في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- حملت رائحةُ الكعك المنبعثة من غُرف النازحين في معهد الأمل للأيتام (وسط مدينة غزة) ذكريات حزينة للطفلة غزل الكباريتي (11 عاما)، وقد أعادتها إلى زمن كان لها فيه عائلة وبيت، لم يبقَ منهما أثر.
تُلخص الناجية الوحيدة من عائلتها في حرب الإبادة شعورها مع قدوم العيد بلا عائلة، وتقول للجزيرة نت "لا عيد"، فالعيد عندها لم يكن سوى صوت والدها، وضحكات أمها، وعيدية أخيها الكبير، ومنزلهم الذي كان مضافة تعج بجلسات العائلة، قبل أن تدمره الغارة بمن فيه.
وفي 29 يناير/كانون الثاني 2024 استهدفت غارة إسرائيلية مكان نزوح عائلة الطفلة الفلسطينية في حي الرمال وسط مدينة غزة وأدت إلى استشهاد أكثر من 20 فردا، من بينهم والداها وأشقاؤها الأربعة.
تسترجع الطفلة ذكريات الأعياد السابقة، وتعود لعالمها الذي صارت فيه "وحدها"، فلا ملابس جديدة هذا العام، ولا كعك، ولا عادات، تقول غزل "حين نمتلك المال، نختار أن نشتري به طعاما حتى نُفطر".
تعيش غزل اليوم في كنف جدتها لوالدتها، وهي امرأة مسنة تحمل الجنسية المصرية، تحاول أن تعوضها بما تستطيع. تقول الجدة للجزيرة نت "ليس لدي ما أقدمه لحفيدتي سوى حضني، أشعر بالعجز".
تماما كما وجدت نيبال حلايسة (17 عاما) نفسها فجأة في موقع لم تختره، فصارت ربة بيت وأُما بديلة تحمل عن أمها الراحلة تفاصيل الحياة اليومية، تبدأ نيبال حديثها مع الجزيرة نت: "أنا يتيمة الأب والأم، ومع أني أكره هذه الكلمة، لكني أجبرت على قولها".
واستشهد 4 من أفراد عائلة حلايسة في 29 أبريل/نيسان 2025، إثر استهداف منزلهم في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.
لم تعد نيبال تنتظر العيد كما كانت تفعل، ولا تفكر بعيدية أو ملابس جديدة، بل كيف تمنح إخوتها الأربعة ما تبقى من شعور العائلة والعادات التي اعتادوها في المناسبات.
تقول: "كل شيء كانت تقوم به أمي أقوم به أنا الآن: أنيمهم، وأسحرهم، وأغسل لهم، وأطهو لهم"، تفتح كيسا حملته بيديها قبل أن تكمل وتقول: "حتى كسوة العيد الآن اشتريتها لهم".
تحمل نيبال مسؤولية بيت صغير، وأخوين صغيرين يحتاجان إلى حضن دافئ، وآخرين كبيرين لهما متطلبات من الرعاية والاهتمام.
ورغم محاولتها الدؤوبة للقيام بالدور الذي صار شاغرا برحيل أمها، فإنها تعجز عن أداء بعض العادات. تقول "لا أُجيد طبخ الفسيخ (السمك المملح) الذي كانت أمي تبدع به ولا المعمول"، تتبسم برضا، ثم تضيف "سأطلب من جارات الإيواء المساعدة".
وخلف التماسك الذي تتحدث به الفتاة وجعٌ كشفته كلماتها: "أنا وحيدة بلا أخوات حتى أفضفض لهن، لا أعرف النوم من شدة التفكير"، وتختم بيقين موجع "الأهل ما بتعوضوش".
في الغرفة المجاورة لمنزل نيبال، ترعى أم حسام 3 من أحفادها بعد فقدانهم والديهم، تقول للجزيرة نت: "لا يطلب الأولاد شيئا إلا أمهم وأباهم، يكتفون بالبكاء كلما شاهدوا أحدا يجهز للعيد".
ومع تراجع المساعدات واشتداد الضيق المعيشي، تعجز كثير من العائلات البديلة في قطاع غزة عن توفير أبسط ما كان يُعد بديهيا في العيد.
تقول أم حسام "لا يتوقف الأطفال عن الحديث عن أعياد الماضي، هم من يذكرنا لا نحن".
في معهد الأمل للأيتام، بغزة، الذي تأسس قبل 77 عاما، تغيرت طبيعة العمل بالكامل منذ بدء الحرب، فبعد أن كان يستقبل الأطفال بشكل فردي، فرض النزوح واقعا جديدا، حيث اختلط الأيتام بآلاف النازحين، وأصبحت الخدمات موجهة للأسر كاملة.
يقول مدير المعهد نضال جرادة، للجزيرة نت، إن قرابة 300 يتيم يقيمون مع أسرهم في غرف محدودة المساحة، في بيئة فقدت خصوصيتها مع تكدس النازحين.
ويلفت إلى أن نحو 47 ألف يتيم جديد سُجلت أسماؤهم لدى المعهد خلال حرب الإبادة، فيما يتراوح العدد الإجمالي للأيتام في قطاع غزة بين قديم وجديد ما بين 65 و70 ألف طفل، من بينهم أكثر من 4 آلاف فقدوا والديهم معا، وأكثر من 3 آلاف فقدوا أمهاتهم.
ويقول جرادة إن الاحتياج "أكبر من قدرة أي مؤسسة"، مشيرا إلى أن الأطفال يعيشون تحت ما يسميها "متلازمة التهديد المستمر"، حيث طفولة بلا أمان ولا احتضان ولا مستقبل.
وفي حين يُفترض أن يكون العيد مساحة فرح للأطفال، يرى جرادة أنه تحول إلى "استدعاء مؤلم للذاكرة"، إذ يعيد إلى أذهانهم صورة العيد بتفاصيله التي باتت غائبة عن آلاف الأطفال.
وفي هذا السياق، قابلت الجزيرة نت المختصة النفسية صفاء حجازي التي قالت إن أيتام الأبوين أكثر عرضة لمشاعر متناقضة تجعلهم غير قادرين على التمييز بين الفرح والحزن.
وتضيف "الطفل حينما يفقد أبويه معا، ينقطع حبل الأمان كله"، وتوضح أن كثيرا منهم يعاني كوابيس وفرط يقظة ونوبات غضب وشعورا بالذنب عند محاولة الفرح، إذ يشعر أحدهم بالذنب "لمجرد محاولته الفرح".
وترى أن الفراغ الذي تتركه عادات العيد يزيد من هذا الاحتقان، لكن وجود بيئة آمنة والاعتراف بمشاعر الأطفال يمكن أن يخفف أثر الصدمة.
وأسفرت حرب الإبادة التي بدأها الاحتلال على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عن استشهاد 72 ألف فلسطيني وإصابة نحو 172 ألفا آخرين، معظمهم أطفال ونساء، وفق معطيات رسمية فلسطينية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة