آخر الأخبار

صديق ترمب المفضل.. كيف غير فيكتور أوربان العالم؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

خلال المناظرة الرئاسية التي جرت بين دونالد ترمب وكامالا هاريس في سبتمبر/ أيلول عام 2024، قالت هاريس إن قادة العالم "يضحكون" على ترمب، فلم يجد ترمب حجة للردّ عليها سوى الاستشهاد بمديح رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان له ورد له المديح قائلا: "دعوني أقول فقط فيكتور أوربان، أحد أكثر الرجال احتراما، الموصوف بالرجل القوي. إنه شخص حازم وذكي".

لم يكن لجوء ترمب إلى رأي أوربان غريبا في أوساط اليمين الأمريكي، فقد تحول رئيس الوزراء المجري (الذي خسر الانتخابات مؤخرا بعد 16 عاما متواصلة في السلطة) وحزبه الحاكم إلى نموذج ملهم للحكم والسيطرة والتدمير الهيكلي لكل قواعد الديمقراطية الليبرالية، التي يسعى الرئيس الأمريكي إلى تقليدها حذو النعل بالنعل. لكن شجرة أوربان العملاقة تخفي غابة من النخب والحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا الوسطى والشرقية، كانت حصيلة التحول الأيديولوجي للنخب ما بعد الشيوعية من تشكيلات اشتراكية أو ليبرالية ديمقراطية إلى شعبوية قومية استبدادية في بولندا وسلوفاكيا والتشيك.

"شجرة أوربان العملاقة تخفي غابة من النخب والحركات الشعبوية اليمينية في أوروبا الوسطى والشرقية"

وقد دُفع هذا التحول بعوامل اقتصادية وفكرية، مفرزا نوعا من "الديمقراطية غير الليبرالية" لم تكتف بكونها أيديولوجيا حاكمة في هذه البلدان، بل صارت تلقى صدى وانتشارا في جميع أنحاء أوروبا الغربية، فضلا عن تأثيرها الفكري والمؤسسي على اليمين الجديد الأمريكي، ولا سيما تيار ترمب. فهذه الظاهرة لا يمكن اختزالها إلى شعبوية انتهازية، بل تمثل مشروعا أيديولوجيا متماسكا، وإن كان متناقضا داخليا، أعاد تشكيل اليمين العالمي بشكل جذري.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 محمد منتظري.. الرجل الذي هزم الشاه ولم تحتمله الثورة
* list 2 of 2 هرمز يغير العالم.. هل بدأ التمرد ضد أمريكا بسبب إيران؟ end of list

عندما سقط جدار برلين عام 1989 كان الافتراض السائد بين منظري الليبرالية الغربية هو أن أوروبا الوسطى والشرقية ستشهد تحولا سلسا لا رجعة فيه نحو الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية. وقد وفرت أطروحة فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ" إطارا فكريا لهذا التفاؤل. كانت التحولات في المجر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها سلمية، ومبشرة لفترة من الزمن.

إعلان

إلا أنه بعد 3 عقود، أصبحت المنطقة مركزا لنهضة قومية استبدادية عالمية، تُصدّر أساليب حكمها وأطرها الأيديولوجية إلى الديمقراطيات الغربية التي كان يُفترض بها أن تحذو حذوها. تكمن المفارقة الجوهرية في هذه القصة في أن مهندسي التراجع الديمقراطي في المنطقة لم يكونوا، في الغالب، شيوعيين يحنون إلى الماضي أو متطرفين هامشيين. بل كانوا أفرادا وأحزابا بدأوا، في كثير من الحالات، مسيرتهم السياسية كليبراليين أو معارضين مناهضين للشيوعية أو ديمقراطيين اجتماعيين، أي شخصيات متجذرة في المؤسسات التي أفرزتها التحولات الديمقراطية.

لذلك يتطلب فهم كيفية حدوث هذا التحول الخوض في مستويات متعددة من الأسباب، أولها الإرث الهيكلي لمؤسسات الحقبة الشيوعية وبقاياها بعد عام 1989، والاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن التحول النيوليبرالي والأزمة المالية العالمية لعام 2008، وكذلك التقاليد الفكرية وسرديات المظالم التي حشدتها النخب القومية، فضلا عن الشبكات العابرة للحدود التي انتشر من خلالها هذا المشروع الأيديولوجي إلى الغرب.

مصدر الصورة دونالد ترمب (يمين) ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (غيتي)

من لحظة برلين إلى الأزمة المالية

لم تكن التحولات التي شهدتها دول ما يعرف بـ"الكتلة الشرقية" عام 1989 في أعقاب سقوط جدار برلين، في معظم الحالات، قطيعة ثورية مع الماضي، بل كانت أشبه بتسويات تفاوضية مُدارة، حيث تفاوضت النخب الشيوعية السابقة على مكان لها في النظام الجديد. أدار النظام الشيوعي القديم عملية الانتقال، وكان هدفه الحفاظ على سلطة نخبته عبر السعي إلى "توافق وطني".

في المجر مثلا، جمعت محادثات المائدة المستديرة الشهيرة لعام 1989 قادة المعارضة التي كانت لا تزال غير شرعية، قبل أن ينضم النظام الشيوعي إلى العملية، محولا إياها إلى مركز للتغيير التفاوضي. وكانت النتيجة مشهدا سياسيا أعاد فيه المسؤولون الشيوعيون السابقون إنتاج نفوذهم بسرعة ملحوظة. فقد أسقط حزب العمال الاشتراكي المجري، الذي كان يسيطر على الدولة، كلمة "العمال" من اسمه وتحول إلى الحزب الاشتراكي المجري. وفي عام 1994، وبعد أربع سنوات فقط من "تغيير النظام"، عاد الشيوعيون السابقون إلى السلطة.

"في المجر، أسقط حزب العمال الاشتراكي المجري، الذي كان يسيطر على الدولة، كلمة العمال من اسمه وتحول إلى الحزب الاشتراكي المجري"

اتسمت الفترة 1990-2010 بما يمكن تسميته "توافقا على التحديث" بين القوى ما بعد الشيوعية والقوى النيوليبرالية، مما أدى إلى شكل متأصل من النيوليبرالية. وشملت القيم المشتركة للحزب الاشتراكي المجري ما بعد الشيوعي ولحزب التحالف الليبرالي للديمقراطيين الأحرار، تفضيل التغريب والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وتبني أجندة "إس إل آي بي" (SLIP)، وتعني الاستقرار، والتحرير، وبناء المؤسسات، والخصخصة. وقد أدى هذا الإجماع إلى توحيد اليسار ما بعد الشيوعي مع رأس المال الدولي ضد القومية الاقتصادية المحلية – وهو موقف أثبت لاحقا أنه قاتل سياسيا.

خلقت هذه العودة السريعة لليسار الذي أصبح يرتدي ثياب الاشتراكية الديمقراطية، ولكنه يحتفظ بالعديد من الشبكات الشخصية والمؤسسية القديمة نفسها، مصدرا دائما للتظلم بين أولئك الذين شعروا أن الثورة قد سُرقت. وفّرت هذه الرواية للأحزاب القومية اليمينية إطارا شرعيا لا ينضب في هجومهم على الأحزاب الاشتراكية، إذ استخدموها في تبرير هجومهم على تلك الأحزاب بحجة أنهم لا يهاجمون الديمقراطية، بل "يطهرون الدولة" من الشيوعيين القدامى الذين لم يتخلوا عن السلطة حقا، حسب زعمهم.

إعلان

وكان الواقع الذي دعم هذه الرواية هو استمرار "رأسمالية النخب الحاكمة"، وهي العملية التي حوّلت من خلالها النخب الشيوعية رأسمالها السياسي إلى رأسمال اقتصادي عبر عملية الخصخصة. ففي المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا، إذ تمكّن المقربون ذوو النفوذ في الأنظمة الشيوعية الساقطة من الاستحواذ على أصول الدولة بأسعار تفضيلية. وقد أدى ذلك إلى ظهور طبقة جديدة من الأوليغارشية الثرية في مرحلة ما بعد الشيوعية، ممن حافظوا على علاقات وثيقة مع الأحزاب الاشتراكية التي أنجبتهم، مما خلق شبكة راسخة من السلطة الاقتصادية والسياسية.

مصدر الصورة اجتماع في البرلمان المجري عام 1989 بين حزب العمال الاشتراكي والمنظمات المتحالفة معه وجماعات معارضة لمناقشة خطط التعددية الحزبية والانتخابات التشريعية لعام 1990 (الفرنسية)

أما العامل الهيكلي الثاني فكان ضعف الأحزاب السياسية كمنظمات جماهيرية حقيقية. فقد أدى التحول النيوليبرالي السريع لأنظمة هذه الدول الاقتصادية إلى اضطراب اجتماعي وثقافي واسع. وفي غياب بديل اشتراكي ناجع، ولدت ثقافة سياسية استقطابية اختزلت النقاش السياسي إلى خيارين: إما النيوليبرالية، أو القومية.

"في المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا، تمكّن ذوو النفوذ في الأنظمة الشيوعية الساقطة من الاستحواذ على أصول الدولة بأسعار تفضيلية، ما أثمر طبقة جديدة من الأوليغارشية الثرية في النظام الديمقراطي الجديد"

في غضون ذلك، افتقرت الأحزاب ما بعد الشيوعية، يسارها ويمينها، إلى قواعد شعبية صلبة في النقابات العمالية والجمعيات المدنية والشبكات الاجتماعية الكثيفة. وأدى هذا الضعف التنظيمي إلى تحول تلك الأحزاب إلى حوامل سياسية تسيطر عليها قيادات بعينها تستخدمها للصعود السريع إلى السلطة. كما فتح ذلك المجال لظهور الشعبوية التي ترفض كل الأحزاب السياسية وترى فيها تمثيلا لمصالح طبقة مغلقة من "النخب"، بدلا من أن تكون تلك الأحزاب ممثلة بالفعل لفئات الشعب.

وقد كشفت فضيحة غيورتشاني في المجر عام 2006، عن المستوى المتدني الذي وصلته إدارة السلطة في البلاد، حيث كشف تسجيل صوتي أن رئيس حكومة الائتلاف الاشتراكي الليبرالي أخبر حزبه أنهم لم يحققوا شيئا على الرغم من 4 سنوات في السلطة، وأنهم كانوا يكذبون على الناخبين بشأن ذلك، مما أضر بشكل كبير بمصداقية يسار الوسط، ووفّر لليمين القومي بقيادة فيكتور أوربان أقوى سلاح انتخابي.

لكن التناقضات السياسية ظلت دائما انعكاسا للتناقضات الاقتصادية والطبقية الأكثر عمقا. فالنموذج الاقتصادي الذي فرضه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمؤسسات المالية الغربية على المجتمعات ما بعد الشيوعية ضمن ما يُعرف بـ"إجماع واشنطن"، كان قائما على الخصخصة السريعة لأصول الدولة، وتحرير أسواق رأس المال، والتقشف المالي، وإعادة هيكلة المؤسسات لتتوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي. ورغم أن ذلك التحول الاقتصادي قد أدى إلى انتعاش في التسعينيات، إلا أنه ولّد أيضا مواطن ضَعْف اقتصادي عميق، وعدم مساواة.

"غيرت الأزمة المالية عام آراء العامة والنخب على حد سواء حول جدوى نموذج النمو القائم على التبعية الرأسمالية للغرب"

ومع ذلك ظلت هذه الطبقة السياسية تدير هذه التناقضات بشكل نسبي، حتى عام 2008، عندما تحولت الأزمة المالية العالمية إلى فرصة للتحول القومي الشعبوي في المنطقة. ونتيجة لإجراءات التقشف الرامية إلى إعادة التوازن للنظام المالي، تكبّد جزء كبير من السكان خسائر فادحة. وشعر كثيرون بأن الأزمة أيقظتهم من حلم جميل وألقت بهم في الواقع.

ونتيجة لذلك، غيّرت الأزمة آراء العامة والنخب على حد سواء حول جدوى نموذج النمو القائم على التبعية الرأسمالية للغرب. في المجر، كانت العواقب وخيمة بشكل خاص. فقد تراكمت على البلاد ديون سيادية ضخمة، وكان من المسموح به قبل الأزمة حصول المواطنين العاديين على قروض عقارية مقومة بالفرنك السويسري، وهي ممارسة أصبحت كارثية مع انخفاض قيمة العملة المحلية.

إعلان

وأدت إجراءات التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي في أعقاب ذلك إلى استياء جماهيري من النخبة الحاكمة، لم يقتصر على الاشتراكيين الحاكمين فحسب، بل امتد ليشمل الإطار الليبرالي الدولي بأكمله، حيث رأت الجماهير أن الاشتراكيين والليبراليين التقليديين على السواء يمثلون هذا الإطار الدولي.

مصدر الصورة مظاهرة احتجاجية في العاصمة المجرية بودابست عام 2009 ضد سياسة الحكومة في معالجة الأزمة الاقتصادية والمالية (الفرنسية)

في المقابل، استغل أوربان وحزب فيدس (الاتحاد المدني المجري) حالة السخط، ووعدا بمزيد من العدالة والكفاءة والديمقراطية، بينما تعهدا بإبعاد النخب الشيوعية السابقة عن مؤسسات الدولة. وعندما فاز الحزب بأغلبيته التاريخية التي بلغت ثلثي المقاعد في عام 2010، لم يكن ذلك على أساس برنامج معادي للديمقراطية صراحة، بل على أساس وعد "باستعادة الكرامة الوطنية والسيادة الاقتصادية".

اتسمت النزعة القومية الاقتصادية التي تلت ذلك بمنطق متماسك، وإن كان غير تقليدي. فقد ندد أوربان بالغرب ووصفه بالانحلال والهوس بالمال، ورسم ملامح "مجتمع قائم على العمل"، مُنشئا برنامجا ضخما لتوفير فرص العمل للعاطلين. وقام بتأميم صندوق المعاشات التقاعدية الخاص الإلزامي، الذي كان يُمثل الركن الثاني من النظام المالي للمجر. كما أجبر البنوك الأجنبية على تحويل قروض الرهن العقاري بالعملات الأجنبية إلى قروض مقوّمة بالفورنت، عملة المجر (على الرغم من عضويتها في الاتحاد الأوروبي لم تتبن بودابست اليورو وحافظت على استقلالها النقدي).

وهكذا أصبحت النزعة القومية الاقتصادية في المجر مؤشرا على رؤية سيادية أوسع. وقد حظيت هذه الإجراءات بشعبية كبيرة تحديدا لأنها وجهت الخسارة نحو البنوك الأجنبية والمؤسسات الدولية بدلا من السكان المحليين، مما حوّل المظالم الاقتصادية إلى فخر قومي.

"حظيت إجراءات أوربان الاقتصادية بشعبية كبيرة لأنها وجهت الخسارة نحو البنوك الأجنبية والمؤسسات الدولية بدلا من السكان المحليين"

في ضوء هذه التناقضات الطبقية والسياسية، أصبحت القاعدة الانتخابية للأحزاب القومية اليمينية في أوروبا الوسطى والشرقية، تتمتع بخصائص اجتماعية خاصة، متجاوزة التمحور حول الحنين إلى الماضي أو التعصب العرقي. وتُولي الدراسات المتعلقة بالشعبوية في المنطقة أهمية كبيرة للتفسيرات الثقافية التي تركز على الانقسامات الريفية/الحضرية أو الانقسامات الدينية والعرقية بين سكان المنطقة. إلا أن العوامل الثقافية وحدها لا تكفي لتفسير الديناميكيات القائمة.

تُظهر التحليلات الكمية باستمرار أن مؤيدي أحزاب مثل حزب القانون والعدالة البولندي وحزب فيدس المجري ينحدرون بشكل خاص من المدن الصغيرة والمناطق الريفية التي تم إهمالها في التنمية الاقتصادية ما بعد الشيوعية، وكذلك من العمال الذين تم تسريحهم من القطاع الصناعي الحكومي السابق، والمتقاعدين الذين تم تقويض أمنهم الاجتماعي بسبب التحرير الاقتصادي، فقد كان لدى هذه الفئات مظالم مادية حقيقية وقفت وراء هذا الميول القومي.

في المقابل حقق الانتقال ما بعد الشيوعي مكاسب هائلة للمهنيين الحضريين المتعلمين والطبقة الوسطى الجديدة في القطاع الخاص. وهكذا استفادت الأحزاب القومية من حقيقة أن فوائد التكامل الأوروبي والعولمة تتدفق في المقام الأول إلى النخبة العالمية وحليفتها المحلية، وحوّلتها إلى استياء عرقي وثقافي من الأفكار الليبرالية كالترحيب بالتنوع الثقافي والاختلاف.

مصدر الصورة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يلقي خطابا احتفالا بفوزه مع أعضاء حزبه فيدس الذي حصل على أغلبية ثلثي المقاعد في البرلمان عام 2010 (الفرنسية)

"الأوربانية" وأسانيدها الفكرية

لم يكن التحول من الفكر الاشتراكي أو الليبرالي إلى المحافظة القومية عشوائيا في تلك البلدان عشوائيا. فلدى أوروبا الوسطى والشرقية تراثها الغني في الفكر السياسي المناهض لليبرالية، وهو تراث يسبق الشيوعية، بل ونجا منها في بعض الحالات بشكل سري أو شبه سري. وقد وفرت القومية المسيحية في فترة ما بين الحربين، والقومية العرقية الرومانسية، والتعاليم الاجتماعية الكاثوليكية، موارد استطاعت النخب ما بعد الشيوعية إعادة تفعيلها.

في المجر، تتجذر النزعة المحافظة الوطنية في حقبة الحرب العالمية الأولى، حين كانت فكرة "المجر المسيحية" تُعارِض "المجر الأخرى" التي تُعرّف بالأعداء الداخليين الشيوعيين. أما اليوم، فيتجسد مفهوم "الآخر" في الليبراليين والمهاجرين الذين يُشكلون تهديدا للهوية المجرية والوضع القومي الراهن.

إعلان

يستند فيكتور أوربان في إشاراته البلاغية والرمزية إلى "حضارة مسيحية" محاصرة، وهو ما يفسر اعتناقه لذكرى تريانون (معاهدة السلام لعام 1920 التي جردت مملكة المجر من ثلثي أراضيها لصالح جيرانها)، وتصويره للمجر كمدافع محاصر عن القيم الأوروبية الأصيلة. هذه الرمزيات تعود إلى التقليد القومي ما قبل الشيوعي، مع تصوير الشيوعية نفسها باعتبارها مجرد شكل آخر من أشكال الهيمنة الأجنبية.

كان خطاب أوربان في حي بايل توشناد في رومانيا عام 2014، والذي عبر فيه صراحة عن نيته بناء "دولة غير ليبرالية"، أوضح تعبير عن هذا المشروع الفكري. فقد أعلن أن الديمقراطية الليبرالية قد فشلت، ليس لأن الحرية سيئة في حد ذاتها، بل لأن الديمقراطية الليبرالية الغربية قد استُحوذ عليها من قِبل رأس المال الدولي، والنخب العالمية، والقوى الثقافية التقدمية المعادية للأمة والأسرة والمسيحية. لذلك ستستخدم الدولة غير الليبرالية سلطتها الوطنية السيادية للدفاع عن هذه القيم "ضد القوى المشتركة لبروكسل (الاتحاد الأوروبي) وجورج سوروس واليسار متعدد الثقافات"، وفق وصفه وقتها.

"أعلن أوربان أن الديمقراطية الليبرالية فشلت، ليس لأن الحرية سيئة في حد ذاتها، بل لأن الديمقراطية الليبرالية الغربية قد استُحوذ عليها من قِبل رأس المال الدولي والقوى التقدمية المعادية للأمة"

رغم أن خطاب أوربان لا يخترع جديدا بشأن المصفوفة القومية التي ترفع دائما شعار الدفاع عن "الأمة وحضارتها"، إلا أنه في تلك اللحظة، قبل أكثر من عقد، قد عبّر عن التحول الشعبوي في أوروبا، وأصبح خطابه مرجعا للحركات الشعبوية الأوروبية الأخرى.

من ناحية أخرى، لعبت معاداة الشيوعية دورا أساسيا في التطور الفكري للقومية في أوروبا الوسطى والشرقية، مما يميزها عن سائر حركات اليمين المتطرف الغربية. ففي المجر وبولندا وجمهورية التشيك، وفرت معاداة الشيوعية إطارا سياسيا مشروعا للتعبير عن التشكيك في الدولة، والعداء للحركات الاجتماعية التقدمية، والريبة من المؤسسات الدولية، كل ذلك دون وصمة الفاشية التي أثقلت كاهل أحزاب اليمين المتطرف الغربية.

في بولندا، أثر الفساد المستشري، إلى جانب الشيوعية، على الوضع السياسي، وألهم حركة مناهضة للشيوعية قائمة على سياسات القيم التقليدية، أي افتراض أن الدين والقيم الأخلاقية يجب أن تتفوق دائما على حريات الأفراد. وهكذا أصبحت معاداة الشيوعية سلاحا سياسيا متعدد الأغراض، فقد نزعت الشرعية عن اليسار الاشتراكي الديمقراطي (باعتباره شيوعيا متخفيا)، وبررت الهجمات على المجتمع المدني التقدمي (باعتباره نتاجا للتوافق الليبرالي الشيوعي)، وأجازت الاستيلاء على السلطة المؤسسية (باعتباره ضرورة لإزالة الشيوعية).

مثلت حيلة ربط الليبرالية بالشيوعية، أو على الأقل بمصالح ورثة الشيوعية، المحور الخطابي الرئيسي الذي يربط المشروع القومي ما بعد الشيوعي بأنماط أوسع من الشعبوية اليمينية على مستوى العالم. وقد قدم كلاهما نفسيهما كصوتين شعبيين حقيقيين في مواجهة نخبة متجذرة ومتجددة ذاتيا، تستمد قوتها من خطاب عالمي. ويكمن الاختلاف في أن هذه الرواية في أوروبا الوسطى والشرقية كانت تستند إلى أساس تاريخي حقيقي، فقد انبثقت النخبة ما بعد الشيوعية، في كثير من الحالات، من جهاز النظام القديم.

تمثل إسهام أوربان في المشروع الشعبوي العالمي في وضع نظرية بديلة متماسكة للديمقراطية الليبرالية، تدّعي الشرعية الديمقراطية بينما تعمل في الوقت نفسه على تفكيك بنيتها المؤسسية بشكل منهجي، من خلال طرح مفهوم "الديمقراطية غير الليبرالية"، وهو نظام انتخابي تنافسي مُجرّد من القضاء المستقل والإعلام الحر والقيود الدستورية على السلطة التنفيذية، كشكل أكثر أصالة من أشكال السيادة الشعبية.

"تمثل إسهام أوربان في المشروع الشعبوي العالمي في وضع نظرية بديلة للديمقراطية الليبرالية، تدّعي الشرعية الديمقراطية بينما تعمل في الوقت نفسه على تفكيك بنيتها المؤسسية بشكل منهجي"

وقد اتبعت الآليات المؤسسية لهذا المشروع نمطا واضحا. فبعد حصول حزب فيدس على أغلبية الثلثين في عام 2010، استغل أغلبيته الدستورية لإعادة صياغة القانون الأساسي، وإعادة هيكلة المحكمة الدستورية، وتعيين الموالين له في السلطة القضائية، وتطبيق نظام انتخابي جديد عزز تفوقه البرلماني. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد تراجعا ديمقراطيا تدريجيا.

وكان الاستيلاء على وسائل الإعلام ممنهجا بنفس القدر، ففي عام 2011، سن أوربان قانونا للإعلام منح بموجبه الدولة صلاحيات إشراف واسعة النطاق من خلال مجلس كان جميع أعضائه من الحزب الحاكم، يملك سلطة تغريم وسائل الإعلام بسبب التغطية التي تعتبر "غير متوازنة أو غير أخلاقية".

كما أُعيدت هيكلة الاقتصاد لخلق طبقة رأسمالية وطنية موالية. حيث عمل أوربان على تطوير طبقة مرتبطة بحزبه، فأنشأ العديد من "الشركات القريبة من فيدس"، غالبا عن طريق حرمان المالكين السابقين من حقوقهم، مع تقليص نفوذ المنظمات الدولية والبنوك الأجنبية في الاقتصاد المجري، وذلك في سبيل بناء قاعدة اقتصادية من شأنها أن تدعم مشروعه السياسي، حيث أصبح البقاء السياسي لحزب فيدس والمصالح المادية للأوليغارشية التابعة له لا ينفصلان عن بعضهما البعض.

من بودابست إلى واشنطن

كان تأثير المجر بقيادة أوربان على أحزاب اليمين واليمين المتطرف الأوروبية كبيرا وواضحا خلال العقد الأخير. فقد وفر حزب "المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين"، ولاحقا "تجمع الوطنيين من أجل أوروبا" الذي أسهم أوربان في تأسيسه عام 2024، منصات مؤسسية لتنسيق الأحزاب القومية الشعبوية في جميع أنحاء القارة.

وقد مثّل مزيج أوربان من سياسات مناهضة الهجرة والقومية المسيحية والهندسة المؤسسية نموذجا ناجحا لأحزاب كانت تفتقر سابقا إلى نموذج حكم متماسك، لتثبت به للجماهير جدارتها بالحكم. فمع تولي أوربان رئاسة الوزراء، بات لدى الشعبويين حالة حية حول كيفية تحويل المكاسب إلى نفوذ طويل الأمد.

فقد أقامت جورجيا ميلوني، زعيمة حزب "إخوة إيطاليا" الذي تعود جذوره إلى الحركة الاجتماعية الإيطالية ما بعد الفاشية، علاقات وثيقة مع حزب أوربان، حيث وصفت نفسها بأنها "شقيقته المسيحية"، مع تكييف النموذج المجري مع الظروف الخاصة لدولة مؤسسة في الاتحاد الأوروبي ذات بيئة مؤسسية أكثر تقييدًا مثل إيطاليا.

كذلك، استعانت أحزاب التجمع الوطني الفرنسي، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وديمقراطيو السويد، وحزب فوكس الإسباني (Vox)، بعناصر من استراتيجية أوربان، مُكيّفةً المزيج الأساسي من المحافظة الثقافية، وسياسات مناهضة الهجرة، والتشكيك في الاتحاد الأوروبي، مع سياقاتها الوطنية.

فقد أثبت نموذج بودابست أنه يمكن الفوز بالانتخابات الديمقراطية على أساس برنامج مناهض لليبرالية بشكل صريح، وأن عضوية الاتحاد الأوروبي لا تتطلب التخلي عن سياسات القومية الأكثر تطرفا، وأن السيطرة على وسائل الإعلام وإعادة هندسة المؤسسات يمكن أن تحمي الحكومة من المساءلة الديمقراطية مع الحفاظ على المظاهر الخارجية للمنافسة الانتخابية.

مصدر الصورة جورجيا ميلوني زعيمة حزب إخوة إيطاليا أقامت علاقات وثيقة مع فيكتور أوربان وحزبه فيدس (الأوروبية)

لكن أفكار أوربان ومنهجه لم ينتشرا خارجيا على نحو عشوائي، بل بفضل بنية تحتية فكرية مدروسة وممولة تمويلا جيدا. حيث استثمرت الحكومة المجرية بكثافة في مؤسسات مصممة لبناء شبكات دولية محافظة. وضخّت ملايين الدولارات في ترسيخ وجود دولي لها من خلال مراكز أبحاث مثل معهد الدانوب. وفي هذا المركز البحثي المطل على النهر الذي يقسم بودابست، وجد المحافظون والقوميون الأمريكيون ملاذا فكريا داخل أوروبا.

"استثمرت الحكومة المجرية بكثافة في مؤسسات مصممة لبناء شبكات دولية محافظة. وضخّت ملايين الدولارات في ترسيخ وجود دولي لها من خلال مراكز أبحاث مثل معهد الدانوب"

ركزت هذه المنظمات بشكل أساسي على تعميق التعاون مع الجماعات والباحثين والمثقفين والصحفيين والشخصيات الإعلامية ذات التوجهات المماثلة في الخارج، مع الترويج في الوقت نفسه لرؤية وسياسات الحكومة المجرية المحافظة ثقافيا. وقد برز هذا المسار لبناء التحالفات الدولية بشكل خاص مع الولايات المتحدة بعد اللقاء الأول بين أوربان وترمب في عام 2019.

كما تُعدّ كلية ماتياس كورفينوس مؤسسة تعليمية ضخمة ممولة حكوميا، وتشبه مدرسة لإعداد المثقفين القوميين المحافظين، حيث تستضيف باحثين زائرين من الأوساط اليمينية الأمريكية والأوروبية الغربية. وقد أقام معهد الدانوب تعاونا مع مؤسسة التراث "هيريتدج" الأمريكية ذات النزوع اليميني المتطرف، والتزم في عام 2023 بالتنظيم المشترك لمؤتمر جيوسياسي سنوي، واستضافة باحثين زائرين من المؤسسة لدراسة السياسات المجرية في مختلف المجالات.

كما اتبع مركز الحقوق الأساسية، وهو منظمة غير حكومية مجرية أخرى مدعومة من الحكومة، أجندة صريحة لمواجهة ما يسميه "الصوابية السياسية" و"أصولية حقوق الإنسان"، وساعد في تنظيم أول مؤتمر أوروبي لمنظمة مؤتمر العمل السياسي المحافظ الأمريكية في بودابست عام 2022.

اكتشف المحافظون الأمريكيون نموذج أوربان السياسي في المجر عبر قنوات متعددة متداخلة. فقد زارت شخصيات إعلامية محافظة، أبرزها تاكر كارلسون، بودابست وبثت تغطية إعلامية إيجابية للمجتمع المجري. كما سافرت شخصيات مؤثرة في الوسط اليميني مثل ستيف بانون إلى بودابست للقاء أوربان ودراسة أساليبه، بينما أصبح الزعيم المجري نجما في الأوساط المحافظة الأمريكية، حيث ألقى خطابات في تجمعات مؤتمر العمل السياسي المحافظ، وأقام علاقات مع حركة ماغا وترمب.

" أصبح الزعيم المجري نجما في الأوساط المحافظة الأمريكية، حيث ألقى خطابات في مؤتمر العمل السياسي المحافظ، وأقام علاقات مع حركة ماغا وترمب"

ما يُقدّره هؤلاء، وغيرهم من اليمين الأمريكي، في أوربان هو نسخته المحافظة الجذرية. ففي نظرهم، لا بأس من مركزية السلطة الحكومية في الداخل طالما أنها تُستخدم للحدّ من الهجرة بشدة، وتشويه صورة المهاجرين، ومحاربة الليبراليين، وإعادة تأكيد "القيم التقليدية". وقد أوضح رئيس مؤسسة التراث "كيفن روبرتس" هذه العلاقة بشكل صريح عندما قال: "إن المجر الحديثة ليست مجرد نموذج للحكم المحافظ، بل هي النموذج بحد ذاته. النموذج الذي يمكن للأمريكيين والبريطانيين والإسبان والأستراليين والجميع أن يتعلموا منه، بل يجب عليهم ذلك".

وقد استندت وثيقة مشروع 2025 لمؤسسة التراث، والتي كانت بمثابة مخطط سياسي لإدارة ترمب الثانية، إلى منطق إعادة هندسة المؤسسات كما فعل أوربان، من خلال الاستبدال المنهجي للخدمة المدنية المهنية لصالح موظفين موالين سياسيا، وإخضاع الوكالات المستقلة للسيطرة الرئاسية، وإضعاف الضوابط المؤسسية على السلطة التنفيذية.

يقوم التقارب الفكري بين الأوربانية والترمبية على عدة أسس مشتركة تتجاوز التوافق التكتيكي. فكلا الحركتين مبنيتان على ثنائية النخبة/الشعب، حيث تُقارن المؤسسة الليبرالية الفاسدة والعالمية بالشعب الوطني الأصيل. فلدى كل من أوربان وترمب مفهوم حنيني جامد للهوية الوطنية، يجعل الهجرة والتنوع مرفوضين في تصورهما الأحادي الثقافي والمحافظ للأمة. هذا فضلا عن كونهما شخصيتين مناهضتين "للتنوير"، إذ لا يستند تحليلهما إلى مبادئ علمية وعقلانية في صنع القرار. كما يزدهر في معجم كلاهما أسلوب "ما بعد الحقيقة"، حيث تُشكّل العواطف ونظريات المؤامرة خطابهما السياسي.

كما طوّرت كلتا الحركتين علاقة مميزة بالمسيحية كمورد سياسي. فمن منظور القومية المسيحية، تُعتبر أمريكا أمة مسيحية، منحها الله هبة فريدة. ويرى أتباع هذا النظام العقائدي أن أمريكا الحديثة أصبحت أكثر انحلالا أخلاقيا بسبب ما يعتبرونه اختفاء المسيحية من الحياة اليومية. وهذا يُشكل تشابها واضحا مع نظرة أوربان للمسيحية.

"لدى كل من أوربان وترمب مفهوم حنيني جامد للهوية الوطنية، يجعل الهجرة والتنوع مرفوضين في تصورهما الأحادي الثقافي والمحافظ للأمة"

كما نجد تشابها للبعد المعادي للأوساط الأكاديمية في كلا الحركتين. فكل من أوربان وترمب ينظران إلى الجامعات على أنها معسكر تدريب لليبرالية. في المجر، وضعت الحكومة معظم الجامعات الحكومية تحت سيطرة المقربين المعينين، ورفضت اعتماد مقررات دراسية بعينها، وأجبرت جامعة أوروبا الوسطى، المدعومة من الممول الليبرالي جورج سوروس، على مغادرة البلاد. وقد سبق أوربان في ذلك بسنوات هجمات ترمب على الجامعات باتهامات التحيز اليساري وحجب التمويل الفيدرالي عنها.

يوفر هذا التقارب فوائد سياسية للطرفين، من تبادل الخبرات "السلطوية" إلى تنسيق المواقف في السياسة الخارجية، لاسيما فيما يتعلق بالصراع في أوكرانيا، إلا أن تأثيره الأكثر عمقا وخطورة هو تشكيله للحركة الشعبوية القومية العالمية الأوسع. وفي حال نجح هذا التقارب في شكله الأكثر طموحا – وهو إعادة توجيه مستدامة للثقافة السياسية الغربية بعيدا عن العالمية الليبرالية نحو القومية الحضارية، والحمائية الديموغرافية، والحكم الذي يتمحور حول السلطة التنفيذية، فسيمثل ذلك أهم تحول في النظام السياسي للديمقراطيات المتقدمة منذ انهيار الفاشية في عام 1945.

ومع ذلك ينطوي التقارب على تناقضاته الداخلية، التي تنسحب على عموم الحركة الشعبوية القومية العالمية. حيث يُمكن وصف ما يتبلور بأنه "أرخبيل دولي قومي" محافظ أكثر من كونه حركة موحدة. صحيح أن شخصيات مثل أوربان وترمب وميلوني ولوبان يتشاركون في الميول الخطابية، ويتبادلون التقنيات السياسية، ويتعاونون تكتيكيا ضد المؤسسات الليبرالية متعددة الأطراف. لكن برامجهم الاقتصادية غالبا ما تكون متناقضة، ومصالحهم القومية تتعارض في كثير من الأحيان، وقواعدهم الشعبية المحلية لديها مطالب متضاربة.

اليوم يرحل فيكتور أوربان على السلطة في المجر بعد 16 عاما متصلة في الحكم، وعقدين متفرقين قضاهما على رأس السياسة المجرية. من المبكر التنبؤ بالتغيرات السياسية التي سوف تطال بودابست تحت الحكومة الجديدة، ومدى نجاحها في تجاوز إرث أوربان الجذري. ولكن بعيدا عن المجر نفسها، يمكن لفيكتور أوربان أن يتطلع إلى جواره، وإلى الضفة الأخرى من الأطلسي، وأماكن أخرى حول العالم ليلمس بصماته السياسية الغائرة. وتبقى الحقيقة أن حكم أوربان الطويل لم يغير المجر فقط ولكنه غير العالم كله، ربما بلا رجعة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا