في تقديره "قمة مع تشي: غلبة التحوط الإستراتيجي في الحسابات الصينية"، المنشور في مركز الجزيرة للدراسات، يحاول الحواس تقية قراءة ما وراء اللقاء بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، ونظيره الصيني، تشي جين بينغ، في ذروة الحرب على إيران.
غير أن الدراسة لا تتعامل مع القمة باعتبارها مجرد حدث دبلوماسي، بل باعتبارها لحظة اختبار لتوازنات دولية أكبر: كيف تنظر الصين إلى الحرب؟ وهل تريد بالفعل مساعدة الولايات المتحدة على الخروج من أزمتها مع إيران، أم أنها ترى في استنزاف واشنطن فرصة استراتيجية يصعب التفريط بها؟
ينطلق الباحث من فكرة أساسية مفادها أن الموقف الصيني لم يُبنَ على رد فعل مؤقت تجاه الحرب، بل على حسابات طويلة المدى تتعلق بموقع الصين في النظام الدولي، وبالصراع المستقبلي مع الولايات المتحدة، وبأمن الطاقة، وبملف تايوان تحديدًا. ولهذا فإن بكين، كما يرى، لا تدخل المفاوضات بعقلية "حل الأزمة"، بل بعقلية إدارة التوازنات بما يحقق مصالحها الأبعد.
ترى الدراسة أن المشكلة الحقيقية التي يحملها ترمب إلى القمة ليست كيفية هزيمة إيران، بل كيفية الخروج من المأزق الذي أوقعته فيه الحرب. فواشنطن، بحسب التقدير، لم تعد قادرة على الجمع بين هدفين متناقضين: إعادة فتح مضيق هرمز، والإبقاء على العقوبات أداة ضغط قصوى لفرض تنازلات في الملف النووي.
فإيران، كما يشرح الباحث، لا تريد العودة إلى الوضع السابق للحرب، بل تريد تحويل الأزمة إلى نقطة تفاوض جديدة تُنتج مكاسب أكبر: رفع العقوبات، إنهاء الحرب، الاعتراف بدورها في إدارة الملاحة في المضيق، وتأجيل الملف النووي إلى مرحلة لاحقة.
وهنا يظهر حجم المأزق الأمريكي. فترمب يريد إنقاذ الأسواق وأسعار الطاقة وتهدئة الداخل الأمريكي، لكنه لا يريد أن يبدو وكأنه قدّم تنازلًا سياسيًا لإيران، خصوصًا في ظل ضغط الجمهوريين واللوبي الإسرائيلي. ولذلك يبحث عن صيغة تسمح بفتح المضيق من دون الظهور بمظهر المتراجع.
توضح الدراسة أن الولايات المتحدة لا تتجه إلى الصين من باب المجاملة الدبلوماسية، بل لأنها تدرك أن بكين تمتلك ما لا تمتلكه واشنطن: قنوات ثقة مع طهران. فالصين ليست فقط أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، بل شريك سياسي واقتصادي حيوي لطهران، وقد وقفت إلى جانبها خلال الحرب داخل مجلس الأمن وخارجه.
لكن السؤال الذي يطرحه الحواس تقية ليس: هل تستطيع الصين التأثير على إيران؟ بل: ما المقابل الذي يمكن أن يجعل بكين تستعمل هذا النفوذ لمصلحة واشنطن؟
هنا تنقسم التقديرات، كما تعرضها الدراسة. فهناك من يرى أن الصين قد تساوم على إيران مقابل مكاسب في تايوان والتجارة والتكنولوجيا. وهناك من يعتقد أن بكين تفضّل بقاء الولايات المتحدة غارقة في الشرق الأوسط حتى تضعف قدرتها على تطويق الصين في شرق آسيا. أما الاحتمال الأرجح، بحسب الباحث، فهو أن تسلك الصين طريقًا ثالثًا: لا تنقذ واشنطن بالكامل، ولا تدفع نحو انفجار شامل، بل تستثمر الأزمة للحصول على مكاسب استراتيجية طويلة المدى.
من أكثر الأفكار أهمية في الدراسة أن الصين لا تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد شريان للطاقة، بل ورقة جيوسياسية كبرى. فالصراع، من وجهة نظر بكين، لا يتعلق فقط بتدفق النفط اليوم، بل بمن يملك القدرة مستقبلًا على التحكم بأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ولهذا استخدمت الصين حق النقض داخل مجلس الأمن ضد مشروع قرار يفرض على إيران فتح المضيق من دون مقابل. فبكين، كما يفسر الباحث، لا تريد أن تخسر إيران ورقة الضغط الأهم لديها. بل ربما ترى أن امتلاك طهران القدرة على تعطيل الملاحة في هرمز يمكن أن يتحول مستقبلًا إلى أداة تخدم الصين نفسها إذا دخلت في مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة.
فواشنطن، في أي صدام مستقبلي حول تايوان، قد تحاول الضغط على حلفائها الخليجيين لوقف إمدادات الطاقة عن الصين. وهنا تصبح السيطرة الإيرانية على هرمز – أو حتى القدرة على تهديده – عنصرًا بالغ الأهمية في الحسابات الصينية.
تتبع الدراسة سلسلة المواقف الصينية خلال الحرب لتؤكد أن بكين أقرب إلى الانحياز للموقف الإيراني منها إلى الحياد التقليدي. فقد رفضت العقوبات الأمريكية الأحادية، وأكدت شرعية البرنامج النووي الإيراني السلمي، ووصفت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية بأنها غير قانونية، كما تمسكت بالوساطة الباكستانية ورفضت إعطاء واشنطن احتكار إدارة الأزمة.
لكن هذا الانحياز، كما يشير الباحث، لا يعني أن الصين تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. فهي تدير الأزمة بمنطق "التحوط الإستراتيجي"، أي تعظيم المكاسب وتقليل المخاطر في الوقت نفسه. ولذلك تبدو حريصة على عدم الظهور كطرف يقود المعسكر الإيراني بالكامل، مع أنها عمليًا تدعم معظم شروطه الجوهرية.
أحد المحاور الأكثر حساسية في الدراسة هو مسألة الثقة. فإيران، كما يعرض الباحث، لم تعد ترى في الاتفاقات الأمريكية ضمانة حقيقية بعد انسحاب ترمب سابقًا من الاتفاق النووي، ثم استهدافها عسكريًا خلال مراحل التفاوض.
ولهذا فإن طهران، بحسب الدراسة، لا تبحث فقط عن تفاهمات مكتوبة، بل عن أوراق قوة تمنع واشنطن من التراجع مستقبلًا. وهنا تكتسب السيطرة على مضيق هرمز أهميتها القصوى، لأنها تصبح "ضمانة ردع" ضد أي انسحاب أميركي جديد من الاتفاقات.
ومن هنا تفهم الدراسة سبب تمسك إيران بربط فتح المضيق بإنهاء الحرب ورفع العقوبات، لا باعتباره مطلبًا تفاوضيًا عابرًا، بل محاولة لبناء معادلة ردع جديدة.
يرى الحواس تقية أن الصين قد تقبل لعب دور الشاهد أو الوسيط، لكنها تتحفظ على دور "الضامن" لأي اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران. فأن تكون ضامنًا يعني أن تتحمل مسؤولية انهيار الاتفاق إذا عادت الحرب لاحقًا، وهو احتمال لا تستبعده بكين في ظل شخصية ترمب وطريقة إدارته للملفات الدولية.
فالصين تدرك أن ترمب قد يسعى الآن إلى اتفاق مرحلي يفتح المضيق ويخفض أسعار الطاقة ويحسن وضعه الداخلي، ثم يتراجع لاحقًا عن التزاماته عندما تتراجع الضغوط السياسية عليه. وإذا كانت بكين ضامنًا للاتفاق، فإنها ستجد نفسها أمام خيارين كلاهما سيئ: إما مواجهة الولايات المتحدة، أو خسارة مصداقيتها الدولية.
ولهذا تميل الصين، كما تشرح الدراسة، إلى تسويات مرحلية ومتدرجة، تقوم على تبادل خطوات صغيرة بدل اتفاق شامل ونهائي يصعب الحفاظ عليه.
في النهاية، يختصر الباحث جوهر السياسة الصينية تجاه الحرب على إيران في فكرة "التحوط الإستراتيجي". فالصين لا تعتمد على النيات الحسنة أو التعهدات الأمريكية، بل على بناء موازين قوة تحمي مصالحها إذا انهارت التفاهمات.
ولهذا فإن بكين، في العمق، لا ترى مصلحتها في خروج الولايات المتحدة سريعًا من الشرق الأوسط، بل في بقائها مستنزفة ومشغولة بعيدًا عن آسيا. لكن هذا الاستنزاف يجب أن يبقى مضبوطًا، لأن الصين لا تريد أيضًا انهيارًا شاملًا يهدد الطاقة والتجارة العالمية.
ومن هنا تبدو الحرب على إيران، في الحسابات الصينية، أكثر من أزمة إقليمية؛ إنها جزء من معركة كبرى حول من يملك مفاتيح النظام الدولي القادم: الولايات المتحدة التي تريد الاحتفاظ بهيمنتها، أم الصين التي تحاول إعادة توزيع القوة العالمية بهدوء وصبر طويل.
الدراسة كاملة
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6530
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة