آخر الأخبار

الجزيرة نت ترافق أحد سكان طهران وترصد الحياة اليومية فيها

شارك

طهران- في شقة متواضعة بحي "صفائية" جنوب شرقي طهران، دقّت ساعة الحائط عند الساعة السادسة والنصف صباحا، مع عودة ضجيج المقاتلات وهدير الصواريخ، حيث لم يعد بشير بحاجة إلى المنبه للذهاب إلى عمله حيث اعتاد الاستيقاظ مبكرا على دوي الانفجارات المتتالية واهتزاز زجاج النوافذ.

وصبيحة اليوم الخامس من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران، رافقت الجزيرة نت بشير بعد أن أغلقت المكاتب الإدارية أبوابها بسبب الحرب وتوقُّفه عن الدوام، صار يُسرع خلال الساعات الأولى من النهار إلى مخبز الحي لشراء الخبز للإفطار خشية ازدحامها خلال ساعات العصر.

واقترح بشير (49 عاما) القيام بجولة في أحياء العاصمة التي طالما أحبها منذ أن هاجر إليها قبل أكثر من عقد قادما من مدينة عبادان الواقعة جنوب غرب البلاد، مضيفا أنه قرر العودة إلى مسقط رأسه بعيد هجوم صباح السبت الماضي، لكنه أجّل قراره بسبب الأزمات المرورية الخانقة وشدة القصف المتواصل على المحافظات الجنوبية القريبة من المياه الخليجية.

مصدر الصورة بشير يشتري الخبز صباحا خشية ازدحام المخابز خلال ساعات العصر (الجزيرة)

جولة ميدانية

وفي طريقنا إلى سوق طهران الكبير القريب من عمله، وقفنا أمام جامع "أرك" الذي تضرر بسبب موجات انفجارية ناتجة عن قصف مقرات مجاورة تابعة للشرطة والسلطة القضائية ومبنى آخر تابع لإذاعة طهران، فتذكّر الأيام التي كان يتردد إليه لإقامة الصلاة.

ورغم أن شوارع العاصمة أضحت شبه فارغة هذه الأيام إثر مغادرة الملايين من سكانها، فإننا مررنا بأزمات مرورية عند الحواجز الأمنية التي أقامتها قوات التعبئة الشعبية ( الباسيج) في بعض الشوارع الرئيسية والساحات العامة.

وفي محطة الوقود، استذكر بشير الأيام والساعات الأولى من الهجوم حيث اصطفت السيارات في طوابير طويلة، وأوضح أنه قضى في اليوم الثاني من الحرب نحو أكثر من ساعة لتعبئة حصته البالغة 40 لترا من البنزين يوميا، أما اليوم فاختفت تلك المشاهد نهائيا من محطات الطاقة.

مصدر الصورة نبض الحياة مستمر وسط طهران رغم الحرب المتواصلة (الجزيرة)

وأشار إلى أن الملل بدأ يتسرب إليه بعد أن أُجبر على البقاء في شقته الصغيرة يقضي جُل وقته في متابعة تغطيات المحطات الإخبارية عن تطورات الحرب في ظل انقطاع شبكة الإنترنت منذ اليوم الأول من الهجوم على بلاده وإغلاق المدارس أبوابها، مستدركا أن وزارة التعليم أعلنت عن عودة التعليم الافتراضي بدءا من يوم السبت المقبل في ربوع البلاد، و"هو قرار كفيل بتحويل غرف النوم وصالات المعيشة إلى فصول دراسية".

إعلان

فجأة، هزّت انفجارات قوية مناطق في شرق المدينة وشمال شرقها فانكسر هدوء الساعة الرابعة عصرا، وأخرج بشير رأسه من نافذة السيارة محدّقا في السماء لمشاهدة أعمدة الدخان المتصاعد، لكنّ ما لفت انتباهه لم يكن الانفجارات بحد ذاتها، بل ردود فعل المارة.

مصدر الصورة آثار القصف على العاصمة طهران (الجزيرة)

اعتياد

وقال إن هدير الصواريخ وضجيج المقاتلات كان يثير الرعب لدى الإيرانيين خلال الأيام الأولى للحرب، فيركض العديد منهم بحثا عن مكان آمن. أما اليوم، فيرفع الجميع رأسه إلى السماء ليرى أين سقطت القنابل هذه المرة. وأضاف بحسرة "السلطات حددت عشرات محطات المترو والمرائب كملاجئ، لكنّ الناس لا تذهب إليها. ربما لأنهم أدركوا أنه لا مكان آمن تحت القصف بقنابل غير تقليدية".

ورغم ذلك، يشتكي من غياب أي نظام إنذار يحذر السكان قبل الغارات، مبينا "لا صفارات إنذار، ولا تحذيرات. فجأة تسمع دوي الانفجار وكأنه تحت قدميك مباشرة". لكنّ الأكثر إيلاما، كما يتابع، هو التحول النفسي الذي يراه في عيون الناس من حوله.

وأكمل بشير "صوت القصف الذي كان يملؤنا رعبا قبل أيام، بدأنا نعتاد عليه. وهذا هو أكثر ما يخيفني أن نعتاد على الموت ومشاهد الدمار كأنها جزء من روتيننا اليومي"، وسرعان ما يستدرك أن أصوات الانفجارات والغارات لا تزال تثير الرعب والهلع في القلوب خاصة لدى الأطفال والنساء.

مصدر الصورة بشير قال إن الحرب غيرت روتينه اليومي بشكل جذري (الجزيرة)

وفي طريق العودة، ركن سيارته على قارعة الطريق لاقتناء بعض من الفاكهة والبصل والبطاطا، ولفت إلى أن الأسعار هنا تبدو مناسبة مقارنة مع العديد من المحال التجارية التي استغلت تطورات الحرب لرفعها.

وفي مطبخ بيته، فتح بشير حنفية الماء لتخزين كمية بسيطة منه على غرار اقتنائه كميات من الخبز المجفف استعدادا لأي طارئ، وقالت زوجته أم صوفيا، إن "مهمتي الرئيسية هنا أصبحت حساب الكميات، كم تكفينا تلك المتوفرة لدينا من المواد الغذائية في حال تدهورت الأمور، وكم يوما يمكن أن نعيش على المعكرونة والأرز والمعلبات؟".

مصدر الصورة إثر خروج الملايين من طهران أضحت شوارعها شبه فارغة تحت وابل القصف (الجزيرة)

هجرة إجبارية

وفيما تحزم صوفيا حقيبة الطوارئ بدلا من حقيبة المدرسة، وتضع فيها ما تحتاجه من كمامات وزجاجة ماء وبطانية خفيفة وكميات بسيطة من الأدوية، تختار كتبا وتضعها في حقيبة مماثلة، استعدادا لهجرة إجبارية في زمن الحرب، التي تراها تقترب مع تصعيد القصف الذي كان يركز على المناطق الجبلية خلال الأيام الماضية وراح يقترب شيئا فشيئا من المناطق السكنية.

وقبيل مغادرتنا منزله، قال بشير إن الحرب غيرت الروتين اليومي بشكل جذري، فلم يعد همه الوصول إلى محل العمل في الوقت المحدد، بل كيفية الوصول بالعائلة إلى بر الأمان، وكيف يؤمّنون رصيد الإنترنت من خلال شراء برمجيات تخطي الحجب باهظة الثمن لمواكبة الأخبار والتواصل مع الأقارب، بعد أن شلت الإنترنت الوطنية شبكات التواصل.

وتابع "في العاصمة التي اعتادت على صخب الحياة، تحولت هموم المواطن من مطالب الإصلاح والتغيير إلى معركة البقاء على قيد الحياة تحت وطأة القصف. فمع استمرار الغارات تبدأ العائلات بتخزين المؤن الأساسية لأننا لا نعلم إلى متى سيستمر هذا الوضع، ونخشى نفادها"، ویأمل ألا يستمر هذا الوضع طويلا.

إعلان

غادرنا بيته نتأمل كلماته التي تختصر المشهد في البلاد تحت وابل الصواريخ، مزيج من الفوضى والتنظيم الذاتي، خوف وأمل، وتضامن شعبي يحاول ملء الفراغ الذي فرضته الحرب. ففي الطوابير أمام المخابز أو محطات البنزين، وفي الفصول الدراسية الافتراضية أو في الزحام على مخارج المدينة، يحاول السكان أن يجدوا لأنفسهم مكانا آمنا تحت سماء لم تعد آمنة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا