آخر الأخبار

هدنة اللحظة الأخيرة.. كواليس اتفاق وقف إطلاق النار في حرب إيران

شارك

لم يأتِ وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران بوصفه ثمرة مسار تفاوضي هادئ استوى على مهل، بل خرج من رحم ساعة حرجة تداخل فيها التهديد بالمساومة، والوساطة بالضغط، وحسابات النفط بحسابات السياسة.

وتكشف قراءتان في الصحافة البريطانية أن الهدنة لم تكن اختراقا دبلوماسيا صافيا، بقدر ما كانت تسوية اضطرارية في الدقائق الأخيرة، صاغتها رهانات متشابكة وفرضتها حافة الانفجار.

الرئيس الأمريكي نفسه، قبل ساعات من إنذاره العلني، غير واثق من إمكان بلوغ اتفاق، رغم وصفه المحادثات مع الإيرانيين بأنها "جدية جدا"

مهلة التهديد

تعود صحيفة تلغراف بالمشهد إلى ساعاته الأخيرة، إذ بدا وقف إطلاق النار في العلن وكأنه ثمرة مباشرة لإنذار أطلقه دونالد ترمب: فتح مضيق هرمز أو مواجهة جحيم مفتوح.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 تلغراف: هدنة ترمب وإيران انتصار أمريكي بثغرة نووية
* list 2 of 3 هدوء ما بعد وقف الجبهات.. تكتيك حزب الله لإفشال خطط إسرائيل
* list 3 of 3 رسوم عبور هرمز.. عُمان وإيران على طرفي نقيض وأمريكا تطرح مفاجأة end of list

لكنَّ الصحيفة توضح أن تلك الصورة كانت أقل بساطة مما بدت. فقد كان الرئيس الأمريكي نفسه، قبل ساعات من إنذاره العلني، غير واثق من إمكان بلوغ اتفاق، رغم وصفه المحادثات مع الإيرانيين بأنها "جدية جدا".

وبذلك، لم تكن لهجة الحسم التي خرج بها على منصته -في عرض تلغراف- انعكاسا لمسار محسوم بقدر ما كانت جزءا من ضغط اللحظة الأخيرة.

وتشير تلغراف إلى أن ما جرى خلف الستار كان أكثر تعقيدا: ستيف ويتكوف و جاريد كوشنر تحركا بحثا عن مخرج، بالتوازي مع دبلوماسيين باكستانيين، في حين مارست الصين -بحسب ما نقلته الصحيفة عن روايات أمريكية- ضغطا على طهران كي تقبل الصيغة المطروحة في اللحظات الأخيرة.

كما تذكر الصحيفة أن الرسائل تنقلت خلال الأسبوعين السابقين عبر مصر وباكستان وتركيا، في محاولة لتجنب انفجار أوسع يهدد الأسواق ويدفع أسعار الطاقة إلى مزيد من التصعيد.

ما جرى خلف الستار كان أكثر تعقيدا: ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر تحركا بحثا عن مخرج، بالتوازي مع دبلوماسيين باكستانيين

ساعات الحسم

لكنَّ العقدة الرئيسية -كما تعرضها تلغراف- كانت في انعدام الثقة، فقد رفضت طهران قبل ذلك بيوم مقترحا لوقف إطلاق النار، وأبلغت الوسطاء بأنها لا تريد "مجرد هدنة" بل نهاية للحرب مع ضمانات بعدم استئناف الهجمات عليها.

إعلان

كما تنقل الصحيفة أن إيران طرحت خطة من عشر نقاط، تضمنت إنهاء النزاعات في المنطقة، وتأمين المرور في المضيق، وإعادة الإعمار، ورفع العقوبات.

وتقول تلغراف إن واشنطن رأت في الرد الإيراني ما هو "أفضل مما كان متوقعا" وإن لم يبلغ حد الكفاية، مما فتح الباب أمام مزيد من التنقيح وإعادة الصياغة بمساعدة باكستان وبعض الوسطاء الخليجيين.

ما بدا في العلن استجابة لإنذار أمريكي، تكشف كواليسه
سباقا محموما بين الوسطاء قبل لحظة الانفجار

وتضيف تلغراف أن إشارات التشدد والمرونة كانت تتقاطع في لحظة واحدة: ضربات أمريكية على جزيرة خارك الإيرانية، وقصف إسرائيلي لجسور سكك حديدية داخل إيران، في مقابل حديث من داخل البيت الأبيض عن انتقال المزاج من سؤال "هل يمكن الوصول إلى اتفاق؟" إلى سؤال "هل يمكن الوصول إليه قبل الثامنة؟".

ثم قبل ساعات من انتهاء المهلة، أعلنت طهران أنها تنظر "بإيجابية" إلى المقترح الباكستاني، فجاءت الهدنة التي منحت ترمب انتصارا، أو على الأقل مظهر انتصار، في لحظة كان يحتاج إليه بشدة، كما تقول الصحيفة.

مصدر الصورة تضع القراءات باكستان وقائدها عاصم منير في قلب الهدنة وسيطا حاول صياغة مَخرج قبل انقضاء المهلة (أسوشيتد برس)

رهان إسلام آباد

بعد ذلك، تأتي صحيفة تايمز لتفسر خلفية الدور الباكستاني نفسه، إذ ترى أن دخول باكستان على خط الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل محاولة محسوبة لانتزاع موقع على الطاولة الدولية.

وتشير الصحيفة إلى أنه بعد أدوار مارستها سويسرا وقطر وسلطنة عمان في نقل الرسائل أو تقريب المسافات، تقدمت إسلام آباد بمبادراتها، رغم وضعها الداخلي الهش، وتوتر حدودها مع إيران، وانشغالها بجبهة أفغانية مفتوحة.

ومن هذا المنطلق، لا تبدو دعوة رئيس الوزراء شهباز شريف إلى هدنة تمتد أسبوعين وفتح مضيق هرمز -في عرض تايمز- بادرة نيّات حسنة فحسب، بل هي عرض يراد له أن يمنح باكستان صفة الوسيط القادر على إنتاج مَخرج لا مجرد نقل المقترحات.

وتربط تايمز هذا الطموح بتاريخ باكستان نفسه مع الوساطات الدولية. فهي تستحضر تجربة عام 1971، حين أدت إسلام آباد دورا في فتح القنوات بين واشنطن وبكين، من دون أن تنال المكاسب التي كانت ترجوها من الولايات المتحدة في أزمتها مع شرق باكستان.

وتوحي الصحيفة بأن القيادة الباكستانية، وعلى رأسها عاصم منير، قد تكون بصدد إعادة الرهان ذاته: أداء دور مطلوب أمريكيا، على أمل جني عائد سياسي أو إستراتيجي قد لا يتحقق.

مصدر الصورة جاءت الهدنة في حين كانت الضربات ما زالت قائمة، وهو ما يفسر هشاشتها منذ اللحظة الأولى (غيتي)

وساطة جديدة

وتضيف تايمز أن لباكستان أسبابها المباشرة في السعي إلى إخماد الحرب، فهي -بحسب الصحيفة- من أكثر الدول تأثرا بإغلاق مضيق هرمز لاعتمادها على النفط والغاز والأسمدة العابرة منه، كما أن حدودها مع إيران تبقى مضطربة ومثقلة بحساسيات إثنية وأمنية.

ولهذا، فإن تهدئة النزاع ليست بالنسبة إليها -في رواية الصحيفة- مكسبا رمزيا فحسب، بل ضرورة داخلية أيضا.

لكنَّ تايمز تشير في المقابل إلى أن هذه الورقة نفسها قد تنقلب عبئا، فالعلاقة مع إيران ليست مستقرة بما يكفي لبناء ثقة متينة، وارتباط باكستان الدفاعي بالسعودية يجعلها عرضة للانجذاب إلى قلب الصراع إذا اختل التوازن.

تكشف تايمز أن إسلام آباد لم تدخل الوساطة بدافع التهدئة وحده، بل بحثا عن موقع ودور وعائد سياسي

ولهذا تخلص الصحيفة إلى أن ما يمنح إسلام آباد قدرة على الوساطة -أي شبكة علاقاتها الممتدة من واشنطن إلى بكين، ومن الرياض إلى طهران- هو نفسه ما يجعلها أكثر انكشافا إذا تعثرت المساعي.

إعلان

وهكذا، لا تبدو هدنة اللحظة الأخيرة -في ضوء ما تعرضه تلغراف وتايمز- ثمرة اختراق دبلوماسي مستقر، بقدر ما تبدو استراحة فرضتها الضرورة عند حافة الانفجار.

فهي -بحسب ما توحي به المادتان- نتاج توازن هش بين رئيس يلوّح بالقوة، ووسطاء يتسابقون مع الساعة، وإيران تفاوض من موقع الحذر لا الثقة. وما أنقذ الحرب من اتساعها في تلك الليلة لم يكن رسوخ اتفاق، بقدر ما كان خوف الجميع من الذهاب أبعد مما تحتمل المنطقة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا