آخر الأخبار

الملف النووي السوري.. السرّ الذي حسم قرار اغتيال عماد مغنية

شارك

هل حوّل الملف النووي السوري اغتيال عماد مغنية من خيار مؤجّل إلى قرار عاجل عام 2008؟

لم يكن اغتيال القيادي العسكري البارز في حزب الله عماد مغنية في دمشق عام 2008 حدثا عابرا في سجل الصراعات الاستخباراتية في المنطقة، بل شكل محطة مفصلية أعادت فتح ملفات قديمة وأطلقت سيلا من الروايات المتقاطعة. فمنذ ذلك اليوم، توالت التحقيقات والتقارير في صحف عالمية كبرى تناولت تفاصيل العملية، وآلية التفجير، وطبيعة التنسيق الاستخباراتي بين تل أبيب وواشنطن، إضافة إلى الاختراق الأمني الذي طال رجلا لُقب بـ"الشبح" و"الثعلب" بسبب قدرته الاستثنائية على الإفلات من ملاحقة عدد كبير من أجهزة الاستخبارات حول العالم.

غير أن اسم مغنية لم يدخل دائرة الاستهداف فجأة في عام 2008. فقد كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك في مقابلات سابقة أن إسرائيل، بعد عام 2000، كانت قد طورت تصورا استخباراتيا واضحا عنه، بل وتم رصده في إحدى المرات، إلا أن القرار اتخذ حينها بعدم تنفيذ عملية اغتيال. وهذا المعطى يطرح تساؤلا جوهريا: إذا كانت الفرصة قد سنحت في وقت سابق ولم يُحسم الخيار، فما الذي استجد لاحقا وجعل قرار التصفية يحظى بأولوية قصوى؟

هل مهدت "ضربة الظل" لإغتيال مغنية؟

هنا تحديدا تأتي رواية الصحافي الإسرائيلي يعقوب كاتس في كتابه الصادر عام 2019 "ضربة الظل" (Shadow Strike)، والتي لا تتوقف عند تفاصيل الاغتيال بحد ذاته، بل تربطه بسياق استراتيجي أوسع سبق العملية بعام واحد فقط، وهو قصف المفاعل النووي السوري في دير الزور. ومن خلال هذا الربط، يبرز السؤال المركزي الذي يطرحه الكتاب ضمنا: هل كان تدمير المفاعل هو التحول الذي نقل مغنية من هدف مؤجل إلى هدف لا يمكن تأخير تصفيته؟

مصدر الصورة حمل المشيعون لافتات تحمل صور القائد البارز في حزب الله، عماد مغنية، خلال موكب جنازته في ضاحية جنوبية من بيروت، لبنان، يوم الخميس 14 فبراير/شباط 2008. Nasser Nasser/AP2008

مشروع نووي في عمق الصحراء

بحسب ما يورده كاتس، بدأت القصة عندما كشف الموساد وجود منشأة نووية سرية في منطقة الكُبَر بدير الزور، على ضفاف نهر الفرات. المنشأة، وفق المعلومات التي جُمعت، صُممت على غرار مفاعل كوري شمالي لإنتاج البلوتونيوم، ما يضعها في إطار عسكري لا مدني.

الاكتشاف جاء نتيجة اختراق حاسوب مدير هيئة الطاقة الذرية السورية، حيث عُثر على صور وملفات أظهرت طبيعة المشروع والتعاون التقني مع كوريا الشمالية. ويشير الكتاب إلى أن دائرة العلم بالمشروع كانت ضيقة للغاية، ومحصورة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد ومحمد سليمان، المستشار الأمني والعسكري الرفيع للأسد، والذي وُصف بأنه "كاتم أسرار" القصر الجمهوري.

ويعزز كاتس فرضية أن سوريا لم تكن قادرة ماليا على تمويل مشروع بهذا الحجم، ما يرجح وجود دعم إيراني، ضمن تصور يقوم على إنشاء مسار نووي سوري مواز، بحيث ينشغل المجتمع الدولي بالملف الإيراني بينما يتقدم المشروع السوري بعيدا عن الأضواء.

مصدر الصورة أنصار حزب الله يسيرون خلف نعش عماد مغنية، القائد البارز للحزب، خلال موكب جنازته في جنوب بيروت، لبنان، يوم الخميس 14 فبراير/شباط 2008. Mohammed Zaatari/AP

عماد مغنية.. التنسيق والحلقة المفصلية

في هذا السياق، يضع كاتس اسم عماد مغنية في قلب المعادلة. فبحسب شهادات جمعها، كان مغنية على تنسيق مباشر مع محمد سليمان، وجرى التوصل بعد حرب تموز 2006 إلى قناعة بضرورة إنشاء مشروع نووي سوري يكون رادعا لإسرائيل ويمنح النظام في دمشق مظلة استراتيجية تحميه من أي محاولة إسقاط أو حتى إستهداف.

بهذا المعنى، لم يكن المشروع مجرد منشأة معزولة في الصحراء، بل جزءا من رؤية أوسع لإعادة صياغة ميزان القوى في المنطقة، عبر توزيع المسارات النووية بين إيران وسوريا، بما يربك الحسابات الإسرائيلية ويعقد خيارات الرد.

من واشنطن إلى الضربة الجوية

عندما تأكدت إسرائيل من طبيعة المشروع، نقل رئيس الوزراء آنذاك إيهود أولمرت الملف إلى واشنطن، فأوفد رئيس الموساد مئير داغان لعرض الأدلة على نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ومسؤولين آخرين. لاحقا، تواصل أولمرت مباشرة مع الرئيس الأميركي جورج بوش طالبا تنفيذ ضربة أميركية ضد الموقع، في رهان على أن تنفيذ العملية من قبل واشنطن سيزيل التهديد من دون أن تتحمل إسرائيل تبعات المواجهة.

إلا أن الإدارة الأميركية لم تكن موحدة الموقف، لينتهي القرار بعدم تنفيذ ضربة أميركية، وترك المجال أمام إسرائيل للتحرك منفردة.

في أيلول 2007، نفذت إسرائيل الغارة التي دمرت المفاعل بالكامل، مع التزام سياسة الصمت لتفادي دفع سوريا إلى رد عسكري قد يشعل مواجهة واسعة.

مصدر الصورة صورة القائد العسكري لحزب الله الراحل عماد مغنية، كُتب عليها باللغة العربية: "حاج فلسطين"، لبنان، يوم الجمعة 13 أكتوبر/تشرين الأول 2023. AP Photo

من تدمير المنشأة إلى تصفية العقول

يرى كاتس أن الضربة الجوية لم تكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة أكثر حساسية. فالمفاعل دُمر، لكن الأشخاص الذين خططوا ونسقوا وساهموا في المشروع بقوا في مواقعهم. ومن هنا، يضع الكتاب اغتيال عماد مغنية في شباط/فبراير 2008 ضمن سياق استكمال العملية، وليس كحدث منفصل.

وبعد نحو ستة أشهر، اغتيل محمد سليمان في عملية نسبت إلى وحدة كوماندوس بحرية إسرائيلية. ويعرض كاتس ترتيب الاغتيالين باعتباره نتيجة حساب استخباراتي دقيق؛ إذ إن استهداف سليمان أولا كان سيمنح مغنية مؤشرا واضحا إلى أن إسرائيل تستهدف كل من له صلة بالمشروع النووي السوري، ما كان سيدفعه إلى الاختفاء وتشديد إجراءاته الأمنية، وهو ما كان سيصعب الوصول إليه. لذلك، جاء القرار بتصفية مغنية أولا، ثم سليمان، لإغلاق الدائرة بالكامل ومنع أي احتمال لإحياء المشروع مستقبلا.

إعادة قراءة عام 2008

بهذا الربط، يتحول اغتيال مغنية من عملية تصفية مؤجلة إلى حلقة في معركة استراتيجية أوسع بدأت بكشف مشروع نووي سري، مرّت بمحاولة إقناع واشنطن بقصفه، وانتهت بضربة جوية ثم باغتيالات استهدفت الشبكة المرتبطة به.

ومن هنا يعود السؤال الذي ظل معلقا منذ تصريحات إيهود باراك: إذا كانت إسرائيل قد رصدت مغنية بعد عام 2000 وامتنعت عن اغتياله، فهل كان المشروع النووي السوري هو العامل الذي حوّل القرار من خيار مؤجل إلى ضرورة ملحة في عام 2008؟

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا