كان القصف هو ما دفع السوري عماد عمر قاشيت إلى مغادرة منزله مرة أخرى. فقبل أربعة عشر عاماً، فرّ من سوريا إلى لبنان. ولكن هذه المرة، جاء الأمر معكوساً. "عندما دمرت الصواريخ الإسرائيلية منازل بأكملها في حيّي بمدينة صور جنوب لبنان، قررنا أن الوقت قد حان لإنقاذ حياتنا مرة أخرى"، هكذا قال الرجل البالغ من العمر 52 عاماً لـ DW.
في أوائل مارس/ آذار، انجّر لبنان إلى حرب الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً بعد أن أطلقت جماعة حزب الله، المدعومة من إيران ، صواريخ على إسرائيل، في رد ظاهري على اغتيال إسرائيل لزعيم إيران. الخميس الماضي، توسطت الولايات المتحدة في اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان، ولكن قبل ذلك، عبر أكثر من 227,549 شخصًا نقاط العبور الحدودية الرسمية الثلاث من لبنان إلى سوريا، وفق أحدث إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة. وقد كانت الغالبية العظمى منهم، بنسبة 95 في المائة، من السوريين، بينما شكل اللبنانيون 5 في المائة فقط.
عاد أكثر من 270 ألف سوري من لبنان منذ مارس/آذارصورة من: Izz Aldien Alqasem/Anadolu Agency/IMAGO
عندما عاد قاشيت وعائلته إلى مسقط رأسهم معرة النعمان بالقرب من حلب ، وجدوا منزلهم مدمراً بالكامل نتيجة للحرب الأهلية السورية، التي لم تنته إلا في ديسمبر/ كانون الأول 2024 بعد أن أطاح تحالف من جماعات المعارضة بالديكتاتور السوري بشار الأسد الذي حكم البلاد لفترة طويلة. وأوضح قاشيت لـ DW: "لا توجد منازل للإيجار لأن المدينة بأكملها مدمرة". ويقيم النازح السوري حالياً مع شقيقته. أمّا محمد جاسم البروك، فسوري فرّ هو الآخر من الغارات الإسرائيلية في لبنان قبل أسبوعين. وقال لـ DW: "كان المعبر الحدودي مزدحماً للغاية، واستغرق الأمر يوماً كاملاً لعبوره".
عند وصوله إلى منزل عائلته في مدينة القصير قرب حمص، لم يجد سوى بقايا المنزل. ولعدم وجود خيار آخر، قام بفك خيمته من مخيم اللاجئين في لبنان ، ونصبها، وهو يعيش فيها الآن. ورغم افتقاره للمأوى، فإنه لا ينوي العودة إلى لبنان.
يؤكد نانار هواش، خبير مجموعة الأزمات الدولية للشؤون السورية، أن "السوريين يعودون لأن لبنان أصبح غير صالح للعيش، وليس لأن سوريا مستعدة لاستقبالهم". ويتابع: "تستطيع الحكومة إدارة الحدود، لكنها لا تملك إجابة لما سيحدث بعد ذلك". ويرى أن عودة مئات الآلاف من اللاجئين لا ينبغي اعتبارها مؤشراً على تحسن الأوضاع داخل سوريا.
لا زالت سوريا تعاني من تركة أكثر من عقد من الصراع. ورغم رفع العقوبات وعودة سوريا إلى الساحة الدولية، فإن الصدامات الطائفية وعدم الاستقرار السياسي لا تزال تُفاقم مشاكل البلاد. تشير تقديرات البنك الدولي للأضرار إلى أن إجمالي تكاليف إعادة الإعمار يبلغ حوالي 216 مليار دولار (200 مليار يورو). ولا تزال الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية، محدودة، والوضع الإنساني لنحو 26 مليون شخص كارثي. وبحسب الأمم المتحدة ، يحتاج نحو 15.6 مليون سوري إلى مساعدات إنسانية، ويعاني 13.3 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي. ويشير تقرير تقييم الأمن الغذائي للأمم المتحدة لعام 2025 إلى أن جفافاً حاداً ضرب البلاد عام 2025، وأدى إلى تدمير 95 في المائة من المحاصيل البعلية، أي المحاصيل التي تعتمد كليا على مياه الأمطار والرطوبة المخزنة في التربة، مثل الحبوب والبقوليات وغيرها.
" سوريا كانت تعاني بالفعل من أزمة إنسانية ممتدة قبل هذه الموجة الجديدة من العائدين"، هذا ما قالته هبة زيادين، الباحثة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، لـ DW. "البنية التحتية ببساطة غير موجودة لاستيعاب أعداد كبيرة من الناس، الذين غادر الكثير منهم بلا شيء ويعودون إلى نفس الوضع".
ليست هذه هي المشاكل الوحيدة. فسوريا أيضاً من أكثر دول العالم تلوثاً بمخلفات المتفجرات . وأضافت زيادين: "لقد خلّفت سنوات من القصف الجوي والقتال البري واستخدام الذخائر العنقودية في محافظات عديدة مساحات شاسعة مليئة بالذخائر غير المنفجرة والألغام الأرضية والعبوات الناسفة المرتجَلة".
"الخطر حقيقي للغاية"، يؤكد إيان أوفرتون، المدير التنفيذي لمنظمة "العمل ضد العنف المسلح" (AOAV) التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها، والتي توثق أدلة على العنف المسلح ضد المدنيين في جميع أنحاء العالم. كما حذر أوفرتون من أن تلوث الذخائر غير المنفجرة لا يزال قائما بشكل خاص بالمناطق التي شهدت قتالاً مستمراً وتغيرات في خطوط المواجهة، بما في ذلك أجزاء من الرقة ودير الزور و حلب و إدلب وريف حمص وحماة. وأشار أوفرتون في تصريحه لـ DW: "هذه هي تحديداً المناطق التي يعود إليها العديد من اللاجئين"، مضيفاً أن الأطفال والعائدين غير المعتادين على البيئات الملوثة هم الأكثر عرضة للخطر.
وأوضح أوفرتون مدى خطورة هذه الذخائر غير المنفجرة قائلاً: "حتى في غياب الأعمال العدائية الفعلية، لا يزال إرث العنف المتفجر يحصد الأرواح ويصيب المدنيين"، مضيفًا أن هذا الاتجاه يتفاقم.
في عام 2024، سجلت منظمة "العمل ضد العنف المسلح" (AOAV) 238 حادثة انفجار ذخائر غير منفجرة أسفرت عن 508 إصابات، من بينها 479 مدنيًا. وبحلول عام 2025، ارتفع هذا العدد بشكل حاد إلى 794 حادثة و1537 إصابة، من بينهم 1424 مدنيًا.
وبالنسبة للنازح السوري قاشيت وعائلته، العائدين مؤخراً من لبنان، يُعدّ هذا مصدر قلق إضافي لهم. وقد عبر عن قلقه من هذا الخطر المميت قائلاً: "لن يتعرف أطفالي على الألغام غير المنفجرة عندما يلعبون في الخارج".
نقلته إلى العربية: إ.م./ تحرير: ص. ش.
المصدر:
DW