حين فتح عبد العزيز، نجل السلطان محمود الثاني عينيه على الدنيا في 8 فبراير/شباط 1830 في مدينة إسطنبول، كانت الدولة العثمانية تمر بمرحلة دقيقة وبالغة الحساسية في تاريخها الطويل؛ إذ كان والده السلطان محمود الثاني يخوض معركة رآها "إصلاحية شرسة"، بعد أن أقدم على تفكيك الجيش الانكشاري سنة 1826 في الحادثة التي عُرفت بـ"الواقعة الخيرية" التي قضت على هذه الفرقة، مقتديا بذلك بواليه على مصر محمد علي باشا حين تخلص من المماليك في "مذبحة القلعة".
على أنقاض ذلك الجيش، أسس محمود الثاني جيشا نظاميا حديثا على النمط الأوروبي، غير أن ثمن هذه الإصلاحات كان باهظا؛ إذ كانت الدولة العثمانية تنزف من أطرافها؛ فقد تمكنت اليونان من انتزاع استقلالها بمساعدة عدد من الدول الأوروبية عام 1830 (اعترفت الدولة العثمانية باستقلالها بعد ذلك بعامين)، واستطاعت صربيا أن تنال حكما ذاتيا، أما تمرد محمد علي باشا في مصر فكاد يقتلع العرش العثماني من جذوره حين احتل بلاد الشام وتمكن من الوصول إلى عمق الأناضول.
فقد كان يتقن الفروسية ورمي النبال وكان من أشد المهتمين برياضة المصارعة، إذ كان يتحدى أقوى المصارعين، كما تلقّى عبد العزيز تعليما جيدا فكان يُجيد العربية والفارسية والفرنسية، وكتب رسالة في الأدب العربي ومقالا في الحكمة من تحريم الخمر، وظهرت موهبته في الخط والرسم والفنون البصرية، وتشير الروايات إلى أنه رسم بنفسه مخططات السفن الحربية التي أمر بتشييدها لاحقا.
"كان عبد العزيز يحيا حياة بسيطة، مما أكسبه محبة الناس في سنوات ولاية عهده، وكانوا يرون مستقبله أشبه بالسلطان سليم الأول الذي أعاد بعث الدولة العثمانية"
غير أن ما ميّزه حقا عن سلفه كان سيرته الشخصية "المستقيمة"، فبينما كان عبد المجيد يغرق في الملذات والإسراف كما تحكي المرويات، كان عبد العزيز يحيا حياة بسيطة، مما أكسبه محبة الناس في سنوات ولاية عهده، وكانوا يرون مستقبله أشبه بالسلطان سليم الأول صاحب الشخصية القوية الذي تمكن من إعادة بعث الدولة العثمانية وإحياء قوتها. ولما كانت أوروبا وتقاليدها الاجتماعية لا تستهويه، فقد وصفه السفير الإنجليزي السير ستراتفورد كانينغ في برقياته الدبلوماسية بأنه "رجعي ومحافظ"، وحذر من صعوده للعرش العثماني.
لكن في 25 يونيو/حزيران 1861 رحل السلطان عبد المجيد الأول إثر مضاعفات مرض السل، وصعد عبد العزيز إلى العرش في عمر 31 عاما خليفةً لأخيه، وكان مثل أخيه معجبا بالتقدم المادي الغربي، غير أنه تربّى تربيةً عثمانية محافظة منعته من قبول الثقافة الغربية على علاتها، ورغم ذلك بادر السلطان الجديد بإطلاق إشارات مطمئنة لجميع الأطراف، فقرر تعيين الوزير كجاجي زاده فؤاد باشا (محمد فؤاد باشا) صدرا أعظم (يوازي رئيس الوزراء حاليا) تعبيرا عن توجهه الإصلاحي، وواصل مع وزيريه فؤاد باشا وعالي باشا مسيرة الإصلاح والتحديث.
شهدت السنوات الأولى من حكم السلطان عبد العزيز بين 1861 و1871 مرحلة إصلاحية مهمة في تاريخ الدولة العثمانية، إذ واصل بالتعاون مع فؤاد باشا وعالي باشا مسار "التنظيمات" الذي بدأ في عهد أخيه عبد المجيد دون مبالغة، فجرى إنشاء نظام الولايات الإدارية الجديد على النموذج الفرنسي سنة 1864، وتأسيس مجلس الدولة عام 1868، إلى جانب إعادة تنظيم المنظومة التعليمية وافتتاح مؤسسات تعليمية عليا حديثة، فضلا عن إنشاء أول خطوط السكك الحديدية في الدولة.
وفي سياق سعيه للاطلاع على مظاهر التقدم الأوروبي وتعزيز مكانة الدولة العثمانية دوليا، أصبح عبد العزيز أول سلطان عثماني يقوم بزيارة رسمية إلى أوروبا الغربية سنة 1867 لمدة أكثر من 40 يوما، حيث استُقبل في باريس ولندن وفيينا استقبالا حافلا، غير أن هذه الجولة الأوروبية، التي أرادها السلطان تأكيدا على انفتاح الدولة وقوتها، أسهمت في الوقت ذاته في تنشيط دوائر المعارضة العثمانية في المنفى، إذ تابعها خصومه السياسيون من باريس ولندن بوصفها فرصة لتوسيع حملاتهم ضد نظام الحكم القائم.
لا يمكن فهم النهاية التي بلغها السلطان عبد العزيز وحادثة موته دون استيعاب المشهد الفكري والسياسي الذي أنتج قاتليه الفعليين وموجّهيهم الأيديولوجيين، ففي 7 يونيو/حزيران 1865، اجتمع نفر من الشباب العثماني في غابة بلغراد في إسطنبول وأسسوا جمعية سرية كانت النواة الأولى لما سيعرف لاحقا بـ"العثمانيين الجدد"؛ إذ كانت هذه الجماعة تمثّل المعارضة المنظمة الأولى في تاريخ الدولة العثمانية، وكان همّها الأول وربما الوحيد أن تُعيد هيكلة الدولة بالكامل وفق نموذج دستوري برلماني على الطراز الغربي.
كان العثمانيون الجدد يحملون فكرا مستندا إلى فلاسفة الثورة الفرنسية من أمثال مونتسكيو وروسو، وكانوا يؤمنون أن الدولة العثمانية لن تنجو إلا بدستور ونظام برلماني غربي، وقد ضمّت هذه الجماعة تنوعا من المثقفين والكتّاب وحتى المسؤولين الرسميين في الدولة، مثل الصحفي والشاعر نامق كمال والأديب الساخر ضياء باشا، وعلي سعاوي الموظف والرجل المتمرد، والصحفي آغاه أفندي، وغيرهم ممن كانوا يتقاسمون رؤية جامعة ترى أن السلطة المطلقة هي المرض، والدستور هو الدواء الناجع.
"كان العثمانيون الجدد يحملون فكرا مستندا إلى فلاسفة الثورة الفرنسية من أمثال مونتسكيو وروسو"
وكانت الشرارة المباشرة لتأسيس الجمعية تتمثل في قانون المطبوعات الصادر عام 1865، الذي أخضع الصحافة لسلطة الدولة وفرض "السنسور" أي الرقابة على كل ما يمس شخص السلطان والسياسة الخارجية وعلاقات الدولة بالقوى الأجنبية الأخرى. وحين رصدت الحكومة العثمانية نشاط هذه الجمعية، لجأت إلى سياسة التشتيت بسبب خطورة أهدافها التي كان منها اغتيال الصدر الأعظم عالي باشا وتعيين أحد الباشوات المقربين منهم وذلك وفق ما يرصده كمال باي ديللي في دراسته عن "العثمانيين الجدد". وفي مواجهة ذلك أُرسل علي سعاوي واليا مساعدا إلى ولاية قسطموني، ونُفي نامق كمال إلى أرضروم، وعُيِّن ضياء باشا قائمقام (قائم مقام – منصب قضائي) في قبرص، وكانت هذه المناصب في حقيقتها منافي مُقنَّعة.
وقد أدرك شباب العثمانيين الجدد أن الدولة تتجه إلى التضييق عليهم، فامتنع عدد منهم عن الالتحاق بالمناصب التي أُسندت إليهم، وبعضهم خشي من العقوبات، فغادروا إلى باريس بدعم مالي من الأمير المصري مصطفى فاضل باشا، الذي كان يحمل ضغينة سياسية تجاه السلطان عبد العزيز بعد تعديل نظام ولاية العهد في مصر سنة 1866 لمصلحة أبناء الخديوي إسماعيل.
وقد تحولت باريس آنذاك إلى مركز رئيسي لنشاط المعارضة العثمانية في المنفى، قبل أن تدفع الاعتبارات الدبلوماسية الفرنسية، بالتزامن مع زيارة السلطان عبد العزيز لفرنسا خلال المعرض الدولي سنة 1867، بعض رموز العثمانيين الجدد إلى الانتقال نحو لندن، حيث واصلوا نشاطهم الصحفي والسياسي، وأصدر علي سعاوي صحيفة "مخبر" التي أصبحت من أبرز منابر المعارضة العثمانية في أوروبا.
"في لندن وباريس، تحول العثمانيون الجدد إلى آلة دعاية منظّمة ضد سياسة الدولة العثمانية"
في لندن وباريس تحوّل هؤلاء الشباب إلى آلة دعاية منظّمة ضد سياسة الدولة العثمانية، حيث أصدر نامق كمال وضياء باشا صحيفة "حرية" من لندن بدءا من يونيو/حزيران 1868، وكانت تهدف إلى "فضح" الأحوال المالية للدولة وسوء إدارة الأوضاع وتراكم الديون الأجنبية، مستخدمةً جداول وأرقام رسمية لتحويل الصحيفة إلى وثيقة اتهامية دامغة، وكانت هذه النشرات تُهرَّب إلى إسطنبول وتُقرأ سرا في المقاهي ودور العلماء والثكنات العسكرية، وكان السلطان عبد العزيز يدرك هذه التطورات ويراها خطرا شديدا يهدد أمنه وأمن الدولة.
وحين زار السلطان عبد العزيز باريس تقرّب مصطفى فاضل باشا من السلطان وأقنعه بالعفو عنه، فعاد إلى إسطنبول وقطع دعمه المالي عن نامق كمال بأمر السلطان مباشرة، فاضطرت صحيفة "حرية" إلى الإغلاق، وفي عام 1870 عاد نامق كمال إلى إسطنبول بعد التوصل إلى تسوية سياسية مع الصدر الأعظم عالي باشا، قَبِل بموجبها التهدئة واعتزال العمل السياسي والكتابة الصحفية بشكل مؤقت تعبيرا عن حسن النوايا.
غير أن هذا الانكفاء لم يدم طويلاً؛ إذ استأجر نامق كمال حقوق نشر جريدة "عبرت" عام 1872 عقب تغير التوازنات السياسية، ليعود من خلالها إلى خط المعارضة الشرسة ونشر الفكر الدستوري؛ مما دفع الحكومة لإغلاق الصحيفة وإبعاده عن العاصمة بتعيينه متصرفا إداريا في غاليبولي.
ولم تقف حدود المواجهة عند هذا الحد، بل تفجرت الأزمة بشكل قطعي عام 1873 إثر عرض مسرحيته الشهيرة "الوطن أو سيليسترا"، التي ألهبت الحماس القومي وأشعلت نقمة الجماهير؛ فرأت السلطات في هذا الحراك الشعبي خطرا داهما، وقررت إغلاق الجريدة نهائيا ونفي نامق كمال إلى قلعة ماغوسا في جزيرة قبرص.
بحلول شتاء 1875-1876، لم تكن إسطنبول تعيش محض حراك فكري وسياسي هادئ حول الدستور، بل كانت مسرحا لأزمة مركبة تداخلت فيها خطورة الأوضاع المالية مع صراعات النفوذ السياسي؛ إذ بلغت الديون العثمانية ذروتها التاريخية بنحو 200 مليون ليرة ذهبية، وشارفت الدولة على الإفلاس الفعلي بعد أن سجلت موازنة عام 1875 عجزا بقيمة 5 ملايين ليرة، مع انسداد قنوات الاقتراض الداخلي والخارجي، وعجز الدولة عن سداد أقساط ديونها السنوية البالغة 14 مليون ليرة.
وأمام هذه المصاعب لجأ الصدر الأعظم آنذاك محمود نديم باشا -بنصيحة من السفير الروسي إغناتييف- إلى خفض نصف المدفوعات السنوية للدائنين مقابل إصدار سندات بفائدة، وهو إجراء جلب غضب القوى الأوروبية التي رأت أن الدولة العثمانية أخذت أموالهم وأمست غير قادرة على السداد.
"بلغت الديون العثمانية ذروتها التاريخية بنحو 200 مليون ليرة ذهبية، وشارفت الدولة على الإفلاس الفعلي بعد أن سجلت موازنة عام 1875 عجزا بقيمة 5 ملايين ليرة"
هذا التدهور المالي تزامن مع غياب الكفاءة الإدارية والدبلوماسية الحذرة التي تميز بها رجال دولة سابقون من طراز عالي وفؤاد باشا، ممَّا ترك الباب العالي في حالة ارتباك شديد أمام الضغوط الخارجية والاضطرابات المتصاعدة في البلقان وفي قلب هذا الإعصار السياسي برز مدحت باشا كرمز التفت حوله المعارضة، مستفيدا من حالة السخط العام وتصاعد الاحتجاجات التي بلغت ذروتها بإضراب ومظاهرات طلبة المدارس الدينية التي وقف خلفها هو نفسه صحبة داعمي "انقلابه" على عبد العزيز في مايو/أيار 1876.
ورغم الصورة الإصلاحية والدستورية لمدحت باشا، ومسيرته الطويلة في إدارة الولايات العثمانية مثل بغداد وسورية، فقد ارتكزت إدارته على نمط مكلف من الإصلاحات العمرانية والإدارية الطموحة التي اعتمدت في تمويلها على الاقتراض أكثر من اعتمادها على ترشيد مالي حقيقي، وبسبب تداخل طموحاته السياسية مع قناعته بضرورة النظام الدستوري، وضرورة تحجيم دور السلطان في الدولة، تحول موقفه من المعارضة الفكرية إلى قيادة حراك تنفيذي داخل دوائر البيروقراطية والجيش لإزاحة السلطان عبد العزيز.
"بفضل طموحه السياسي تصاعد دور مدحت باشا من المعارضة الفكرية إلى قيادة حراك داخل دوائر البيروقراطية والجيش لإزاحة السلطان عبد العزيز"
وبناءً على ذلك، تشكّل "أركان الانقلاب" أو ما يُعرف في الأدبيات العثمانية بـ"أركان خلع" الذي ضمّ مدحت باشا، ومجموعة من الصدور العظام السابقين مثل مترجم رشدي باشا (محمد رشدي باشا) ومحمود نديم باشا، وحسين عوني باشا، إضافة إلى شيخ الإسلام خير الله أفندي (أعلى سلطة دينية في الدولة وقتها)؛ ليتحول شعار الدستور والإصلاح إلى غطاء سياسي وتنفيذي لتدبير انقلاب خططوا له بعناية.
ولم تكن هذه الخطوة مجرد انتصار للفكرة الدستورية، بل كانت نتاج تحالف جمعته المصالح المشتركة والرغبة في إقصاء السلطان. وقد تمكنوا من استصدار فتوى شرعية توجّه تهم الإسراف وتخريب البلاد للسلطان عبد العزيز، تلاها محاصرة عسكرية لقصر دولما بهجة في 30 مايو/أيار 1876، أسفرت عن عزل عبد العزيز وتنصيب ابن أخيه مراد الخامس.
في 29 مايو/أيار 1876 طوّقت القوات العسكرية قصر دولما بهجة، واقتيد الأمير مراد نجل السلطان الراحل عبد المجيد من غرفته حيث بويع سلطانا، بينما أُرسل عمه السلطان عبد العزيز أولا إلى قصر طوب قابي، وهناك حين تذكّر مصير السلطان سليم الثالث الذي قُتل في ذلك القصر، طالب بنقله فنُقل إلى قصر آخر على البوسفور.
ولم تتوقف مأساة عبد العزيز عند هذا الحد، ففي 4 يونيو/حزيران 1876، وُجد عبد العزيز في غرفته صريعا وقد قُطعت أوردة معصميه، ودمه يلطّخ المكان، وقد أشيع في الرواية الرسمية أنه انتحر، حينها أسرع حسين عوني باشا إلى مكان الحادث وقد وجد السلطان عبد العزيز في النزع الأخير، حيث وجد كلا معصميه مقطوعين قطعا عميقا، وأسنانه مكسورة، مع كدمة داكنة على الصدر تدل على ضربة قوية، ورغم كل ذلك لم يستدعِ حسين عوني باشا طبيبا أو إسعافا عاجلا لإنقاذ السلطان، بل أمر بنقله إلى مخفر شرطة القصر، وتُرك هنالك حتى الموت.
"وُجد عبد العزيز في غرفته صريعا وقد قُطعت أوردة معصميه، ودمه يلطّخ المكان، وقد أشيع في الرواية الرسمية أنه انتحر"
ومن الوقائع التي استند إليها أنصار فرضية الاغتيال أن حسين عوني باشا كان يتابع قصر فريّة الذي مات فيه عبد العزيز بدقة لافتة وقت الحادث، مع أنه لم يكن من المفترض أن يكون على علم بما سيجري داخله، وعندما لاحظ ما حدث قصد مخفر الشرطة مباشرة، وهو ما اعتُبر لاحقاً من القرائن التي أثارت الشكوك حول طبيعة دوره في الأحداث.
لاحقا رفض اثنان من الأطباء العسكريين التوقيع على تقرير يُثبت الانتحار، فأمر حسين عوني باشا على الفور بنفي أحدهما إلى طرابلس الغرب ونزع عن الآخر رتبته العسكرية، وأُسكت 3 مصارعين ضالعين في الجريمة بتخصيص رواتب لهم مقابل صمتهم، وأدلى الإمام الذي تولّى غسل جثة السلطان بشهادته أمام محكمة يلدز، وذكر أنه لاحظ أثر ضربة فوق القلب واستمرار نضح الدم أثناء الغُسل، وهي شهادة تدحض رواية الانتحار جذريا.
رغم ذلك، لم يهنأ حسين عوني باشا بعد تلك الحادثة طويلا، ففي 15 يونيو/حزيران 1876، اقتحم الأمير حسن شركس شقيق إحدى زوجات السلطان اجتماعا وزاريا في دار مدحت باشا، وأطلق النار مباشرة على حسين عوني باشا فأرداه قتيلا، قبل أن يُلقى القبض عليه ويُنفَّذ فيه حكم الإعدام فيما بعد، وظل ملف موت السلطان عبد العزيز مغلقا طيلة 5 سنوات إلى حين انعقاد محكمة قصر يلدز في زمن ابن أخيه السلطان عبد الحميد الثاني.
وصول موكب جنازة السلطان عبد العزيز الأول إلى ضريح السلطان محمود الثاني (غيتي)في عام 1881 وبعد تمكن عبد الحميد الثاني من الحكم، عُقدت محاكمة لكشف سر موت عمه السلطان عبد العزيز، وقد مَثَل أمام محكمة استثنائية مجموعة من كبار المسؤولين العثمانيين بتهمة التواطؤ في اغتيال عبد العزيز، وكان في مقدمة المتهمين الصدر الأعظم السابق مدحت باشا وعدد آخر من المتهمين.
وخلص الحكم القضائي رسميا، بالاعتماد على تضارب أقوال المتهمين، واعترافات البعض الآخر إلى أن السلطان عبد العزيز قُتل بأمر من حسين عوني باشا، وأن الحادثة أُخرجت في صورة انتحار، ورغم صدور حكم الإعدام على مدحت باشا، خفف السلطان عبد الحميد الثاني الحكم وأمر بالمؤبد ونفي مدحت باشا إلى سجن الطائف في الحجاز، حيث توفي في ظروف غامضة داخل محبسه في صيف عام 1884.
"خلص الحكم القضائي رسميا إلى أن السلطان عبد العزيز قُتل بأمر من حسين عوني باشا، وأن الحادثة أُخرجت في صورة انتحار"
ومن اللافت أنه لا يزال الجدل التاريخي مستمرا حول حقيقة وفاة السلطان عبد العزيز الأول، إلا أن التدقيق في تفاصيل الحادثة يرجح كما يقول المؤرخان أحمد آق قوندوز وسعيد أوزتورك في كتابهما "الدولة العثمانية المجهولة" إنها لم تكن انتحارا بل جريمة قتل مدبرة دبرها حسين عوني باشا ومدحت باشا ومن ساعدهم.
ومما يؤكد ذلك عدم منطقية الرواية الرسمية التي زعمت أن السلطان قَطع وريد يده اليسرى بالمقص الذي زعموا أنه أراده من مساعده فخري بك لتهذيب لحيته، ثم قطع شريان يده اليمنى بيده الجريحة الأولى، وهو ما يراه المؤرخ أحمد جودت أمرا غير قابل للتصديق، فضلا عن غياب أي تحقيق جنائي أو تقرير طبي جاد يقتضيه القانون والشرع في حالة موت سلطان في ظروف استثنائية؛ إذ جرى الاكتفاء بسؤال مساعده فخري بك على عجل، في حين رفض حسين عوني باشا بشدة جميع طلبات الفحص الطبي الدقيق للجثمان.
وعوضاً عن الاستفسار من والدة السلطان وجواريه ومواساتهن، تعرضن للتعسف والضغط الشديد من قِبل حسين عوني باشا، وبلغ الأمر ذروته من "الدناءة" كما يقول آق قوندوز حين امتدت أيدي بعض الضباط لانتزاع الأقراط من أذن والدة السلطان عنوة. ووفقا لرواية المؤرخ أحمد جودت باشا عن أحد المقربين من السلطان مراد الخامس، فإن الأخير أصيب بالجنون وذهاب العقل لهول ما علم بوقوعه في حادثة وفاة عمه.
وبعد أكثر من قرن على وفاة السلطان عبد العزيز، أُعيد إحياء الجدل حول الحادثة من خلال نشر شهادة منسوبة إلى ابنته ناظمة سلطان، جاء فيها إنها شهدت الساعات الأخيرة من حياة والدها، وأن مجموعة مؤلفة من عدة أشخاص هاجموه واعتدوا عليه بالضرب، ثم قاموا بقطع معصميه، ولم يغادروا المكان إلا بعد أن فارق الحياة متأثرا بالنزيف الشديد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة