في مفارقة قاسية تجسد عمق الأزمة الاقتصادية التي تعصف بسوريا، يتحوّل موسم زراعي واعد، كان من المفترض أن يكون طوق النجاة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلى كابوس مالي يهدد بإفلاس المزارع السوري وتقويض آخر ركائز الأمن الغذائي في البلاد.
فبينما تحتفل البيانات الرسمية بوفرة المحصول وهطول الأمطار الغزيرة، يقف الفلاحون أمام قرار حكومي جديد بتحديد سعر شراء طن القمح بـ 55 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل تقريباً 400 دولار أمريكي، في خطوة وصفها خبراء ومزارعون بأنها "حكم بالإعدام" على القطاع الزراعي، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى مستويات قياسية وتباين صارخ مع أسعار السوق الإقليمية.
وأثار القرار رقم 94 الصادر عن وزارة الاقتصاد والصناعة، والذي عدّل السعر لاحقاً ليصل إلى 55 ألف ليرة سورية جديدة بعد إضافة 9 آلاف ليرة، موجة غضب عارمة.
فالمزارع السوري، المحاصر بين مدخلات بأسعار عالمية ومخرجات محددة سعرياً بسخاء حكومي غير متناسب، يواجه خسارة صريحة. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة الآزوتية والفوسفاتية، وقفزت تكلفة المازوت الزراعي بأكثر من 400% بعد رفع الدعم، ناهيك عن ارتفاع أجور العمال وتكاليف النقل بوقود السوق الحرة.
وتكشف الأرقام الرسمية لوزارة الزراعة حجم المأساة: فقد حقق الموسم الحالي معادلة نادرة بأمطار جيدة ونسبة تنفيذ مرتفعة، حيث بلغت المساحة المزروعة 1.2 مليون هكتار من أصل 1.4 مليون هكتار مخطط، بنسبة تنفيذ وصلت إلى 86%، توزعت بين 505 آلاف هكتار مروي و763 ألف هكتار بعلي.
ويتراوح الإنتاج المتوقع بين 2.3 و2.5 مليون طن، تتصدره محافظة الحسكة بإنتاج يصل إلى 1.03 مليون طن وحدها. هذه المعادلة لا تعكس خسارة ناتجة عن فارق بسيط، بل عن انهيار تراكمي لسلسلة الإنتاج كاملة، مما دفع بعض المزارعين في إلى تلف محاصيلهم أو حرق أجزاء منها احتجاجاً، في إشارة واضحة إلى عزوف خطير قد يطال مواسم الزراعة القادمة إذا لم يُعالج الأمر.
وتتفاقم الخطورة عند مقارنة السعر السوري بنظيره في العراق، حيث يبلغ سعر طن القمح حوالي 620 دولاراً. هذا الفارق يخلق مغرياً قوياً للتهريب، خاصة من منطقة الجزيرة الأغنى إنتاجاً والقريبة من الحدود.
وفي تحليل معمّق، يسلط الخبير الاقتصادي عامر عرابي الضوء في حديثه لـ"يورونيوز" على تغير دور "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) هذا العام. ويقول عرابي: "لا يمكن تجاهل أن المنطقة الأغنى والأكثر إنتاجاً بالقمح هي منطقة الجزيرة وهي القريبة جغرافياً جداً من العراق. ربما قسد هذه السنة لا تستطيع أن تعمل مثل السنوات السابقة أيام النظام السابق؛ فهي كانت ترفع السعر أكثر لأن لها إدارة ذاتية ولها أسعار ولها اقتصاد. لكن بعد الاندماج وحصول ما حصل، ربما لا تستطيع أو لن تستطيع تكرار ذلك".
ويخلص عرابي إلى النتيجة الحتمية: "هذا سيؤدي حتماً إلى تهريب قمحنا إلى كردستان العراق القريبة جداً منها، مما سيفرغ مخازننا من محصولنا بشكل مؤكد".
ويطرح عرابي تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الدولة على التمويل، مشيراً إلى أن شراء 2.5 مليون طن بسعر 392-400 دولار يتطلب نحو مليار دولار. يسأل بحدة: "من أين ستأتي الحكومة السورية بهذا المبلغ الهائل؟".
ويحذر الخبير من التداعيات النقدية قائلاً: "في حال أرادت الدولة دفع هذه الأسعار، فهذا المبلغ الهائل يطرح تساؤلات جوهرية: هل أخذت في الحسبان مدى ارتفاع سعر الدولار؟ وهل أدركت أن ذلك سيؤدي إلى انهيار الليرة السورية؟ وكم ستصبح قيمة ما مُنح للفلاح بعد ارتفاع الأسعار وارتفاع الدولار؟ ألا سيتقلص إلى النصف تقريباً؟".
ويشير إلى واقع تأخر صرف الرواتب كدليل على شح السيولة، متسائلاً: "إذا كانت الدولة حتى اللحظة عاجزة عن صرف رواتب الموظفين، فمن أين ستجلب مليار دولار لدفعها للفلاحين؟".
يتناول الخبير عامر عرابي ملف الخبز في ظل توقف منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة عن تقديم الدعم ، معتبراً أن سياسة تخفيض وزن الربطة حلٌّ مؤقت وخادع. ويقول لـيورونيوز: "تدّعي الدولة أنها لا تزال تدعم الخبز، وهذا صحيح من الناحية الشكلية، لكن الإشكالية تكمن في الإجراء الذي اتخذته مؤخراً بتخفيض وزن الربطة لتجنب رفع سعرها؛ فإن استمرار هذا النهج سيؤدي حتماً إلى زيادة الأعباء المالية على الأسرة".
ويشرح آلية التأثير التراكمي لهذه السياسة قائلاً: "بالنسبة للأسرة المكونة من خمسة أفراد، حتى لو بقي سعر الربطة ثابتاً مع انخفاض وزنها، فإنها ستضطر لشراء كميات أكبر لسد حاجتها. فقد لا يظهر الأثر في الشهر الأول، لكن في الشهر الثاني، بدلاً من الحاجة إلى ستين ربطة، ستصبح الحاجة إلى اثنتين وستين، وفي الشهر التالي إلى أربع وستين.. فهذه الزيادة البسيطة المقدرة بمئة وخمسين غراماً تتراكم يوماً بعد يوم".
ويؤكد عرابي بثقة كبيرة: "أنا واثق، بل أعتقد جازماً، بأن الأموال الضخمة التي ستنفقها الدولة لشراء القمح من الفلاحين ستقود حتماً إلى رفع أسعار الخبز مستقبلاً. فالدولة ستسعى لاسترداد هذه التكاليف عبر رفع أسعار المحروقات وخدمات الاتصالات، وكذلك عبر سعر الخبز ذاته. وعندها سيكون التأثير أشد وطأة على الأسر السورية التي يعيش تسعون بالمائة منها تحت خط الفقر، مما سينذر بوقوع أزمة اجتماعية كبرى في القريب العاجل، وأتوقع حدوثها خلال أشهر قليلة".
وينتقد الخبير الاقتصادي غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة للدولة الجديدة بعد مضي سنة ونصف على توليها المسؤولية. ويقول عرابي لـيورونيوز: "تبدو الدولة متجاهلة للواقع، ومن الواضح أنها تعاني من شح في السيولة المالية وعدم وجود موارد كافية؛ فلا يوجد إنتاج محلي يُذكر، ولا صادرات تدر عملة صعبة، بينما تغرق الأسواق بالبضائع التركية، وتكاد المعامل في حلب تتوقف عن العمل تماماً".
ويضيف نقطة دقيقة حول فئة المستوردين قائلاً: "نحن حتى اليوم نفتقر إلى رؤية اقتصادية شاملة للبلاد؛ فما زال النهج القديم مسيطراً وهو الاعتماد الكلي على الاستيراد. لقد تحول الأمر من هيمنة مجموعة من المستوردين المقربين من النظام السابق إلى سيطرة مستوردين مقربين من النظام الحالي، والجدير بالذكر أن كثيراً منهم هم أنفسهم من كانوا نشطين في عهد النظام السابق وبقيوا حتى الآن".
ويتابع قوله: "إن الوزراء يتفاخرون بارتفاع حجم الواردات من تركيا بمليارات الدولارات، بدلاً من أن يكون فخرنا بزيادة الصادرات الوطنية. وعليه، فإننا أصبحنا بلداً يعتمد كلياً على الاستيراد.. مما حوّل القطاع الزراعي من نشاط اقتصادي منتج إلى عبء ثقيل على كاهل أصحاب الأراضي، لينتهي هذا العبء في النهاية ملقى على عاتق المواطن".
يلفت الخبير عامر عرابي الانتباه إلى غياب دور "اتحاد الفلاحين" في لجنة تسعير القمح هذا العام، مخالفاً بذلك النهج المتبع سابقاً. ويقول: "لطالما كانت عملية تسعير القمح في كل عام خلال عهد النظام السابق تتم عبر لجنة تضم عدة جهات، لعل أبرزها وأهمها اتحاد الفلاحين. فعندما تُطرح فكرة الشراء فوراً بسعر 400 دولار، كان الاتحاد يتدخل قائلاً: لحظة، لدينا تفاصيل التكاليف من حراثة وأسمدة ومحروقات أما هذا العام، فلم يرد أي ذكر لاتحاد الفلاحين، ومن الواضح أنه لم يكن حاضراً على الإطلاق".
ويتابع عرابي واصفاً آلية اتخاذ القرار الجديدة التي سادت هذا الموسم: "لقد وُضع السعر على غرار باقي القرارات الأخرى؛ فكأن أحداً قرر الأمر وانتهى: هذا هو السعر، فليكن".
يختتم الخبير عامر عرابي تحليله بتحذير شديد اللهجة من مغبة استمرار هذا النهج، لا سيما أن الموسم الحالي يُعد الأول الماطر والغزير منذ سنوات طويلة، مشبهاً إياه بموسم عام 1988 الذي كان سبباً في إثراء الريف السوري.
ويقول: "توقعاً لانهيار موسم القمح القادم، يجب على الدولة السورية السعي فوراً للحصول على قروض تهدف إلى رفع أسعار شراء القمح بدءاً من هذا الموسم وليس الموسم المقبل؛ لأننا سنشهد مشاكل جمّة بمجرد انطلاق عملية التسليم في الموسم الحالي".
ويحذر من احتمالية التصعيد الميداني قائلاً: "سنشاهد المزيد من المظاهرات والمشاكل، وقد تتطور الأمور إلى وقوع أحداث دموية، وذلك لأن الزراعة تمثل مصدر رزق الفلاح في مناطق واسعة من سوريا، وهذا ما يتوقعه الناس".
أما فيما يتعلق بالحلول، يستبعد عرابي العودة إلى خيارات سابقة مثل تحويل الدعم إلى مساعدات نقدية، مؤكداً: "موضوع تحويل الدعم إلى مبالغ نقدية لم يعد مطروحاً أساساً، ولا توجد إمكانية لتنفيذه".
وبدلاً من ذلك، يرى أن الحل الجذري يكمن في "إعادة هيكلة شاملة لنظام شراء القمح، ووضع رؤية اقتصادية واضحة للبلاد يكون الاعتماد على الزراعة ركيزة أساسية فيها".
ويحدد الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك بقوله: "الاعتماد على الزراعة يستلزم اتخاذ مجموعة من الإجراءات العاجلة، أبرزها: تخفيض أسعار المحروقات المقدمة للفلاحين، ومنحهم امتيازات خاصة، وتوفير القروض الميسرة. كل هذه العناصر غير متوفرة حالياً في سوريا، الأمر الذي انتهى به الحال إلى تحميل الفلاح أعباء الإنتاج كاملةً بمفرده".
ويضيف موضحاً الفرق بين الأمس واليوم: "لو كان المازوت والبذار مدعومين كما في السابق، لكان سعر 392 أو 400 دولار للطن مجزياً للفلاح. لكن الواقع اليوم يفرض على الفلاح دفع تكاليف جميع المدخلات بأسعار السوق العالمية، مما جعل الزراعة في سوريا نشاطاً غير مجدٍ للمزارعين في ظل غياب الدعم".
ويختم عرابي تحذيره بالقول إن الاستمرار في شراء القمح بالسعر الحالي (بين 392 و400 دولار) "سيؤدي حتماً إلى كارثة غذائية وأخرى مالية، بل وقد تتفاقم الأوضاع لتشهد مشاكل أكبر من ذلك بكثير".
يُعدّ القمح في سوريا أكثر من مجرد محصول زراعي؛ فهو شريان الحياة الاستراتيجي وعمود الأمن الغذائي الذي لطالما حمل البلاد لقب "سلة الخبز الإقليمية".
فقبل أن تعصف سنوات الحرب بالاقتصاد الوطني، كانت الحقول السورية تشهد مواسم وفيرة تجاوزت فيها الإنتاجية كل التوقعات، بمتوسط سنوي بلغ أربعة ملايين طن، وذروة تاريخية عام 2006 وصلت إلى 4.9 ملايين طن.
كانت تلك الوفرة ثمرة رعاية لمساحات شاسعة امتدت على نحو 1.6 مليون هكتار، توزعت بين أراضٍ مروية تضمن الاستقرار وأخرى بعلية تعتمد على رحمات السماء.
وفي ظل هذه المعادلة الناجحة سابقاً، تبنت الدولة سياسة الشراء الشامل، حيث كانت تستلم حوالي 2.5 مليون طن سنوياً؛ تكفي لسد الاحتياجات المحلية وبناء مخزون استراتيجي ضخم يغطي عامين كاملين، بينما يتجه الفائض – والبالغ نحو 1.5 مليون طن – لتصديره إلى دول الجوار مثل مصر والأردن واليمن.
المصدر:
يورو نيوز