ليس سرا أن إسرائيل، التي كانت في فبراير/شباط الماضي حليفا قويا للولايات المتحدة في الحرب ضد النظام الإيراني، أصبحت الآن غير راضية عن أي اتفاق أمريكي مستقبلي مع طهران قد يسمح للإيرانيين بالاحتفاظ بأي مكونات من جيشهم وإعادة بنائها، ولا سيما برنامجهم النووي.
في خروج عن الأسلوب المعتاد في التعبير عن الصداقة تجاه الدولة اليهودية، انتقد نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إسرائيل علنا لجهودها الحثيثة لتوجيه الدبلوماسية الأمريكية نحو تحقيق مآربها الخاصة.
وبالفعل، ردا على الانتقادات الإسرائيلية المبطنة، عقد نائب الرئيس فانس مؤتمرا صحفيا في البيت الأبيض استهجن فيه بشدة المنتقدين الإسرائيليين.
وقد ذكّر الإسرائيليين علنا بأن الدولة اليهودية تعتمد على سخاء دافعي الضرائب الأمريكيين الذين مولوا "ثلثي الأسلحة الدفاعية" التي حمتهم خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وحذرهم من مهاجمة "الحليف القوي الوحيد المتبقي لهم في العالم".
رغم أنه ليس من الواضح تماما إلى أي مدى أيّد الرئيس دونالد ترمب تصريحات فانس الصريحة، فإن هذا الخطاب يظهر على الأقل أن واشنطن لا تريد أن يظن العالم أن إسرائيل تمتلك القدرة على تغيير مسار السياسة الخارجية الأمريكية، لأن ذلك لا يتماشى مع أولويات أمنها القومي
وكشف بصراحة أن إسرائيل "لا يمكنها أن تعتمد على القتل فقط كوسيلة لحل كل مشكلة من مشاكل الأمن القومي".
ورغم أنه ليس من الواضح تماما إلى أي مدى أيّد الرئيس دونالد ترمب تصريحات فانس الصريحة، فإن هذا الخطاب يظهر على الأقل أن واشنطن لا تريد أن يظن العالم أن إسرائيل تمتلك القدرة على تغيير مسار السياسة الخارجية الأمريكية، لأن ذلك لا يتماشى مع أولويات أمنها القومي.
إذا عدنا بضعة أشهر إلى الوراء، لقد كانت الصورة مختلفة تماما.
من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تعتقدان في ذلك الوقت أن الضربات القاتلة التي استهدفت القيادات العليا، والتي شُنّت في بداية حملة القصف التي انطلقت في 28 فبراير/شباط 2026، كانت ستؤدي إلى انهيار النظام الإيراني الذي دام 47 عاما.
وبالمقابل، كان هذا الانهيار سيسمح بتشكيل حكومة "عادية" موالية للغرب في طهران، مما كان سينهي عقودا من العداء تجاه الدولة اليهودية والولايات المتحدة والغرب بشكل عام.
ونحن نعلم أن هذا الهدف لم يتحقق، فقد قُتلت القيادة الإيرانية العليا بالفعل، بدقة ملحوظة، لكن النظام أثبت مرونته، ولم ينهَرْ.
من الآن فصاعدا، سترغب إسرائيل في أن تواصل الولايات المتحدة ضرب إيران حتى لا يكون لدى طهران الموارد اللازمة لتهديد إسرائيل.
القضية الرئيسية المطروحة حاليا في واشنطن، وهي إيجاد سبل لإعادة فتح مضيق هرمز، سواء عبر المفاوضات أو العمل العسكري، ليست الهدف الإستراتيجي الرئيسي لإسرائيل.
وبالتأكيد لن ترغب إسرائيل في أن تشتري واشنطن استئناف حركة الملاحة البحرية العادية في المضيق مقابل التنازل لإيران عن حقها في برنامج نووي وصواريخها الباليستية الخاصة.
القضية الرئيسية المطروحة حاليا في واشنطن، وهي إيجاد سبل لإعادة فتح مضيق هرمز، سواء عبر المفاوضات أو العمل العسكري، ليست الهدف الإستراتيجي الرئيسي لإسرائيل
لا تحب إسرائيل النتيجة المحتملة لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران الموقعة في يونيو/حزيران: وهي تسوية أمريكية مع طهران تسمح إيران بموجبها باستئناف الملاحة التجارية العادية مقابل رفع العقوبات، وإنهاء الأعمال العدائية الأمريكية، وقبول ضمني للنظام الإيراني الحالي وهيكله العسكري.
إسرائيل مقتنعة بأن أي اتفاق من شأنه إنهاء الضغط على إيران سيسمح للنظام بإعادة تجميع صفوفه، وتنظيمها، وإنفاق الأصول التي تم تحريرها والمكاسب المستقبلية من مبيعات النفط لإعادة بناء ترساناته العسكرية.
وجهة النظر الإسرائيلية هي أن أي أمل في إقامة علاقة شبه طبيعية مع هذا النظام الثيوقراطي ما هو إلا وهم.
بالنسبة لإسرائيل، كانت إيران بعد عام 1979 ولا تزال نظاما ثيوقراطيا متشددا يرى نفسه منخرطا في صراع وجودي ضد الغرب وإسرائيل لن ينتهي إلا بالهزيمة النهائية للأعداء.
بافتراض أن هذه هي النوايا الإيرانية الحقيقية، فإن أي شيء من شأنه أن يمنح طهران مزيدا من الوقت والمساحة لإعادة تنظيم قواتها يُنظر إليه من قبل الحكومة الإسرائيلية على أنه يضر بمصالحها الأمنية الوطنية.
وعلى نفس المنوال، لن تقبل إسرائيل سوى تسوية نووية شديدة التقييد، وقابلة للتحقق تماما مع إيران.
ويجب أن تتضمن هذه التسوية بندا ينص على ألا تمتلك إيران أي منشآت لتخصيب اليورانيوم، إلى جانب تدمير أي مخزونات موجودة.
وينبغي أن يتبع ذلك عمليات تفتيش مكثفة لجميع المواقع النووية، وإنتاج أجهزة الطرد المركزي، وفي حالة حدوث أي انتهاكات، سيتبع ذلك عمل عسكري.
وبطبيعة الحال، فإن الأهداف الإستراتيجية النهائية للولايات المتحدة فيما يتعلق بإيران لا تختلف كثيرا. لكن نقطة الاختلاف المحتملة بين الحليفين تكمن في تحديد الأولويات.
ما هو الأمر الأكثر إلحاحا؟ مع تغير التوقعات، يبدو أن الولايات المتحدة ترغب حاليا في إيجاد حل مقبول لمشكلة إغلاق مضيق هرمز.
في حين تشعر إسرائيل بالقلق من أنه بمجرد عودة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، قد يميل الرئيس ترمب إلى تأجيل جميع البنود الأخرى على جدول الأعمال، على الأقل حتى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي ستُجرى في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
في حين تشعر إسرائيل بالقلق من أنه بمجرد عودة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها، قد يميل الرئيس ترمب إلى تأجيل جميع البنود الأخرى على جدول الأعمال
ومع ذلك، قد تكون مخاوف إسرائيل بشأن أي تسرع أمريكي للتوصل إلى اتفاق مع إيران غير مبررة. ورغم أن الولايات المتحدة لم تستأنف حملة قصف واسعة النطاق، فقد اشتدت الهجمات ضد إيران في الأيام الأخيرة.
وبناء على آخر التطورات، فقد تجاوزنا الآن مرحلة الجمود التي كانت تتمثل في هجمات وانتقامات متفرقة. فهذه حملة جوية مستمرة، وإن لم تكن بنفس الحجم الذي شهدناه في مارس/آذار. وفي الوقت نفسه، أشار الرئيس ترمب إلى أنه يفكر في شن "هجوم واسع النطاق".
وبينما ننتظر تطورات جديدة، يمكننا القول إن الولايات المتحدة قد بدأت ما يسميه الخبراء بمرحلة "التصعيد المتحكم فيه"، أي زيادة الضغط العسكري؛ لكنها لا تزال بعيدة عن الحرب الشاملة التي شهدناها في مارس/آذار.
تكمن مشكلة هذه السياسة في أن الوضع العسكري قد يخرج عن السيطرة بسهولة، ويعتمد الكثير على ردود الفعل الإيرانية على هذه الهجمات الأمريكية المستمرة.
وإذا ردت إيران على القواعد الأمريكية في المنطقة بشكل يؤدي إلى سقوط قتلى بين الأفراد الأمريكيين، أو عرقلت حركة الملاحة البحرية في الخليج، أو شنت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة تلحق أضرارا جسيمة بدول الخليج، فإن احتمال استئناف حملة قصف أمريكية شاملة ضد إيران يصبح أكثر ترجيحا.
كل هذا يعني أنه إذا تخلت أمريكا عن السعي للتوصل إلى اتفاق مع إيران في إطار مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران، فإن مخاوف إسرائيل بشأن السياسات الأمريكية ستتلاشى.
وسيكتشف الحليفان، رغم أنهما ربما لا يتفقان تماما، أنهما يتفقان على الأهداف الأساسية فيما يتعلق بإيران.
ومع ذلك، فإن التوبيخ العلني من قبل نائب الرئيس فانس بشأن أي جهود إسرائيلية لدفع واشنطن في اتجاه مختلف هو تذكير للجميع بأن أمريكا لن تتسامح مع الشركاء الصغار الذين يعبرون علنا عن عدم رضاهم عن قيادتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة