في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عمّان– لم يكن تعاطي محمود الأسمر المخدرات للمرة الأولى مجرد تجربة عابرة، بل كانت بداية رحلة قاسية سلبته سنوات من عمره. وما بدأ بفضول انتهى بإدمان على مادة لا تمنح ضحاياها فرصة للتراجع بسهولة، ولا تكتفي بتدمير الجسد، بل تمتد إلى العقل والعلاقات والأسرة والمستقبل.
واليوم، وبعد رحلة علاج وتعافٍ، يروي الأسمر قصته ليحذّر الآخرين من الوقوع في الفخ نفسه، في وقت تخوض فيه الأردن حرباً متصاعدة ضد مادة "الكريستال" والمعروفة باسم "القاتل المحترف" التي باتت توصف بأنها أخطر المخدرات الصناعية وأكثرها قدرة على التسبب في الإدمان من الجرعة الأولى.
وتأتي هذه الرواية بالتزامن مع إطلاق مديرية الأمن العام الأردنية حملة وطنية للتوعية بمخاطر "الكريستال" تجمع بين القبضة الأمنية والوعي المجتمعي، لمنع اتساع رقعة هذه المادة المخدرة وحماية الشباب من الوقوع ضحايا لها.
يقول محمود الأسمر للجزيرة نت إن تجربته مع "الكريستال" بدأت بفضول، لكنها سرعان ما تحولت إلى إدمان كامل، إذ تعلق بالمادة منذ الجرعة الأولى التي كانت كافية لتكون القاضية.
ويؤكد أن "الكريستال" ليس مجرد مادة مخدرة تمنح شعورا مؤقتا بالنشوة، بل هو سمّ يدمر الإنسان تدريجيا، ويغير شخصيته وسلوكه، ويفقده السيطرة على حياته.
وبعد رحلة علاج طويلة، استطاع الأسمر التعافي واستعادة حياته، مشيرا إلى أن صحته تحسنت واستعاد وزنه الطبيعي وعاد لممارسة حياته بصورة طبيعية.
ووجه الشاب رسالة إلى كل من يفكر في التجربة أو لا يزال عالقا في الإدمان: "لا تجرب من الأساس، وإن كنت قد وقعت في الإدمان فلا تيأس، فالتعافي ممكن، وأنا خير دليل على أن العودة إلى الحياة ممكنة".
يقول رئيس قسم التوعية في إدارة مكافحة المخدرات، المقدم نبيل الرواشدة، إن إطلاق الحملة الوطنية للتوعية بمخاطر "الكريستال" جاء ضمن نهج يجمع بين الحزم الأمني والتوعية المجتمعية، بهدف الحد من انتشار هذه المادة ومنع سقوط ضحايا جدد.
ويضيف للجزيرة نت أن الحملة لا تقتصر على ملاحقة المتورطين في التعاطي أو الترويج أو الاتجار بالمخدرات، وإنما تهدف أيضاً إلى رفع مستوى الوعي بخطورة "الكريستال" قبل اتساع دائرة انتشاره، مؤكدا أن هذه المادة تُعد من أخطر المخدرات الكيميائية، إذ تؤدي إلى الإدمان منذ الجرعة الأولى، وتخلّف آثارا جسدية ونفسية خطيرة.
ويوضح الرواشدة أن منتجي المخدرات يسعون إلى تطوير مواد شديدة الإدمان لضمان بقاء المتعاطي أسيراً لها، مشيراً إلى أن "الكريستال" يتصدر هذه المواد بسبب تأثيره المدمر على الفرد والأسرة والمجتمع.
ويشير الرواشدة إلى أن الفئة العمرية بين 17 و28 عاما من أكثر الفئات تورطا في قضايا المخدرات، لافتا إلى أن تجار المخدرات يركزون على استهداف الشباب من خلال استغلال حب الاستطلاع والفضول لديهم.
ويقول إن المروجين يعمدون إلى نشر معلومات مضللة تقلل من أخطار المخدرات أو تزعم وجود فوائد لها، لإقناع الشباب بخوض التجربة الأولى، مؤكدا أن الاعتقاد بأن التعاطي لمرة واحدة لا يؤدي إلى الإدمان يعد من أخطر المفاهيم المغلوطة التي يروج لها التجار.
كما دعا المواطنين إلى الإبلاغ عن أي معلومات تتعلق بتجار أو مروجي المخدرات، مشددا على أن جميع البلاغات تُعامل بسرية تامة، وأن المجتمع يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الآفة.
من جهته، يقول رئيس الجمعية الأردنية لمكافحة المخدرات الدكتور موسى الطريفي إن "الكريستال"، المعروف علمياً باسم "الميثامفيتامين"، يعد من أخطر المخدرات الصناعية والكيميائية، لأنه لا يمنح متعاطيه فرصة حقيقية أو طويلة للتراجع.
ويبين في تصريحات للجزيرة نت أن المادة تؤثر بسرعة في الدماغ، وتغير سلوك المتعاطي وشخصيته خلال فترة قصيرة، مؤكدا أن آثارها لا تتوقف عند تدهور الصحة، بل تمتد إلى تدمير العلاقات الأسرية والعمل والمستقبل وتحويل حياة المتعاطي وأسرته إلى معاناة يومية.
ويضيف أن المخدرات لا تبحث عن الضحية الأضعف، وإنما عن الأقل وعيا، لذلك تبقى الوقاية السلاح الأكثر فاعلية، لأن أفضل علاج هو أن لا يخوض الإنسان التجربة من الأساس.
ويلفت إلى أن خبرة الجمعية في التعامل مع المتعاطين وأسرهم تظهر أن الأسرة غالبا ما تكون أول من يلاحظ التغيرات السلوكية والنفسية، ما يجعل دورها أساسيا في التدخل المبكر وطلب المساعدة.
وتظهر البيانات الرسمية حجم التحدي الذي تواجهه المملكة في مكافحة المخدرات، إذ يشير التقرير الجنائي الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام إلى وقوع جريمة مخدرات كل 23 دقيقة و51 ثانية خلال عام 2025.
وسجل الأردن 22 ألفًا و31 جريمة مخدرات خلال عام 2025، مقابل 25 ألفًا و260 جريمة في عام 2024، فيما بلغ عدد الجرائم 22 ألفًا و256 جريمة خلال عام 2023.
ورغم تراجع عدد القضايا مقارنة بعام 2024، يرى مختصون أن خطورة المشهد لا تقاس بعدد الجرائم فقط، بل بنوعية المواد المخدرة المنتشرة، وفي مقدمتها "الكريستال"، الذي يوصف بأنه الأسرع في التسبب بالإدمان والأشد تدميرا للإنسان.
ولا تنفصل الحملة الوطنية ضد "الكريستال" عن المعركة الأمنية التي تخوضها المملكة على حدودها الشمالية. فمنذ سنوات، تصدر القوات المسلحة الأردنية بيانات شبه يومية تعلن فيها إحباط محاولات تهريب مواد مخدرة قادمة من الأراضي السورية، وفي مقدمتها "الكريستال ميث".
ومع دخول الطائرات المسيّرة، ولا سيما طائرات "الكوادكوبتر"، على خط التهريب، انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، إذ باتت هذه المادة تُعرف بين المهربين باسم "الطائر" لاعتمادها على الطائرات المسيّرة في نقلها.
وبعد مقتل جندي أردني وإصابة آخرين خلال اشتباك مع مهربين في مايو/أيار 2022، غيّر الأردن قواعد الاشتباك وأعلن "حربا مفتوحة" على شبكات تهريب المخدرات، بدأت باستهداف مجموعات حاولت التسلل عبر الحدود، وتواصلت مع تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة في عمليات التهريب.
ويؤكد مسؤولون أمنيون أن المملكة تخوض اليوم مواجهة مفتوحة على حدودها الشمالية والشمالية الشرقية لوقف تهريب المخدرات والأسلحة والتصدي لوسائل التهريب الحديثة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة