آخر الأخبار

هرمز يختبر ترمب.. هل تتجدد حرب إيران من بوابة المضيق؟

شارك

منذ اللحظات الأولى للحرب الأمريكية على إيران، أصبح مضيق هرمز أكثر من ممر للطاقة، وصار ورقة طهران الأثمن في مواجهة الضغط العسكري والاقتصادي الأمريكي، واليوم، كما ترصد صحف ومواقع أمريكية، ينتقل المضيق من مساحة مساومة إلى اختبار مباشر لإرادة الرئيس دونالد ترمب، فهل يستطيع فتحه بالقوة من دون أن يعيد الحرب إلى بدايتها؟

ومع إطلاق واشنطن عملية "مشروع الحرية" لفتح هذا الشريان البحري، وردّ طهران بالصواريخ والمسيّرات والزوارق السريعة في وجه سفن أمريكية وتجارية، صار الخلاف حول الملاحة امتدادا مباشرا لجوهر الحرب نفسها، فهرمز الذي استخدمته إيران لرفع كلفة الضغط عليها، أصبح الآن المكان الذي تختبر فيه واشنطن حدود القوة وحدود التفاوض في آن واحد.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 هرمز على حافة الهاوية.. ما الذي يتغير في الحرب على إيران؟
* list 2 of 3 قتلى بغارات روسية على أوكرانيا تزامنا مع إعلان هدنتين منفصلتين
* list 3 of 3 روسيا بين حرب الخارج وغليان الداخل.. هل تدفع النخب البلاد نحو الانفجار؟ end of list

وتلتقي تغطيات أمريكية عدة عند نقطة مفادها أن ما جرى في المضيق لا يشبه حادثا عابرا في بحر مضطرب، بل تصعيدا يهدد هدنة لم تترسخ أصلا، إذ أطلقت إيران صواريخ كروز ومسيّرات باتجاه مدمرتين أمريكيتين وسفن تجارية كانت تعبر المضيق، في حين ردت القوات الأمريكية بتدمير زوارق إيرانية صغيرة، قالت إنها كانت تلاحق السفن التجارية.

في الواقع لم تعلن واشنطن وفاة الهدنة، غير أن هذا الامتناع عن الإعلان لا يبدد القلق، إذ يرفض قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر الجزم بأن الاشتباكات تعني نهاية وقف إطلاق النار، مما يشير إلى أن الغموض نفسه يصبح جزءا من الأزمة.

مشروع الحرية

بدأ التصعيد الأخير –حسب صحيفة ذا هيل الأمريكية- بعدما أعلن ترمب ما سماه "مشروع الحرية", وهي عملية أمريكية لمساعدة السفن التجارية على عبور مضيق هرمز، بعد أن أدى الإغلاق الإيراني العملي للممر إلى خنق حركة الشحن ورفع أسعار الطاقة عالميا.

وتقول الصحف إن الخطة في صيغتها المعلنة، لا تقوم على مرافقة عسكرية كاملة لكل سفينة، بل على تزويد السفن التجارية بمعلومات ومسارات آمنة، مع حضور بحري وجوي أمريكي كثيف في المنطقة.

إعلان

لكن حجم القوة المخصصة للعملية، كما نقلت ذا هيل عن القيادة المركزية، يجعلها أكبر من إرشاد ملاحي محدود، إذ تشارك فيها مدمرات صاروخية، وأكثر من 100 طائرة، ومنصات مسيّرة متعددة المجالات، ونحو 15 ألف عسكري.

وهنا تكمن معضلة واشنطن، فهي تريد فتح المضيق من دون إعلان حرب جديدة، لكنها تفعل ذلك بأدوات عسكرية تجعل الاحتكاك شبه محتوم، وقد لخص أدميرال البحرية المتقاعد جيمس ستافريديس هذا القلق في حديثه لذا هيل، حين قال إن فتح المضيق والحفاظ عليه مفتوحا يتطلب جهدا بالغ الضخامة، من حاملات ومدمرات وفرقاطات وطائرات وعمليات كنس ألغام وقوافل منظمة.

مصدر الصورة تحول مضيق هرمز إلى ساحة اختبار للهدنة الهشة بين الولايات المتحدة وإيران (الأوروبية)

ترمب بين الحرب والصفقة

وتضع صحيفة وول ستريت جورنال الأزمة في إطار أوسع من تردد ترمب بين نزعتين متعارضتين؛ إنزال عقاب شديد بإيران لأنها لم تتراجع عن برنامجها النووي كما أراد، وتفادي تصعيد كبير يعيد الولايات المتحدة إلى قلب حرب جديدة في الشرق الأوسط.

وتقول الصحيفة -نقلا عن مسؤولين- إن الرئيس الأمريكي لا يرغب في العودة إلى حملة قصف واسعة، ويفضل إنهاء الحرب والتقدم النووي الإيراني عبر مسار تفاوضي.

لكن هرمز يضيق مساحة المناورة، إذ بات ترمب، بعد الهجمات على السفن الأمريكية والتجارية، أمام خيارين كلاهما مكلف كما ترسم الصحيفة، إما أن يرد عسكريا فيخاطر بإشعال الحرب من جديد، أو أن يتجاوز الاستفزاز الإيراني ويمضي في الدبلوماسية، بما قد يقدمه في صورة المتردد أمام طهران.

وقد حاول الرئيس -حسب وول ستريت جورنال- أن يصور التصعيد بوصفه محدودا، واصفا ما يجري بأنه "حرب صغيرة" أو "منعطف صغير"، مع تأكيده أنه في موقع قوة، وبالتالي سوف يحصل، إما على اتفاق جيد، وإما على تفوق عسكري أمريكي.

غير أن هذه اللغة لا تخفي ضغطا متزايدا من بعض حلفائه الجمهوريين، وفي مقدمتهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي اعتبر أن إيران انتهكت الهدنة، ودعا إلى ضربة "كبيرة وقوية ومؤلمة وقصيرة"، وفقا لما أوردته الصحيفة.

مصدر الصورة ترمب يتردد بين الرد على الهجمات الإيرانية في هرمز أو الحفاظ على مسار التفاوض مع طهران (الفرنسية)

إيران وسلاح المضيق

في المقابل، تقرأ صحيفة واشنطن بوست السلوك الإيراني في هرمز بوصفه نقلا للمفاوضات إلى البحر، قائلة إن المضيق -الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم وغازه- لم يعد في حسابات طهران مجرد ممر ملاحي، بل صار أداة مساومة متعددة الأوجه، تمارس من خلاله تضييقا على حركة السفن، واشتراطا للتنسيق لعبور بعضها، وفرض رسوم مرور، وزرع ألغام في أجزاء من الممر، فضلا عن التلويح باعتبار أي وجود عسكري أمريكي غير مشروع.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين إيرانيين اتهامهم واشنطن بانتهاك الهدنة، وتحذيرهم من أن الولايات المتحدة قد تُجر إلى "مستنقع" جديد، أما وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، فاعتبر أن أحداث المضيق تثبت أنه لا حل عسكريا لأزمة سياسية، في حين وصف العملية الأمريكية بأنها ليست "مشروع حرية" بل "مشروع الطريق المسدود".

وتبدو الرسالة الإيرانية -كما تعرضها الصحافة الأمريكية- واضحة، إذا أرادت واشنطن اقتصادا عالميا مستقرا ومضيقا مفتوحا، فعليها أن تتعامل مع شروط طهران في الملفات الأوسع، من العقوبات والأصول المجمدة إلى تعويضات الحرب والبرنامج النووي.

الخليج في دائرة النار

ولم يبق التصعيد محصورا بين السفن الأمريكية والإيرانية، إذ أعلنت الإمارات -حسب وكالة بلومبيرغ الأمريكية- تعرضها لهجمات إيرانية وصلت أجواءها ومنشآت مرتبطة بالطاقة، بينها حريق في موقع صناعي نفطي في الفجيرة، فضلا عن استهداف ناقلة تابعة لشركة "أدنوك" بطائرات مسيّرة.

إعلان

كما نقلت واشنطن بوست عن وسائل إعلام عُمانية رسمية حديثها عن هجوم أصاب مبنى سكنيا في ولاية بخا بمحافظة مسندم، وأدى إلى إصابة شخصين، من دون تحديد الجهة المسؤولة.

هذا الاتساع الجغرافي للتصعيد يزيد حسابات واشنطن تعقيدا، فالأمر لم يعد يقتصر على حماية سفن تعبر هرمز، بل بات يتعلق بمنع انتقال الحرب إلى ساحات خليجية أكثر حساسية، حيث الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية والممرات البحرية، وكلما اتسعت رقعة الهجمات، تقلصت القدرة على إقناع الحلفاء والأسواق بأن الهدنة لا تزال قائمة.

في هذا السياق، تشير بلومبيرغ إلى أن الأسواق التقطت الرسالة سريعا، إذ قفزت أسعار النفط مع تجدد الهجمات في الخليج، وارتفعت عقود برنت إلى ما فوق 114 دولارا للبرميل.

أما ذا هيل فربطت الأزمة مباشرة بالمستهلك الأمريكي، مشيرة إلى ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، وسط تحذيرات ديمقراطية من أن أي مرافقة عسكرية فعلية للناقلات ستضع السفن والجنود الأمريكيين في مرمى النار.

مصدر الصورة عراقجي حذر واشنطن من الانجرار إلى مستنقع جديد، معتبرا أن أزمة هرمز لا حل لها عسكريا (أسوشيتد برس)

الهدنة التي لم تكتمل

تظهر الأزمة -كما ترسمها هذه التغطيات- أن الهدنة الأمريكية الإيرانية لم تكن سلاما مؤجلا بقدر ما كانت توقفا ناقصا عن إطلاق النار، علما أن المفاوضات مستمرة، لكنها لم تحسم القضايا الكبرى كالبرنامج النووي والعقوبات والأصول المجمدة والتعويضات وحرية الملاحة في هرمز.

وفي هذا الفراغ، صار المضيق ساحة الضغط البديلة، حيث تفرض الولايات المتحدة -وفق ما تنقله ذا هيل- حصارا بحريا على موانئ إيرانية، وتمنع أو تعيد عشرات السفن المرتبطة بالنفط أو الموانئ الإيرانية.

أما إيران -حسب واشنطن بوست- فضيقت حركة السفن في المضيق، واعتبرت أي محاولة أمريكية لفرض المرور من دون إذنها تعد انتهاكا للهدنة، وبالتالي تحرك الوقائع في اتجاه قد يلتهم وقف إطلاق النار تدريجيا، بين رواية أمريكية تقول إنها ترد على تعطيل الملاحة، ورواية إيرانية تتحدث عن انتهاك للهدنة.

وتزيد الأزمة تعقيدا بسبب العامل الصيني إذ يخشى ترمب -حسب وول ستريت جورنال- أن تطغى أزمة هرمز على قمته المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في حين تحث واشنطن بكين على الضغط على طهران لإرخاء قبضتها على المضيق.

غير أن الصين، وهي المستفيدة من علاقاتها الاقتصادية مع إيران، لا تبدو مستعدة بالضرورة للانخراط في المسار الأمريكي.

مصدر الصورة أسعار الوقود ارتفعت مع تصاعد الهجمات قرب مضيق هرمز، في مؤشر على حساسية الأسواق (الفرنسية)

حرب من بوابة البحر؟

في المحصلة، لا تكشف الأزمة عن صدام بحري أو "حرب صغيرة" فحسب، بل عن مأزق أوسع في إستراتيجية ترمب تجاه إيران، فهو يريد اتفاقا ينهي الحرب ويقيد البرنامج النووي الإيراني، لكنه يستخدم حصارا وضغطا عسكريا يدفعان طهران إلى الرد في المكان الأكثر حساسية للاقتصاد العالمي، ويريد فتح هرمز من دون حرب، لكن فتح الممر بالقوة قد يكون هو الطريق الأقصر إلى تجددها.

لذلك، قد لا تعود الحرب الأمريكية الإيرانية من بوابة منشأة نووية أو ضربة جوية كبيرة، بل من حادث في المضيق، مثل صاروخ يخطئ أو يصيب، أو زورق سريع يغرق، أو ناقلة تشتعل، أو مدمرة أمريكية تجد نفسها مضطرة إلى رد أوسع.

وفي ظل هذه التوترات المستمرة في المنطقة، قد يكفي اشتباك محدود كي يتحول "مشروع الحرية" إلى مشروع حرب جديدة رغما عن رغبات ترمب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا