في خطوة يُعتقد أنها الأولى من نوعها على الصعيد الفرنسي وأمام حشد جماهيري في مدينة نانت، اعتذر بيير جيون دو برانس، عن ضلوع أسلافه في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، داعيا الحكومة والعائلات الفرنسية إلى أن يحذوا حذوه.
جرى ذلك -اليوم السبت- خلال مشاركة برانس (81 عاما) في تدشين مجسم لصاري سفينة رفقة ديودونيه بوتران، أحد أحفاد المستعبدين من جزيرة مارتينيك الكاريبية.
ويعمل برانس وبوتران معا في جمعية تُعنى "بكسر حاجز الصمت" حول قضية العبودية. وقالا إن الصاري سيكون بمثابة "منارة للإنسانية".
وتأتي خطوة جيون دو برانس في أعقاب اعتذارات رسمية مماثلة من عائلات في بريطانيا ودول أخرى، تضمنت التزامات بـ"المساعدة في جبر الضرر الذي ألحقه الأجداد".
وقال برانس إن على العائلات الفرنسية الأخرى مواجهة صلاتها التاريخية بالرق، كما على الدولة الفرنسية أن تتجاوز "الإيماءات الرمزية" لمعالجة وقائع الماضي وتتخذ إجراءات منها منح تعويضات.
وأضاف أنه "في ظل تصاعد العنصرية في مجتمعنا، شعرتُ بمسؤولية عدم السماح بمحو هذا الماضي"، مشيرا إلى رغبته في نقل تاريخ العائلة إلى أحفاده.
من جانبه، قال بوتران "لا يجرؤ العديد من عائلات أحفاد تجار الرقيق على التحدث علنا خوفا من إعادة فتح جراح الماضي وإثارة الغضب"، مؤكدا أن اعتذار برانس يعدّ عملا شجاعا.
وكان أسلاف برانس الذين استقروا في نانت -أكبر ميناء فرنسي لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي- من ملاك السفن الذين نقلوا نحو 4500 أفريقي مستعبد، كما امتلكوا مزارع في منطقة الكاريبي.
وبين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر جرى خطف ما لا يقل عن 12.5 مليون أفريقي ونقلهم قسرا، معظمهم على متن سفن أوروبية، فيما قُدّر عدد ضحايا الاتجار بالبشر في فرنسا بنحو 1.3 مليون شخص.
واعترفت فرنسا باعتبار الرق عبر المحيط الأطلسي جريمة ضد الإنسانية عام 2001 لكنها -مثل معظم الدول الأوروبية- لم تقدم اعتذارا رسميا عن دورها في ذلك.
وخلال فترة رئاسته وسّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نطاق الوصول إلى المواد الأرشيفية المتعلقة بماضي فرنسا الاستعماري، وقال العام الماضي إنه يعتزم تشكيل لجنة لدراسة تاريخ فرنسا مع هاييتي لكنْ دون التطرق إلى مسألة التعويضات.
وبرز موقف باريس من مسألة التعويضات جليا، عندما امتنعت الشهر الماضي عن التصويت في الأمم المتحدة على قرار قادته أفريقيا يُعلن الرق "أفظع جريمة ضد الإنسانية" ويدعو إلى التعويضات.
وتزداد الدعوات إلى التعويضات، بإجراءات تتراوح بين تقديم اعتذارات رسمية وتعويضات مالية، في جميع أنحاء العالم، حتى مع تأكيد المنتقدين لهذه الدعوات عدم مسؤولية الدول والمؤسسات عن جرائم الماضي.
يوم 25 مارس/آذار الماضي، شهدت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك لحظة وُصفت بالتاريخية حين اعتمدت الدول الأعضاء قرارا يعتبر تجارة الرق بالأفارقة عبر الأطلسي "أفظع جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية".
ولم يقتصر القرار -الذي تقدمت به غانا وحظي بدعم واسع من أفريقيا والكاريبي- على الإدانة الرمزية، بل دعا إلى خطوات عملية تشمل الاعتذار الرسمي، والتعويضات المالية، وإعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة. وقال رئيس غانا جون دراماني ماهاما أمام الجمعية العامة: "نجتمع اليوم بتضامن رصين لإقرار الحقيقة والسعي نحو طريق للشفاء والعدالة التعويضية".
ورغم التصفيق الحار الذي رافق الإعلان، فإن التصويت كشف عن انقسام عميق في المجتمع الدولي، إذ عارضت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين القرار، بينما امتنعت عن التصويت 52 دولة، من بينها المملكة المتحدة وجميع أعضاء الاتحاد الأوروبي. وقد أبرز هذا الموقف التباين بين الجنوب العالمي الذي يرى في التعويضات واجبا أخلاقيا وقانونيا، والشمال الغربي الذي يرفض تحويل الاعتراف إلى التزام مالي أو قانوني.
وقد وصف القرار الأممي الاتجار بالأفارقة واسترقاقهم بأنه جريمة ذات طابع منهجي طويل الأمد، لا تزال تداعياتها ماثلة في أشكال التمييز العنصري والفوارق الاقتصادية. كما نص على ضرورة تقديم اعتذارات رسمية من الدول المتورطة تاريخيا، والنظر في تعويضات مالية لدعم المجتمعات المتضررة، وإعادة الممتلكات والآثار المنهوبة.
من جهتهم، برر المعارضون للقرار موقفهم باعتبارات قانونية وسياسية، فقد أعلن السفير الأمريكي دان نيغريا أن واشنطن "لا تعترف بحق قانوني في التعويض عن أضرار تاريخية لم تكن مخالفة للقانون الدولي وقت وقوعها"، واصفا المطالبة بالتعويضات بأنها "محاولة انتهازية لإعادة توزيع الموارد الحديثة على أشخاص ودول مرتبطة ارتباطا بعيدا بضحايا التاريخ".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة