في دراسته «إريتريا وواشنطن: براغماتية البحر الأحمر وصراع النفوذ في القرن الإفريقي»، يرصد الباحث الإريتري عبد القادر محمد علي التحول المتسارع في العلاقة بين الولايات المتحدة وإريتريا بعد سنوات طويلة من التوتر والعقوبات.
وتنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية مفادها أن الموقع الجيوسياسي لإريتريا على البحر الأحمر، والتغيرات التي فرضتها حرب غزة وهجمات الحوثيين على الملاحة الدولية، أعادا صياغة الحسابات الأمريكية تجاه أسمرة، ودفعا واشنطن إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على الانفتاح والحوار بدل سياسة العقوبات والضغط التي طبعت العلاقة خلال العقدين الماضيين.
يستعرض الباحث المسار المتقلب للعلاقات بين البلدين. فبعد أجواء التفاؤل التي صاحبت اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، بدا أن واشنطن تنظر إلى أسمرة باعتبارها جزءًا من ترتيبات جديدة في القرن الإفريقي. لكن هذا المناخ لم يدم طويلًا، إذ عادت العلاقات إلى التوتر مع اندلاع حرب تيغراي واتهام إدارة جو بايدن لإريتريا بالمشاركة فيها، الأمر الذي قاد إلى فرض عقوبات استهدفت الجيش والمؤسسات الأمنية والحزب الحاكم وشخصيات بارزة في النظام.
غير أن التطورات الإقليمية اللاحقة، ولا سيما تداعيات حرب غزة والهجمات الحوثية في البحر الأحمر، دفعت واشنطن إلى مراجعة مقاربتها.
وقد تجلى ذلك في الإستراتيجية الأمريكية المعدلة تجاه إريتريا الصادرة أواخر 2023، والتي تحدثت عن فرصة لإعادة بناء العلاقات الثنائية، وأظهرت تحولًا مهمًّا تمثل في التخلي عن الخطاب الذي كان يركز على مرحلة «ما بعد أفورقي»، وهو ما اعتبرته أسمرة مؤشرًا على تراجع الرغبة الأمريكية في تغيير النظام.
تخصص الدراسة مساحة لافتة للعلاقة الخاصة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الإريتري أسياس أفورقي. ويرى الباحث أن فترتي حكم ترمب مثلتا استثناءً في تاريخ العلاقات بين البلدين؛ إذ ساد خلالهما قدر من الدفء السياسي مقارنة بمراحل التوتر السابقة.
ويعزو الباحث ذلك إلى تشابهات فكرية وشخصية بين الرجلين، أبرزها الميل إلى نموذج «الرجل القوي» في الحكم، والنظرة المتشككة إلى المؤسسات الدولية، والعداء المشترك لسياسات الإدارات الديمقراطية، خصوصًا إدارتي أوباما وبايدن. كما أن أفورقي وجد في عودة ترمب فرصة للتخلص من آثار العقوبات والسياسات التي اتبعتها الإدارات السابقة تجاه بلاده.
يرى الباحث أن العامل الحاسم في التحول الأمريكي لا يتعلق بإريتريا ذاتها بقدر ما يتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب. فالهجمات الحوثية على الملاحة الدولية أظهرت هشاشة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ودفعت واشنطن إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة لضمان استمرار حركة التجارة والطاقة.
وفي هذا السياق تكتسب إريتريا أهمية استثنائية. فهي تمتلك أكثر من ألف كيلومتر من السواحل على البحر الأحمر، وتسيطر على موانئ ذات أهمية إستراتيجية مثل مصوع وعصب، وتقع مباشرة في مواجهة الساحل اليمني. ومن ثم فإن أي تصور أمريكي لإعادة هندسة الأمن في جنوب البحر الأحمر لا يمكن أن يتجاهل الدور الإريتري.
وتشير الدراسة إلى أن تعقد المواجهة الأمريكية مع إيران، وما رافقها من تهديدات لمضيق هرمز، زاد من أهمية باب المندب باعتباره شريانًا حيويًّا للتجارة والطاقة، الأمر الذي عزز الحاجة الأمريكية إلى بناء تفاهمات مستقرة مع أسمرة.
لا يقتصر الاهتمام الأمريكي بإريتريا على الاعتبارات الأمنية وحدها، بل يرتبط أيضًا بالصراع الدولي على النفوذ في القرن الإفريقي. فالمنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا للحضور الصيني، سواء عبر الاستثمارات الاقتصادية أو من خلال القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي، كما عززت روسيا بدورها علاقاتها مع أسمرة.
ويشير الباحث إلى أن إريتريا أصبحت شريكًا مهمًّا لكل من بكين وموسكو خلال سنوات العزلة الغربية، فانضمت إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، وفتحت الباب أمام تعاون متنامٍ مع روسيا، بل كانت الدولة الإفريقية الوحيدة التي صوتت ضد قرار أممي يطالب بانسحاب القوات الروسية من أوكرانيا.
ومن هنا تبدو السياسة الأمريكية الجديدة محاولة لاحتواء هذا التمدد، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال تقديم بدائل سياسية واقتصادية تجعل التقارب مع واشنطن أكثر جاذبية لأسمرة من الارتهان الكامل للصين أو روسيا.
توضح الدراسة أن التقارب مع إريتريا يتجاوز العلاقة الثنائية إلى محاولة التأثير في التوازنات الإقليمية المعقدة في القرن الإفريقي. فأسمرة حاضرة بصورة أو بأخرى في معظم ملفات المنطقة، من الحرب السودانية إلى التوترات الإثيوبية، مرورًا بالوضع في الصومال.
ولهذا ترى واشنطن أن التواصل مع إريتريا يمنحها قناة تأثير مهمة في منطقة تعاني هشاشة مزمنة وصراعات متشابكة. كما أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى ضمان ألا تتحول أسمرة إلى عنصر معرقل للمبادرات الأمريكية في المنطقة، بل إلى شريك يمكن الاستفادة منه في إدارة الأزمات واحتواء التوترات المتصاعدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا على خلفية المطالب الإثيوبية بالحصول على منفذ سيادي على البحر الأحمر، وهو ملف تنظر إليه واشنطن باعتباره أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار المحتملة في المنطقة.
رغم الترحيب الإريتري الواضح بالانفتاح الأمريكي، فإن الدراسة تؤكد أن أسمرة تنظر إلى هذا التقارب من منظور براغماتي حذر. فهي ترفض بصورة قاطعة ربط أي تحسن في العلاقات بملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان أو الإصلاحات السياسية الداخلية، وتصر على أن تقوم العلاقة على أساس المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
كما ترفض إريتريا أن يتحول التقارب مع واشنطن إلى وسيلة للضغط عليها في ملف الخلافات مع إثيوبيا، أو إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية على حساب مصالحها. وفي الوقت نفسه تحرص على الاحتفاظ بعلاقاتها مع الصين وروسيا وعدم الانخراط في أي اصطفاف دولي أحادي يفقدها هامش المناورة الذي اعتادت الاستفادة منه.
يرى الباحث أن مستقبل التقارب الأمريكي-الإريتري سيتحدد وفق قدرة الطرفين على تجاوز إرث طويل من عدم الثقة. ويطرح أربعة مسارات محتملة لهذا التطور.
السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تطبيع تدريجي محدود، يشمل تخفيف العقوبات واستئناف الحوار وبناء الثقة دون الوصول إلى تحالف كامل، بما يسمح لواشنطن بالحصول على بعض المكاسب الأمنية، ويمنح أسمرة متنفسًا اقتصاديًّا وسياسيًّا دون المساس بطبيعة النظام القائم.
أما السيناريو الثاني فيقوم على تحالف إستراتيجي واسع يتضمن تعاونًا أمنيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا أكبر، لكنه يواجه عقبات كبيرة بسبب انعدام الثقة والحساسيات الإقليمية والملف الحقوقي.
ويظل احتمال التعثر أو الفشل قائمًا إذا اصطدمت المفاوضات بخلافات حول شروط رفع العقوبات أو طبيعة التنازلات المطلوبة من أسمرة، بما قد يعيد العلاقات إلى حالة الجمود السابقة.
أما السيناريو الأخير فيتمثل في نجاح «صفقة كبرى» تتجاوز العلاقة الثنائية إلى إعادة ترتيب التوازنات في القرن الإفريقي، عبر معالجة الخلافات الإريترية-الإثيوبية والوصول إلى ترتيبات إقليمية أوسع، غير أن الدراسة ترى أن هذا الاحتمال يبقى الأقل واقعية في المدى المنظور.
يخلص الباحث إلى أن ما يجري بين واشنطن وأسمرة لا يعكس تحولًا جذريًّا في مواقف الطرفين بقدر ما يعبر عن تقاطع مصالح فرضته متغيرات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى إريتريا في سياق مواجهتها مع الصين وروسيا، وفي إطار سعيها إلى حماية الملاحة الدولية وموازنة النفوذ الإقليمي، بينما ترى أسمرة في هذا الانفتاح فرصة لفك العزلة وتقليل كلفة العقوبات دون التخلي عن استقلالية قرارها أو شبكة علاقاتها الدولية. ولهذا يبقى مستقبل العلاقة مرهونًا بقدرة الطرفين على تحويل هذه البراغماتية المؤقتة إلى تفاهمات أكثر استقرارًا، أو تركها لتتحول إلى فرصة ضائعة جديدة في تاريخ علاقتهما المضطرب
الدراسة كاملة
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6552
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة