طهران- "حياة يومية شبه طبيعية، وحركة مرور تواصل إيقاعها الظاهري المعتاد، ومحلات مفتوحة"، هكذا تبدو العاصمة الإيرانية قبل ساعات من انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطهران للتوصل إلى اتفاق يتضمن قبول مطالبه لإنهاء الحرب أو القضاء على حضارتها بالكامل.
وبينما يستعد الإيرانيون لإحياء ذكرى مرور 40 يوما على اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي جراء الهجمات الأميركية المشتركة على بلادهم، قامت الجزيرة نت بجولة ميدانية في العاصمة طهران وحاورت عددا من المارة في شوارعها، حيث بدا أن خلف الهدوء الظاهر لدى المواطن العادي يتسلل القلق إلى القلوب من احتمالات تحول التهديد باستهداف البنى التحتية الحيوية إلى واقع ملموس.
في سوق الأسماك بشارع "بعثت" جنوب شرقي طهران، تقول الحاجة فاطمة (65 عاما) إن "حالة من القلق المكبوت والترقب الحذر تثقل كاهلي.. أخشى أن تصاب بلادي بمكروه ولا يمكنني أن أبوح بهذه المشاعر أمام أولادي وأحفادي".
وتضيف في حديث للجزيرة نت، أن قلبها يعتصر حزنا "مع انهيار كل جسر أو سكة حديدية أو طريق عام أو منشآت صناعية أخرى جراء القصف الذي أمسى يتعمد تدمير البلاد"، على حد قولها، مضيفة أن "التهديدات الأمريكية ليست جديدة، لكنها تبدو مختلفة هذه المرة لأننا في خضم حرب شاملة، وأن حديث ترمب عن إعادة إيران للعصر الحجري يزيدنا عزيمة لمقاومة العدوان".
وفي حي نعمت آباد غربي طهران، نلتقي المهندس المعماري سعيد (35 عاما) لدى خروجه من متجر وهو يحمل كيسا من البضائع، فيقول "انظروا لحركة الناس بالشارع.. لا هلع ولا فرار ولا نهب للمتاجر.. إيران قد تكون الدولة الوحيدة من بين الأطراف المتأثرة بالحرب -بشكل أو بآخر- تتوفر فيها السلع الأساسية بكثرة وكذلك الوقود، بالرغم من الجرائم التي يرتكبها العدوان ضد المنشآت المدنية من خزانات وقود والجسور ثم الجامعات والمستشفيات".
وفي حديثه للجزيرة نت، يقول إن الرأي العام العالمي تعوّد على تهديدات ترمب فهو يستخدمها سلاحا للضغط على الآخرين وتحقيق أهدافة، مستدركا أن هذا الأسلوب لن يجدي نفعا مع الإيرانيين، وفق تعبيره، مضيفا أنه يثق بقوات بلاده المسلحة للرد على أي خطوة قد يقدم عليها الثنائي الأمريكي الإسرائيلي وأن تطورات الحرب تسير وفق الخطط التي وضعتها طهران مسبقا.
وفي شارع فدائيان إسلام، يقول بيمان (59 عاما) وهو مزارع، إنه جاء من مدينة آبسرد شرق العاصمة طهران إلى بيت ولده ليبتعد موقتا من بعض المنشآت الحيوية التي قد تُستهدف هذه الليلة، مؤكدا أن المواطن العادي "يخاف أن يكون ضحية لصراع الدول والحكومات".
وأوضح للجزيرة نت، أنه لم يدافع يوما عن النظام الإسلامي الذي جاءت به ثورة 1979 والتي أطاحت بالنظام الملكي، مستدركا أن "شتائم ترمب وإهاناته للإيرانيين وحدت الشعب ورمت بالفعل بالملايين من المعارضين في أحضان الجمهورية الإسلامية".
وقبل أن نختم جولتنا، نحاور المدرّسة فريبا (47 عاما) وهي في طريقها للمشاركة في التجمعات الليلية قرب عتبة "الشاه عبد العظيم الحسني" بقضاء ري جنوب العاصمة، حيث قالت إن أحداث المرحلة الراهنة سوف تلتصق بالمثل القائل "الغريق يتشبث بكل حشيشة" في ذاكرة الإيرانيين، موضحة أن تهديد ترمب بـمحو الحضارة الإيرانية ليس سوى حشيشة يابسة يتشبث بها غريق يظن أنها ستنقذه، لكنها لن تفعل.
وتضيف فريبا -للجزيرة نت- أن "إيران التي تمتد حضارتها لآلاف السنين، لا يمكن أن تعود إلى العصر الحجري كما يهدد ترمب.. نحن لدينا تاريخ من الحضارة والعلم والثقافة، في وقت لم تكن فيه أمريكا موجودة على الخريطة.. أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فلا أريد أن أقول عنه الكثير، فحتى عمر أشجار شارع ولي عصر وسط طهران أطول من عمر احتلاله للأراضي الفلسطينية".
وتابعت فريبا بحماسة، أن "ما يراه العالم اليوم، من سلاسل بشرية تتشكل حول الجسور ومحطات الطاقة، هو تجسيد حي للثقافة والحضارة الإيرانية العريقة"، وقبل أن تغادر المكان، تحرص المدرّسة الإيرانية على توجيه رسالة "نحن لسنا ضد السلام، لكننا ضد الذُل. هذه التجمعات الشعبية المستمرة منذ 40 ليلة هي ردنا العملي على من يظن أن القنابل قادرة على محو هوية شعب.. لن نسمح للأجنبي بأن يكتب نهاية لتاريخ بدأ قبل أن تولد دولته أو كيانه".
تصريحات فريبا تذكرنا باستجابة المئات من الإيرانيين لدعوة الحكومة لتشكيل سلاسل بشرية حول محطات الطاقة، حيث تناولت الصحافة الفارسية اليوم الثلاثاء تقارير عن احتضان المواطنين عددا من المنشآت الحيوية بما فيها الجسور ومحطات إنتاج الطاقة في مدن تبريز ودماوند وقزوين والأهواز وكازرون.
ومن بين المستجيبين للدعوة الرسمية، كان الفنان الإيراني علي قمصري، الذي اختار شكلا مختلفا لحماية محطة دماوند شرق العاصمة طهران، حيث جلس علی حصيرة وبدأ يعزف على آلة "التار" الفارسية التقليدية، وقال في شريط مصور "آمل أن يكون صوت التار قادرا على التأثير على السلام، والمساعدة في بقاء الأضواء في المنازل مضاءة".
وعلى ضوء هذا المشهد، الذي يجمع بين الفن والسياسة والمقاومة السلمية، يتفاعل الإيرانيون عن كثب مع تطورات الحرب، إذ اعتبر الباحث المختص في النزاعات الإقليمية مصطفي نجفي، تهديد البنى التحتية بأنه "الخط الأحمر الذي قد يدخل الحرب فصلا جديدا لا رجعة فيه"، موضحا أنه في حال حدوث شلل كامل للحياة المدنية، حينها لن تلتزم طهران بقواعد الاشتباك السابقة.
وفي تحليل كتبه على قناته بمنصة إكس، حذر نجفي من أن استهداف البنية التحتية الحيوية سيحدث تحولا جوهريا في حسابات طهران الإستراتيجية، ما قد يؤدي إلى تدمير واسع للبنى التحتية في إسرائيل والمصالح الأمريكية إلى جانب تلغيم مضبوط بمضيق هرمز، قبل أن يمتد التوتر ليشمل مضيق باب المندب، مما قد يضع المنطقة بأكملها على حافة الهاوية.
أما أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة خوارزمي يد الله كريمي بور، فيرى أن الإيرانيين أصحاب ذاكرة ثأرية لا ينسون الإساءة ولا يغفرونها بسهولة، مستذكرا أنه رغم مرور 2300 سنة على هجوم الإسكندر المقدوني، ما زال الإيرانيون يسمونه "الملعون" على حد تعبيره، مؤكدا أن هذا التقليد الطويل في حفظ الضغائن، يشير إلى أنه "حتى لو بقي إيراني واحد على وجه الأرض سيتربص بالعدو ولن يضيع الفاتورة".
في قراءة تاريخية لسيكولوجية الشارع الإيراني، يشير الأكاديمي إلى مفارقة لافتة "على الرغم من مرور 47 عاما من الخطاب المناهض لأمريكا من قبل النظام الإيراني، إلا أن غالبية الإيرانيين، حتى وقت قريب، لم تكن لديهم صورة شؤم عن الأمريكيين"، لكنْ ما يفعله ترمب الآن، يعيد تعريف العلاقة بين بلاده والشعب الإيراني.
وفي تعليق له تناولته الصحافة الفارسية، يخلص كريمي بور إلى أن ترمب يكتب اسمه بحروف من نار في قائمة "أعداء إيران الخالدين" بجوار الإسكندر المقدوني والمغول، لكنْ مع مفارقة أنه سيكون أول من يحوِّل صورة أمريكا في الوجدان الإيراني من "حياد نسبي إلى عداوة تأسيسية" بفعل تهديداته المباشرة للحضارة والبنية التحتية.
الحياة تعود إلى طبيعتها في العاصمة طهران (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة