في 26 أبريل الماضي، قُتل جندي إسرائيلي وأصيب ستة آخرون في هجوم بطائرة مسيرة في بلدة الطيبة على حدود لبنان الجنوبية. أحدث السلاح المستخدم في الهجوم، الذي شنه مقاتلو “حزب الله” صدمة في صفوف القوات الإسرائيلية. فقد كانت طائرة مسيرة موجهة بالألياف البصرية، من النوع المستخدم الآن على نطاق واسع في ساحة المعركة في أوكرانيا. وقد دفع هذا الهجوم القوات الإسرائيلية إلى الإسراع في إيجاد دفاع ملائم، يصدّ خطر هذه المسيرات.
تبين أن “حزب الله” لم يكن بحاجة إلى ابتكار استثنائي للحصول على هذه الطائرات، إذ يمكن شراؤها بأقل من خمسمئة دولار من موقع “علي إكسبريس (AliExpress).
تعمل هذه الطائرات الموجهة بالسلك بطريقة تختلف جوهريا عن النسخ التقليدية التي تعتمد على موجات الراديو أو الأقمار الصناعية، فهي مرتبطة بجهاز التحكم عبر سلك رفيع جداً من الألياف البصرية، ملفوف على بكرة مثبتة على جسم الطائرة وينفلت تدريجيا أثناء الطيران.
توفر هذه التقنية حصانة ضد التشويش، حيث تُنقل الأوامر وصور الفيديو عبر سلك مادي وليس عبر الهواء، ما يمنع أنظمة التشويش والكشف الإسرائيلية من تتبع وإسقاط هذه الطائرات. وهناك ميزة أخرى لهذه الطائرات وهي قدرتها على التحليق في تضاريس وعرة وخلف عوائق جغرافية قد تحجب الإشارات اللاسلكية، بينما توفر الألياف البصرية صوراً عالية الدقة للمشغل.
يمكن أن تصل بكرة الألياف البصرية وحدها إلى مدى يصل إلى خمسين كيلومترا. ووفقاً لتقديرات وسائل الإعلام الإسرائيلية، يستخدم “حزب الله” في الغالب مديات تتراوح بين عشرة وعشرين كيلومترا. وعلى موقع “علي إكسبريس” ومواقع أخرى، يبلغ سعر بكرة هذه الألياف بطول عشرة كيلومترات حوالي 168 دولارا. ويبدو أن حزب الله تمكن من إدخال مئات من هذه الطائرات والبكرات عبر قنوات التهريب في مرفأ بيروت ومرافئ ونقاط جمركية أخرى في لبنان. ومن المرجح أيضاً أن العديد من هذه الطائرات، أو حتى بكرات الألياف البصرية المنفردة، دخلت بشكل قانوني عبر الجمارك اللبنانية في السنوات الماضية بسبب عدم وجود استخدام عسكري شائع لهذا النوع من الأجهزة.
وقال مصدر مطلع على آليات عمل الجمارك اللبنانية لـ”الحرة” إن هذه الطائرات والبكرات كان من الممكن أن تدخل في حاويات شحن مخصصة للألعاب، أو الأدوات الكهربائية، أو حتى معدات الاتصالات والإنترنت. ولا يملك موظفو الجمارك دراية باستخدامات هذا النوع من البكرات، كما لا توجد تعاميم محددة تمنع دخولها، مما يتيح استيرادها بشكل منفصل عن الطائرات نفسها، علما أن الجيش اللبناني يفرض شروطا وتراخيص لاستيراد الطائرات المسيرة للاستخدام غير المدني إلى لبنان.
وغالباً ما ينشأ ارتباك بشأن هذه الأنواع من السلع “مزدوجة الاستخدام” (Dual-use) – أي تلك التي لها تطبيقات مدنية وعسكرية في آن واحد. ففي الماضي، أدى دخول أطنان من نترات الأمونيوم المخصصة للاستخدام الزراعي وتخزينها في مرفأ بيروت إلى الانفجار الهائل في 4 أغسطس 2020. وذكرت تقارير آنذاك أن “حزب الله” والنظام السوري بقيادة بشار الأسد كانوا يستخدمون كميات من النترات في البراميل المتفجرة المستخدمة لقصف الشعب السوري. وتعتبر قضية المواد مزدوجة الاستخدام حساسة بشكل خاص، بالنظر إلى أن هذه الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف البصرية يمكن استخدامها أيضاً في عمليات اغتيال داخلية، ما يجعلها تحدياً للأمن الداخلي.
في ديسمبر من العام الماضي، ضبطت السلطات اللبنانية في مرفأ طرابلس أربع طائرات مسيرة قادمة من الصين تحت غطاء شركة وهمية. سلطت هذه الطائرات، القادرة على حمل 14 كيلوغراما من المتفجرات، الضوء على السهولة التي تدخل بها التكنولوجيا “مزدوجة الاستخدام” إلى البلاد. ودققت “الحرة” في بيانات الجمارك اللبنانية، ليتبين وجود قفزة مشبوهة في واردات الألياف البصرية، التي ارتفعت من 83 ألف طن في عام 2023 إلى 146 ألف طن في عام 2024، في وقت كانت البلاد في خضم حرب مدمّرة. وبما أن بكرة الـ 10 كيلومترات المخصصة للطائرة المسيرة تزن كيلوغرامين فقط، فإن هذه الزيادة الكبيرة خلال وقت الحرب تشير إلى جهد منسق من قبل “حزب الله” لاستيراد هذا النوع من الطائرات وإدخالها إلى لبنان.
وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي، قد كشفت قبل أيام عن “وثيقة لشعبة العمليات التابعة للجيش الإسرائيلي تم توزيعها قبل عام، في مايو 2025، حذّرت آنذاك من خطر الطائرات المسيّرة الانتحارية المعتمدة على الألياف البصرية، وفصّلت نقاط الضعف القائمة والحاجة إلى تطوير وسائل دفاعية وهجومية مضادة”. وهي الفترة ذاتها التي كان فيها “حزب الله”، بحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي، يتجهز لمعاودة القتال ضد إسرائيل، بعد أن تعرض الحزب لضربات قاسية قضت على قياداته الأمنية، وجزء كبير من بنيته العسكرية. لكن تبين في الشهرين الماضيين، بعد معاودة القتال بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، أن الحزب اللبناني كان يتجهز لحرب استنزاف مع الجيش الإسرائيلي باستخدام هذه الطائرات الموجهة بأسلاك من الألياف الضوئية.
المصدر:
الحرة