: لوجستية عقوبات مجربة لسنوات

فيما يخص صادرات إيران الذاتية، تبرز لوجستية العقوبات التي أثبتت كفاءتها على مدار سنوات. ففي الطريق إلى الصين، يتم إعادة تحميل النفط الإيراني وتعمية منشئه الأصلي، وغالبا ما يتم التصريح عنه بأنه نفط خام ماليزي أو إندونيسي وفقا لوكالة رويترز.

ويتم تسوية المدفوعات في كثير من الأحيان باليوان الصيني عبر سلاسل تجارية معقدة للغاية. ومع ذلك، فإن الحصار الأمريكي يؤتي ثماره: إذ تقدر "Kpler" واردات الصين من النفط الإيراني في أغسطس حتى الآن بنحو 534 ألف برميل يوميا، انخفاضا من 823,000 برميل في يوليو .

غير أن المخرج الأكثر إثارة للاهتمام من الناحية الاستراتيجية يمر عبر البر. حيث ينقل خط أنابيب "غورة - جاسك" الذي يبلغ طوله حوالي 1000 كيلومتر النفط الخام من محافظة بوشهر عبر جنوب إيران إلى ميناء "جاسك" المطل على خليج عُمان. وهناك، تقع نقطة التصدير بالفعل إلى الشرق من مضيق هرمز. وتظهر الصور الفضائية التي حللتها مؤسسة "S&P Global" رسو ست ناقلات على الأقل عند نقطة الشحن هناك بين شهري مارس ويوليو .

الخيار البري عبر العراق

إلى جانب ذلك، هناك خيار بري أقل تنظيما يمر عبر العراق. وقد وثقت وزارة الخزانة الأمريكية شبكات تقوم بخلط النفط الإيراني بالعراقي ، ثم تسويقه لاحقا بوثائق منشأ مزورة .

وتصف دراسة أجراها "مركز مكافحة الإرهاب" في وست بوينت عبور كميات صغيرة من النفط الإيراني إلى العراق عبر صهاريج أو أنابيب مرتجلة. ومع ذلك، فإن هذا الطريق لا يصلح لنقل ملايين البراميل يوميا، ولا يوجد حتى الآن ممر تصدير إيراني ضخم وصالح للعمل يصل إلى الساحل التركي على البحر المتوسط .

لم تعد السفن الكبيرة هي الأساسية في عملية تمرير النفط عبر الخليج صورة من: AFP

إيران تستفيد مؤقتا من حصار هرمز

لذلك، فإن العامل الحاسم ليس طريقا بديلا واحدا، بل التفاعل والتكامل بين العديد من طرق النقل واستراتيجيات الالتفاف المختلفة. ويشير معهد "المجلس الأطلسي"، وهو مركز أبحاث أمريكي للسياسة الخارجية والأمنية، إلى أن ناقلات الظل الإيرانية استفادت في بعض الأحيان من هذه الأزمة؛ فبينما أصبحت المخاطر عالية جدا بالنسبة للسفن النظامية، تمكنت سفن إيرانية محددة من العبور بيقين أكبر .

لماذا تعد تجارة النفط عالية المخاطر مجدية ماليا؟

شرح رئيس شركة "توتال إنيرجيز، باتريك بويان، لماذا لا تزال هذه الشحنات الخطرة عبر هرمز مجدية ومربحة لتجار النفط الخام. وتعد مجموعته حاليا من أكبر تجار النفط القادم من العراق وقطر . ونقلت وكالة رويترز عن بويان قوله: "يمكنني أن أخبركم أن النفط الخام ينقل اليوم عبر مضيق هرمز بتكتم شديد وبعيدا عن الأعين". والعامل الحاسم في ذلك هو الخصم الهائل في الأسعار الذي بات يتعين على المنتجين تقديمه الآن : "يتم بيع النفط الخام بـ 50 أو 60 دولارا للبرميل، وليس بسعر خام برنت، لأن المنتجين يحاولون يائسين إيصال نفطهم إلى السوق". وكان سعر خام برنت في ذلك الوقت يتجاوز 90 دولارا للبرميل.

ووفقا لحسابات بويان، فإن هذا الخصم كبير بما يكفي لتعويض حتى تكاليف النقل المرتفعة للغاية . وقال: "تكلف حركة ناقلة عملاقة واحدة من طراز VLCC (وهي ناقلة ضخمة يمكنها استيعاب نحو مليوني برميل من النفط الخام) عبر هرمز والعودة حوالي 20 مليون دولار".

وعند توزيع هذا المبلغ على كامل الشحنة، تنشأ تكاليف إضافية تقارب 10 دولارات للبرميل الواحد. وإذا اشترى تاجر النفط الخام مثلا بستين دولارا ودفع 10 دولارات أخرى للنقل الخطير، فإن الصفقة تظل جذابة للغاية طالما بقي سعر برنت فوق 90 دولارا. وهذا يفسر سبب استمرار مرور بعض شحنات النفط الخام عبر هرمز رغم القيود الشديدة، ولماذا لا يزال هناك ملاكو سفن مستعدون للقيام بذلك .

أما بالنسبة للبنزين والديزل والمنتجات النفطية المكررة الأخرى، فإن هذه الحسبة لا تكاد تنجح؛ لأنها تُنقل عادة في ناقلات أصغر حجما، مما يعني توزيع تكاليف العبور العالية على عدد أقل من البراميل. وقد حدد بويان التكلفة الإضافية للنقل هنا بنحو 50 دولارا للبرميل . ونقلت رويترز عنه قوله: "لذلك، لا توجد ناقلة منتجات مكررة واحدة تغادر هرمز حاليا".
وتوضح حسابات بويان سبب تباين تأثير الأزمة بين النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة: فشحنات النفط الخام الفردية يمكنها عبور المضيق بربحية رغم المخاطر العالية، بينما تصبح تكاليف النقل الإضافية للديزل أو البنزين مرتفعة للغاية وبشكل سريع.

تحرير: عارف جابو

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا