لم تعد المواجهات العسكرية الحديثة تُحسم فقط بالصواريخ والطائرات، بل باتت تُدار أيضا عبر سيل البيانات من الفضاء، وخطوط إمداد صناعية معقّدة تمتد عبر القارات.
وفي قلب هذا التحول، يبرز الدور الصيني بوصفه عاملا حاسما -وإن كان غير مباشر- في موازين الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وفقا لمحللين.
وتكشف تقارير حديثة وتحليلات نشرتها صحف أمريكية عن قلق واشنطن المتزايد من تمدد الدور الصيني في الصراع المحتدم في الشرق الأوسط، سواء عبر توفير بيانات استخباراتية حساسة من الأقمار الصناعية، أو من خلال تغذية سلاسل الإمداد الإيرانية بمواد ومكوّنات مزدوجة الاستخدام، مما يعزز قدرات طهران العسكرية بصورة غير مباشرة.
ففي تقرير لمراسلها للشؤون الصينية تشون هان وونغ، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن صور الأقمار الصناعية الصينية لمنطقة النزاع في الشرق الأوسط تدفقت بكثافة منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، وهو ما قد يمنح طهران ميزة ميدانية.
هذا القلق الأمريكي لم يأتِ من فراغ؛ فقد كشفت شركة الذكاء الاصطناعي الصينية "ميزر فيجن" عبر منصات التواصل الاجتماعي عن قدرتها على تتبع تحركات حاملات الطائرات الأمريكية، ومقاتلات "إف-22" الشبحية، وقاذفات القنابل " بي-52" الإستراتيجية، وذلك باستخدام خوارزميات متطورة لتحليل البيانات الفضائية.
الولايات المتحدة فرضت حظرا غير محدد المدة على تداول الصور التجارية فوق إيران، لكن الشركات الصينية لا تخضع لهذه القيود مما يعني أن الإيرانيين لا يزالون يحصلون على البيانات التي يحتاجونها، بينما يُمنع ذلك على عامة الناس
بواسطة بيل غرير
ووفقا للتقرير، تؤكد تقييمات وزارة الحرب الأمريكية ( البنتاغون) المنشورة في ديسمبر/كانون الأول الماضي وجود "تبادلات تجارية" بين شركات أقمار صناعية تتخذ من الصين مقرا لها والحرس الثوري الإيراني.
ورغم عدم وضوح طبيعة هذه العلاقات أو مدى تأثيرها المباشر على العمليات العسكرية، فإن العضو الجمهوري جون مولينار -رئيس اللجنة المعنية بالصين في مجلس النواب الأمريكي- حذّر من احتمال أن تُستغَل بيانات الأقمار الصناعية التجارية تلك في استهداف القوات الأمريكية وخسارة الأرواح، مما يُعتبر تهديدا عاجلا.
ويبرز في هذا الصدد عامل إضافي يزيد المشهد تعقيدا، وهو أن القيود الأمريكية لا تنطبق على الشركات الصينية. ففي حين أوقفت شركة أمريكية تزويد صور الأقمار الصناعية لمنطقة النزاع بناء على طلب حكومي، تواصل الشركات الصينية تقديم هذه الخدمات دون قيود مماثلة، طبقا للصحيفة.
ونقل التقرير عن بيل غرير، المؤسس المشارك لمنظمة (كومون سبيس) غير الربحية لخدمات الأقمار الاصطناعية، القول إن "الولايات المتحدة فرضت حظرا غير محدد المدة على تداول الصور التجارية فوق إيران، لكن الشركات الصينية لا تخضع لهذه القيود، مما يعني أن الإيرانيين لا يزالون يحصلون على البيانات التي يحتاجونها، بينما يُمنع ذلك على عامة الناس".
ويحذر غرير أيضا من خطر "النشر الانتقائي" لهذه الصور، قائلا إن هذه الممارسة قد "تقدم روايات غير دقيقة أو جزئية، رغم أن صور الأقمار الصناعية تُعد عادة مصدرا موثوقا للغاية".
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه قطاع الاستشعار عن بعد في الصين نموا سريعا، إذ تفيد صحيفة وول ستريت جورنال بأن بكين تمتلك أكثر من 640 قمرا صناعيا تجاريا، أطلقت منها 120 وحدة في العام الماضي وحده، مع خطط لتوسيع هذه الشبكة بشكل يسمح بتصوير أي موقع في العالم خلال دقائق.
وكانت الولايات المتحدة قد اتهمت في الماضي شركة (تشانغ غوانغ) لتكنولوجيا الأقمار الصناعية الصينية بمساعدة الأطراف المعادية لها -مثل الحوثيين في اليمن والمقاتلين الروس في أوكرانيا- وهي ادعاءات نفتها الشركة.
وتدير شركة (تشانغ غوانغ) أكبر كوكبة أقمار اصطناعية للاستشعار عن بُعد في الصين، والمعروفة باسم "جيلين-1″، وتضم أكثر من 150 قمرا صناعيا.
وتقول الشركة إنها تخطط لتوسيع شبكتها لتشمل 300 قمر اصطناعي، وتطوير القدرة على إنتاج صور لأي موقع حول العالم خلال 10 دقائق فقط.
ووفق تقرير صدر عام 2024 لشركة (أو تي إتش إنتليجنس) الاستشارية الأمريكية، فإن هذه الإمكانات المتنامية تعني أن الجيش الصيني "أصبح أكثر قدرة الآن على تحديد مواقع الأصول الأمريكية وتعقبها واستهدافها" -بما في ذلك المنصات المتحركة، مثل السفن البحرية- مما يجعل إخفاء التحركات العسكرية أكثر صعوبة.
بكين تتبع استراتيجية "الإنكار القاطع"؛ فهي لا تشحن منصات قتالية جاهزة، بل تُمرر المكونات الحيوية تحت رموز جمركية مدنية
بالتوازي مع هذا البعد الفضائي، يسلّط مقال نشره موقع ناشونال إنترست الضوء على جانب مختلف لكنه مكمل لتقرير وول ستريت جورنال ، وهو سلاسل الإمداد التي تربط الصين بالقدرات العسكرية الإيرانية.
فقد كشف الكاتب كريستوفر ناي في مقاله عن الثغرات التي تستغلها الصين لدعم الصناعات العسكرية الإيرانية عبر مواد "مزدوجة الاستخدام"، مما يجعل الالتزامات الدبلوماسية الصينية بوقف تصدير الأسلحة لطهران عديمة القيمة حرفيا.
وأوضح المقال أن بكين تتبع استراتيجية "الإنكار القاطع"؛ فهي لا تشحن منصات قتالية جاهزة، بل تُمرر المكونات الحيوية تحت رموز جمركية مدنية.
ووفقا للصحيفة، تعد مادة بيركلورات الصوديوم التي ضُبطت مؤخرا على سفينة الحاويات الإيرانية "توسكا" بعد مغادرتها ميناء غاولان الصيني، المثال الأبرز؛ إذ تُصنف رسميا كسلع مدنية للألعاب النارية، بينما تُعد -في الحقيقة- المكون الأساسي لوقود الصواريخ الباليستية الصلب.
ووفق تقديرات استخباراتية أوروبية، فإن شحنة واحدة من هذه المادة يمكن أن تكفي لإنتاج مئات الصواريخ الباليستية، ما يعكس حجم التأثير غير المباشر للصادرات الصينية على القدرات العسكرية الإيرانية.
وأشار ناي -وهو باحث غير مقيم في مؤسسة جيمس تاون المتخصصة في السياسات الدفاعية، ومقرها العاصمة الأمريكية واشنطن- إلى أن سلسلة توريد المسيّرات، مثل شاهد 136، تعتمد كليا على مجمعات صناعية صينية توفر المحركات المكبسية، وأجهزة قياس الارتفاع الرادارية، ورقائق إلكترونية قابلة للبرمجة.
هذه المكونات لا تخرج من مصانع حكومية كبرى، بل من مؤسسات صغرى في مناطق مثل "شينجين" و"فوجيان"، تمتلك قدرة فائقة على المناورة مستفيدة من بطء الإجراءات البيروقراطية في واشنطن، إذ تحل نفسها وتعيد التأسيس بمسميات جديدة فور إدراجها في قوائم العقوبات الأمريكية، مما يجعل العقوبات الفردية غير فعالة.
ويعتقد ناي أن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأسبوع الماضي بفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على أي دولة تزود إيران بالأسلحة لن يُجدي نفعا، لأن المشكلة لا تكمن في شحنات الأسلحة التقليدية، بل في المواد الأولية التي تدخل في تصنيعها.
وحسب ناشونال إنترست ، فإن بكين تعتمد إستراتيجية دقيقة تقوم على تعريف ضيق لمفهوم الأسلحة، مما يسمح لها بنفي أي تورط مباشر، رغم استمرار تدفق المواد الحيوية.
ويرى ناي أن هذا النهج "ليس كذبا صريحا، بل حقيقة مصاغة بعناية، لكنها بلا قيمة عملية".
ويقترح نموذجا بديلا يعتمد على ربط الرسوم الجمركية والعقوبات الثانوية ليس بشحن الأسلحة، بل بمدى اتخاذ الصين إجراءات ضد الشركات المحددة التي تمارس هذه الأنشطة، على غرار ما حدث في ملف المواد الكيميائية المرتبطة بتصنيع مخدِّر الفنتانيل.
ترمب يذهب إلى بكين هذه المرة وهو "في موقف أضعف بكثير" مما كان عليه منذ لقائه بنظيره الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية قبل 6 أشهر
من جانبها، تناولت وكالة بلومبيرغ في تقرير لمراسلتها جيني مارش تداعيات الحرب في إيران على العلاقات الأمريكية الصينية، في وقت تستعد فيه بكين لاستقبال الرئيس دونالد ترمب في زيارة هي الأولى له منذ نحو عقد، وسط تحوّل ملحوظ في ميزان القوى الاقتصادية العالمية لصالح الصين.
وجاء في التقرير أن ترمب يذهب إلى بكين هذه المرة وهو "في موقف أضعف بكثير" مما كان عليه منذ لقائه بنظيره الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية قبل 6 أشهر.
وأرجعت بلومبيرغ هذا الضعف في موقف ترمب إلى إخفاقه في تقدير ردود خصومه، سواء عبر الحرب التجارية مع الصين أو التصعيد العسكري مع إيران.
بينما تواجه واشنطن ضغوطا استراتيجية، تبدو بكين المستفيد الأكبر من تحول العالم نحو الطاقة البديلة التي تهيمن عليها
وأشارت مارش في تقريرها التحليلي إلى أن الصراع ضد إيران تحوّل إلى "حرب اقتصادية عالمية" بعد إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى قفزة في أسعار الطاقة أجبرت واشنطن على تخفيف العقوبات عن روسيا وإيران لضمان تدفق الإمدادات النفطية.
وفي المقابل، تمكنت الصين -حسب الوكالة الأمريكية- من امتصاص الصدمة بفضل إستراتيجية "السيناريو الأسوأ" التي تبناها الرئيس شي جين بينغ منذ سنوات، محققا اكتفاء ذاتيا من الطاقة بنسبة 80% عبر الاستثمار الضخم في الفحم والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.
وهو الأمر الذي يعيد رسم توازن القوى العالمي لصالحها قبيل القمة المرتقبة بين ترمب وشي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة