في وقت تتصاعد فيه التوترات بالشرق الأوسط، وتتواتر تقارير إعلامية عن غزو أمريكي وشيك ومتعدد الجوانب لأراضٍ إيرانية، كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية نقلاً عن مصادرها، أن هذه التقارير في تقديرها "مبالغ فيها" ولا تعكس الخطط العسكرية الفعلية للولايات المتحدة في المرحلة الراهنة.
فبينما تداولت وسائل إعلام أنباء عن تحضيرات أمريكية لاجتياح واسع يشمل عملية عسكرية للاستيلاء على مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60% في منشآت نووية قرب أصفهان، ترجح المعلومات المتوفرة للصحيفة سيناريو مغايراً.
ورجحت الصحيفة في تقرير لها، أن استخدام القوات البرية الأمريكية لا يزال احتمالاً قائماً بشكل أو بآخر، إلا أن فكرة "الغزو واسع النطاق" أو تنفيذ "مهمة ممتدة" في منطقة أصفهان لاستعادة المواد النووية، غير مطروحة على الطاولة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الأهداف العسكرية الأمريكية المعلنة في إيران تركزت باستمرار على تحييد التهديدات المرتبطة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والقوات البحرية، وليس بالضرورة الاستيلاء على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
وقد ساهمت واشنطن، التي شنت حوالي 7000 هجوم منذ 28 شباط/فبراير، في ضرب مواقع تابعة للحرس الثوري الايراني، لكنها تركت جزءاً كبيراً من الاستهداف للجيش الإسرائيلي.
ويمثل الوضع النووي الإيراني معضلة رئيسية، فبعد حرب حزيران/يونيو 2025، برز تهديدان نوويان رئيسيان: الأول هو وجود أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% مدفون تحت أنقاض المنشآت التي قصفتها إسرائيل، والثاني هو منشأة "جبل بيكاكس" النووية المحصنة.
ولم يقدم الجيش الإسرائيلي أي تأكيدات حول كيفية أو موعد التعامل مع هذين التهديدين قبل انتهاء الحرب. وبينما أعربت أوساط إسرائيلية عن أملها في تدخل أمريكي للاستيلاء على اليورانيوم أو تحييده، كشفت التحليلات اللاحقة عن صعوبة ذلك، حيث قد يستغرق انتشال اليورانيوم من تحت الأنقاض أياماً وليس ساعات.
وعلى النقيض من تدخل القوات الخاصة الأمريكية في فنزويلا في كانون الثاني/يناير الماضي، الذي استغرق بضع ساعات فقط، فإن أي عملية ممتدة لانتشال اليورانيوم من تحت الأنقاض ستعرض القوات الأمريكية لمخاطر غير مسبوقة على الأرض، حتى في ظل التفوق الجوي الذي تتقاسمه إسرائيل والولايات المتحدة.
على الرغم من نفي وجود خطة غزو وشيكة، لفتت الصحيفة إلى حالة من الغموض تسود الموقفين الرسميين الأمريكي والإسرائيلي، حيث امتنع الطرفان عن الإدلاء بتصريحات واضحة تستبعد نهائياً خيار الاستيلاء على اليورانيوم.
في سياق متصل، أظهرت بيانات تتبع الملاحة البحرية، التي نقلتها شبكة CNN، اقتراب سفينة الإنزال البرمائي الهجومية الأمريكية "يو إس إس تريبولي" من مضيق ملقا، في طريقها إلى الشرق الأوسط.
ويُعتقد أن السفينة تحمل آلاف المارينز من وحدة المشاة البحرية الحادية والثلاثين (MEU)، وهي قوة انتشار سريع قوامها 2200 فرد، مدربة على عمليات الإنزال من البحر والاقتحام والعمليات الخاصة.
ورأت الصحيفة أن تحريك هذه القوة لا يعني بالضرورة وجود خطة غزو وشيكة، إذ يمكن استخدامها في سيناريوهات متعددة، أو قد تكون جزءاً من خطة طوارئ قد لا تُنفذ أبداً.
كشف التقرير عن توزيع غير متكافئ للضربات العسكرية؛ حيث ركزت الولايات المتحدة هجماتها على جنوب إيران لتفكيك القدرات البحرية للنظام، مستهدفة أكثر من 100 سفينة حربية إيرانية في موانئ مثل تشابهار، في محاولة لمواجهة تهديد إغلاق مضيق هرمز. في المقابل، ركزت إسرائيل ضرباتها على غرب إيران ومنطقة طهران، بينما كانت الهجمات في الشرق أقل كثافة.
وتعمل القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بشكل وثيق مع إسرائيل وفقاً لتقاريرها، بهدف تفكيك صناعة الدفاع الإيرانية وسلاسل التوريد، لإطالة أمد قدرة النظام على إعادة بناء ترسانته الصاروخية بعد الحرب.
على الصعيد النووي، رأت الصحيفة أن هناك عاملاً مطمئناً يتمثل في فشل الإيرانيين أنفسهم في الوصول إلى اليورانيوم المخصب خلال الأشهر الثمانية الماضية، خاصة مع تدمير أسطول أجهزة الطرد المركزي (الذي كان يضم 20,000 جهاز) ومختبرات الأسلحة في حزيران/يونيو 2025.
ووفق التقديرات، قد يستغرق الأمر عامين قبل أن يشكل هذا اليورانيوم خطراً حقيقياً، إلا في حال تمكنت إيران من نقله إلى منشأة "جبل بيكاكس" الجوفية، والتي قد تكون بعيدة عن متناول حتى القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات، والبدء في إعادة بناء برنامجها النووي هناك.
وانطلقت العمليات العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل ضد أهداف في إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، في تصعيد غير مسبوق أسفر عن سقوط مئات القتلى، تصدرهم المرشد الإيراني السابق علي خامنئي الذي لقي حتفه في الأيام الأولى للحرب، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الأمنيين أبرزهم علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وفي المقابل، تواصل طهران شن هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ باتجاه الأراضي الإسرائيلية، إضافة إلى استهداف مواقع تقول إنها "مصالح أمريكية" في عدة دول عربية.
المصدر:
يورو نيوز