آخر الأخبار

الهدنة بين واشنطن وطهران.. نحو نهاية للحرب أم استراحة محارب؟

شارك
الوضع ضبابي، فرغم التوصل لاتفاق وقف إطلاق للنار بين إيران والولايات المتحدة، إلى أن هناك الكثير من الأسئلة لاتزال مفتوحة وكل الخيارات ممكنة، وفق خبراء.صورة من: Celal Gunes/Anadolu Agency/IMAGO

جاء إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين في لحظة شديدة التوتر، بعد تصعيد عسكري أثار مخاوف من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة. وبحسب المعطيات المتداولة، يفترض أن تتيح هذه الهدنة فسحة لبدء مفاوضات سياسية خلال الأيام المقبلة، بوساطة لعبت فيها باكستان دورا بارزا .

لكن هذه التهدئة لا تعني بالضرورة أن الطرفين باتا قريبين من اتفاق نهائي. فالمواقف الأساسية ما زالت متباعدة، سواء بشأن البرنامج النووي الإيراني أو حتى حدود سريان وقف إطلاق النار نفسه .

واشنطن: الهدنة إنجاز مرحلي

من الجانب الأمريكي، قدم الرئيس دونالد ترامب الاتفاق على أنه نجاح سياسي لواشنطن، معتبرا أن الهدنة تشكل أساسا قابلا للتفاوض من أجل مرحلة لاحقة. ووفق الرواية الأمريكية، فإن إيران وافقت على فتح مضيق هرمز مؤقتا أمام الملاحة، وهو ما اعتبرته واشنطن خطوة مهمة بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة إلى إمدادات الطاقة العالمية .

وصرح ترامب لوكالة فرانس برس بأن اتفاق وقف إطلاق النار يمثل "نصرا كاملا وشاملا" لواشنطن. وبحسب واشنطن، ستعلق الولايات المتحدة هجماتها على إيران لمدة أسبوعين، وستعيد طهران بدورها موقتا فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي للنفط على مستوى العالم.

وقال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشال" إن طهران وافقت على "الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز". وأوضح الرئيس الأمريكي أن الاتفاق جرى التوصل إليه بعد محادثات أجراها مع قادة باكستان التي لعبت دورا محوريا في الوساطة في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط/فبراير.

كما صرح ترامب لوكالة فرانس برس بأن اليورانيوم المخصب الإيراني "سيتم التعامل معه على أكمل وجه" بموجب الهدنة التي تستمر أسبوعين.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية تحاول تقديم الهدنة على أنها خطوة تمنع مزيدا من التصعيد وتمنح الدبلوماسية فرصة جديدة، بعد مرحلة اتسمت بخطاب شديد اللهجة ومطالب أمريكية مرتفعة السقف.

طهران: وقف الحرب بشروط إيرانية

في المقابل، تتعامل إيران مع الهدنة باعتبارها إجراء مؤقتا يجب أن يقود إلى تفاهم أوسع يأخذ مطالبها في الاعتبار. وتحدثت تقارير عن خطة إيرانية من عشر نقاط طُرحت كأساس لإنهاء الحرب، تتضمن مطالب سياسية وأمنية واقتصادية واسعة .

وبحسب ما ورد في النصوص المتداولة، تشمل هذه المطالب وقفا دائما للهجمات، ورفع العقوبات الرئيسية والثانوية، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، والسماح لطهران بمواصلة تخصيب اليورانيوم، إلى جانب انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ووقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما فيها لبنان .

وتظهر هذه البنود أن طهران لا تنظر إلى الهدنة على أنها تراجع عن مواقفها الأساسية، بل محاولة لترجمة صمودها العسكري والسياسي إلى مكاسب تفاوضية. كما أن إيران تريد، وفق هذه الرؤية، تثبيت دورها في الملفات الإقليمية وعدم حصر التفاوض في الملف النووي وحده .

ورغم ذلك، لا تخلو الرواية الإيرانية من بعض الغموض. فبعض التقارير تحدثت عن استعداد إيراني للالتزام بعدم تصنيع سلاح نووي، بل وعن إمكان فرض قيود تفاوضية على التخصيب، فيما ظهرت نقاط أخرى بصورة مختلفة بين النسخ الفارسية والإنكليزية للطرح الإيراني، وهو ما يعكس أن بعض البنود ما زالت قيد الشد والجذب .

لبنان ومضيق هرمز... نقاط اختبار مبكر

من أبرز التحديات أمام هذه الهدنة مسألتان أساسيتان: لبنان ومضيق هرمز. فإيران تعتبر، وفق ما نُقل عنها، أن وقف إطلاق النار ينبغي أن يشمل أيضا الساحات المرتبطة بالصراع، وفي مقدمتها لبنان. لكن إسرائيل أعلنت بوضوح أن عملياتها ضد حزب الله لا تدخل ضمن الاتفاق .

هذا التباين يضع الهدنة أمام اختبار مبكر، لأن استمرار العمليات العسكرية في لبنان قد يدفع طهران إلى اعتبار التفاهم مهددا أو منقوصا. وقد برز ذلك في تقارير تحدثت عن تهديدات إيرانية بإعادة النظر في الالتزام بالهدنة إذا استمرت الضربات الإسرائيلية .

أما مضيق هرمز ، فيبقى بدوره نقطة حساسة للغاية. فالممر البحري لا يمثل فقط شريانا اقتصاديا عالميا، بل أيضا ورقة ضغط مركزية في يد إيران. لذلك، فإن أي تعثر في التفاهمات بشأن الملاحة أو أي عودة إلى التهديد بإغلاق المضيق قد ينعكس سريعا على أسواق النفط والاقتصاد الدولي .

قدم الرئيس دونالد ترامب الاتفاق على أنه نجاح سياسي لواشنطن، معتبرا أن الهدنة تشكل أساسا قابلا للتفاوض من أجل مرحلة لاحقة.صورة من: Tom Williams/CQ Roll Call/Sipa USA/picture alliance

الهدنة بعيون خبراء ألمان

في المقابل، بدت بعض القراءات الألمانية حذرة إزاء الهدنة، لا سيما ما يتعلق بتسويقها أمريكيا بوصفها نجاحا سياسيا واضحا. الخبير الأمني الألماني نيكو لانغه شكك في جدوى اعتبار الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر أساسا واقعيا للتفاوض، معتبرا أن ذلك "غير قابل للتصديق إطلاقا"، بحسب ما نشر موقع برلينر مورغن بوست الألماني. وبحسب لانغه، فإن قبول واشنطن بهذه الخطة لا يعكس بالضرورة اختراقا دبلوماسيا حقيقيا، بل قد يكون مخرجا سياسيا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الإنذار الذي كان قد حدده بنفسه، من دون أن يظهر بمظهر المتراجع .

ويرى الخبير لانغه أن المطالب الإيرانية المتداولة، مثل السيطرة على مضيق هرمز، والاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، تتعارض بصورة مباشرة مع الأهداف التي أعلنتها واشنطن منذ بداية التصعيد. لذلك، فإن الحديث عن نجاح أمريكي كامل يبدو، في نظره، سابقا لأوانه، فيما تبقى مآلات التهدئة مفتوحة على احتمالات عدة .

ومن جهته، ذهب الخبير العسكري الألماني كارلو ماسالا، الأستاذ في جامعة القوات المسلحة الألمانية في ميونيخ، إلى أبعد من ذلك، بحسب الموقع الألماني إذ رأى أن ما تحقق بعد الهدنة وفتح مضيق هرمز لا يمكن اعتباره نصرا حقيقيا للولايات المتحدة أو إسرائيل. وقال ماسالا إن ما جرى يبدو "أقرب إلى هزيمة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية"، في إشارة إلى الفجوة بين الأهداف التي رفعتها واشنطن في بداية المواجهة، وما أفضت إليه التهدئة حتى الآن.

وتشير هذه القراءات إلى أن البنود الإيرانية المتداولة تتضمن مطالب بعيدة عن الأهداف التي أعلنتها واشنطن في بداية التصعيد، لا سيما في ما يتعلق بالتخصيب ورفع العقوبات والوجود العسكري الأمريكي. ولذلك يرى بعض المحللين الألمان أن الحديث عن “نصر كامل” يبدو مبالغا فيه، وأن ما تحقق حتى الآن هو فقط تأجيل للمواجهة وإتاحة وقت إضافي للتفاوض .

كما يبرز في النقاش الألماني عامل آخر، وهو الخشية من أن يؤدي أي انهيار سريع للهدنة إلى موجة اضطراب جديدة في المنطقة، تنعكس على أسعار الطاقة والملاحة الدولية والاستقرار الأمني الأوروبي .

هدنة مفتوحة على أكثر من احتمال

حتى الآن، لا يمكن الجزم بأن وقف إطلاق النار الحالي يمثل بداية نهاية الحرب. فالمؤشرات المتوافرة توحي بأن كل طرف يحاول استخدام الهدنة لخدمة روايته السياسية: واشنطن تقدمها باعتبارها إنجازا يفتح باب الحل، وطهران تراها محطة لإقرار مطالبها.

ولهذا، فإن نجاح الهدنة لن يتوقف فقط على وقف الضربات لمدة أسبوعين، بل على قدرة الأطراف على معالجة القضايا الأعمق: البرنامج النووي، العقوبات، دور إيران الإقليمي، ومصير الجبهات المشتعلة خارج المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن. وحتى يتضح ذلك، ستبقى الهدنة أقرب إلى استراحة مؤقتة منها إلى سلام فعلي .

تحرير: عبده جميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا