ألبرتا- بصوت يملؤه القلق والارتباك، بدأت أم أحمد (55 عاما)، النازحة من أتون الحرب في غزة، حديثها بقراءة مقتطف من الرسالة التي قلبت حياتها رأساً على عقب: "لقد قررت إدارة الهجرة أن طلب اللجوء الخاص بكم قد يكون غير مؤهل.. وإذا تقرر عدم الأهلية، ستواجهين إجراءات الترحيل من كندا".
وتضيف أم أحمد في حديثها للجزيرة نت: "وصلتُ إلى كندا هرباً من الموت، بحثاً عن أمان لم أجده في غزة، لكنني اليوم أجد نفسي في مواجهة قانون لا يرحم ظروفنا الاستثنائية؛ دخلتُ كندا أول مرة في عام 2023 بفيزا زيارة ثم عدتُ إلى بلدي، ولم أكن أعلم حينها أن هذا الدخول العابر سيتحول اليوم إلى عائق يهدد بقائي، حيث اعتبرته إدارة الهجرة تاريخاً لبدء سريان مهلة السنة الواحدة’ التي يفرضها القانون الجديد".
و في وقت تتزايد فيه الضغوط على أنظمة الهجرة حول العالم، اختارت كندا أن تمضي في مسار أكثر تشددا، بإقرار قانون جديد يعيد تعريف قواعد اللجوء ويثير جدلا واسعا بين ضرورات ضبط الحدود ومقتضيات حماية الفارين من الاضطهاد.
فبينما ترى الحكومة أن النظام بحاجة إلى تسريع وحسم، يحذر حقوقيون من أن هذه الخطوة قد تدفع بآلاف اللاجئين إلى حافة الاستبعاد، في تحول يوصف بأنه من الأكثر حساسية في تاريخ سياسات الهجرة الكندية.
ففي خطوة غير مسبوقة قد تعيد رسم ملامح سياسة اللجوء في البلاد، أقر البرلمان الكندي قانون (سي 12) المعروف بـ"قانون تعزيز نظام الهجرة والحدود الكندي"، والذي دخل حيز التنفيذ في مارس/آذار 2026، حيث يصنف من أكثر القوانين صرامة وإثارة للجدل في تاريخ الهجرة الكندي الحديث.
ويفرض القانون الجديد قيودا زمنية حاسمة على تقديم طلبات اللجوء، ويقلص بشكل كبير من الضمانات القانونية الممنوحة للاجئين، ما يمثل تحولا جذريا في تعامل الدولة مع طالبي الحماية على أراضيها. وقد أثار موجة واسعة من الانتقادات الحادة من قبل منظمات حقوق الإنسان والمحامين، الذين حذروا من انتكاسة خطيرة في حقوق طالبي اللجوء قد تصل إلى حد انتهاك التزامات كندا الدولية.
تقول أم أحمد بحرقة: "الأمر لم يتوقف عندي، فحتى ابني الشاب (25 عاما) تسلم رسالة مماثلة؛ نحن الآن نعيش في سباق مرعب مع الزمن لتوفير مسوغات قانونية قبل انتهاء المهلة في 23 أبريل، حيث بات بقاؤنا هنا معلقاً بقرار إداري قد ينهي أحلامنا قبل أن تبدأ".
هذه "المقصلة القانونية" التي واجهتها عائلة أم أحمد، لم تفرق بين هارب من حرب أو باحث عن استقرار مهني، إذ يشاركها المصير ذاته الشاب الهندي راج كاور (28 عاما)، الذي وصل إلى كندا بتصريح عمل قبل عامين.
يروي كاور تجربته للجزيرة نت موضحاً أنه بعد انتهاء تصريح عمله وعودته إلى بلاده، قرر الرجوع إلى كندا مجدداً والتقدم بطلب لجوء بعد ثلاثة أشهر من وصوله الثاني. ومع بدء تطبيق التعديلات فوجئ برسالة تطالبه بتبرير "التأخير" وتمنحه 30 يوما فقط للرد، مما دفعه للجوء فورا إلى محامٍ متخصص سعيا لإيجاد مخرج يحميه من خطر الاستبعاد والترحيل.
وتعكس حالتا "أم أحمد" و"كاور" وجهاً واحداً لأزمة قانونية أوسع؛ حيث أشارت تقارير صحفية منها ما نشرته شبكة "سي بي سي نيوز"، إلى أن وزارة الهجرة الكندية وجهت إشعارات مماثلة لنحو 30 ألف طالب لجوء، تبلغهم فيها باحتمالية فقدان أهليتهم للمثول أمام قسم حماية اللاجئين، مما يضع آلاف العائلات أمام مصير مجهول خلفته التعديلات التشريعية الأخيرة.
وأعربت أكثر من 25 منظمة حقوقية كندية بارزة عن قلقها من أن التعديلات الجديدة تقوض الضمانات الإجرائية الأساسية، وتهدد مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتعرّض آلاف الأشخاص الفارين من الاضطهاد لخطر حقيقي.
ونقلت هذه المنظمات عن منظمة العفو الدولية في كندا وصفها لمشروع القانون بأنه "هجوم كبير على حقوق اللاجئين والمهاجرين"، مطالبة الحكومة الفيدرالية بسحب هذه التعديلات أو إدخال تغييرات جوهرية عليها.
وفي محاولة لفهم أبعاد القانون بين الإيجابيات والسلبيات، التقت الجزيرة نت المستشار القانوني لشؤون الهجرة واللجوء أندي ديلون في مدينة كالغاري، حيث أوضح أن الحكومة تسعى من خلال هذا التشريع إلى تبسيط وتسريع إجراءات معالجة طلبات اللجوء، وتقليل التراكم في الملفات، وردع الطلبات المتأخرة أو التي توصف بالإستراتيجية.
في المقابل، أشار ديلون إلى أن التغيير الجوهري يرتبط بتاريخ 20 يونيو/حزيران 2020، إذ يمكن منع الأفراد الذين دخلوا كندا بعد هذا التاريخ، من تقديم طلب لجوء إذا لم يتقدموا به خلال سنة واحدة من تاريخ دخولهم.
كما بدأ تطبيق القانون اعتبارا من 26 مارس/آذار 2026 بأثر رجعي يشمل فترات سابقة، ما يعني أن عددا من الموجودين حاليا في كندا قد يجدون أنفسهم محرومين بشكل غير متوقع من حق التقديم.
وأضاف المستشار أن القانون يفرض قيودا صارمة على الأهلية، ويوسع الاعتماد على تقييمات المخاطر المكتوبة (PRRA) بدلا من جلسات الاستماع الكاملة، وهو ما يحد من إمكانية تقييم مصداقية طالبي اللجوء بشكل عادل، ويقلل من فرص حصولهم على جلسة استماع كاملة، التي تعد ركنا أساسيا في نظام اللجوء.
من جانبها، ترى مستشارة الهجرة واللجوء أغويدا مرسي أن قانون "سي 12" يمثل توجها واضحا نحو تعزيز الكفاءة وتوحيد تطبيق القواعد، من خلال تحديد مواعيد نهائية أكثر صرامة، غير أن مهلة السنة الواحدة لتقديم الطلب تشكل عائقا كبيرا أمام كثير من اللاجئين الحقيقيين.
وأوضحت مرسي في حديثها للجزيرة نت أن من يفقدون الأهلية بموجب هذه القواعد يواجهون إجراءات إبعاد أسرع وأكثر صرامة، ويضطرون للاعتماد على طلبات تقييم المخاطر قبل الإبعاد، وهي إجراءات أكثر تعقيدا وأقل حظا في النجاح.
وأشارت إلى أن هذه التعديلات تؤثر بشكل غير متناسب على الفئات الضعيفة، ما يزيد من التعقيدات القانونية ويضاعف المخاطر على حياتهم.
وفي تقييمها للتوازن بين أهداف الحكومة وضمانات العدالة، قالت مرسي إن القانون يعزز فعلا من السيطرة على الحدود ويسرع عمليات الفحص، لكنه في المقابل يضع العدالة الإجرائية تحت ضغط شديد، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من صدمات نفسية أو حواجز لغوية أو نقص في المعلومات.
وأضافت أغويدا أن هذه المواعيد الزمنية الصارمة قد تؤدي إلى استبعاد لاجئين حقيقيين، وترفع من احتمالات القرارات الخاطئة بعدم الأهلية، وتزيد من حجم الدعاوى القضائية، ما يجعل النظام أكثر كفاءة لكنه أقل وصولا وأقل تسامحا.
بدوره، يرى ديلون أن الكفة مالت بشكل واضح نحو الكفاءة ومراقبة الحدود على حساب العدالة الإجرائية، مرجحا أن يواجه القانون تحديات دستورية أمام المحاكم الكندية، رغم مشروعية هدف الحكومة في إدارة حجم الطلبات.
وأشار إلى أن النهج الحالي ينطوي على مخاطر جدية، منها تقويض الإجراءات القانونية الواجبة، خاصة في القضايا التي تعتمد على تقييم المصداقية، واستبدال جلسات الاستماع بقرارات إدارية مكتوبة، ما قد يؤدي إلى زيادة ملحوظة في طلبات المراجعة القضائية أمام المحكمة الاتحادية التي تعاني أصلا من ازدحام كبير.
كما توقع أن يؤدي هذا التحول إلى إنشاء نظام أسرع، لكنه أقل موثوقية وأقل عدلا، وأكثر عرضة للأخطاء والنتائج غير المنصفة.
وبحسب ديلون ومرسي، فقد بدأت هذه التعديلات بالفعل في إحداث موجة من قرارات عدم الأهلية الفورية، وإنهاء عدد من القضايا المنظورة أمام قسم حماية اللاجئين، مع تأثيرات مباشرة على فئات متعددة، من بينها الطلاب الدوليون، والعمال الأجانب المؤقتون، والنساء الفارات من العنف، والأشخاص الذين يعانون من صدمات نفسية، إضافة إلى من دخلوا البلاد بطرق غير نظامية.
كما تشمل التأثيرات الأشخاص الذين قدموا إلى كندا وهم أطفال أو كانوا يقيمون فيها قبل اندلاع النزاعات في بلدانهم، ما يجعلهم اليوم عرضة لخطر الاستبعاد من النظام القانوني رغم حاجتهم للحماية.
ويخلص الخبيران إلى أن فرض مهل زمنية صارمة وقواعد أهلية جديدة يشكل تهديدا مباشرا للفئات الأكثر هشاشة، ويضعها أمام احتمالات مرتفعة للرفض أو الاستبعاد الفوري.
وبينما تدافع الحكومة الفيدرالية عن القانون باعتباره أداة ضرورية لضمان كفاءة النظام الحدودي، يتسع الانقسام بين صانعي القرار والمدافعين عن حقوق اللاجئين، وسط مخاوف من أن يؤدي تضييق الوصول إلى العدالة إلى دفع آلاف الأشخاص نحو العيش في الظل، بعيدا عن أي حماية قانونية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة