رام الله- تزامنا مع تصاعد وتيرة التهديد والتشريعات الإسرائيلية بضم الضفة الغربية المحتلة وفرض السيادة عليها، تشهد الضفة تزايدا ملحوظا في عمليات الشرطة الإسرائيلية، بما في ذلك تنفيذ عمليات اعتقال لفلسطينيين وتفتيش منازل ومصادرة ممتلكات بذرائع "أمنية".
واعتاد فلسطينيو الضفة على اقتحامات الشرطة واعتقال فلسطينيين في شبهات جنائية، لكن منذ إعلان حالة الطوارئ وبدء حرب الإبادة على غزة باتت الشرطة تتعقب الفلسطينيين وتلاحقهم في مناطق تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي بذريعة "التحريض"، ولوحظ تزايد هذه العمليات تزايدا ملحوظا خلال الأشهر الأخيرة.
واعتاد الفلسطينيون -منذ إقامة السلطة الفلسطينية عام 1994 وبعد إعادة احتلال الضفة الغربية في اجتياحات 2002- أن يتولى جيش الاحتلال وجهاز المخابرات تعقب الفلسطينيين واعتقالهم لأسباب يصنفها الاحتلال "أمنية" تتعلق بمقاومته، ومنها ذريعة "التحريض"، لكن الجديد دخول الشرطة على خط الملاحقة، بعد أن كان عملها في الضفة يقتصر على مدينة القدس المحتلة.
بشكل شبه يومي، تنشر الشرطة الإسرائيلية بيانات عن عملياتها بالضفة، وكان آخرها توقيف إمام مسجد من الخليل بـ "شبهة التحريض ودعم الإرهاب"، وذلك بعد رصد "منشورات وتصريحات له في الأشهر الأخيرة تدعو لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل وتدميرها".
ومنها اعتقال شبان بذريعة "نشر مواد تحريضية تمجد قادة حماس وتصف أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول (بعد مرور عامين عليها) بأنها زلزال إستراتيجي"، وآخرين بذريعة إلقاء حجارة على الجيش، فضلا عن عمليات تفتيش بحثا عن أسلحة.
مدير نادي الأسير الفلسطيني أمجد النجار، يقول للجزيرة نت إن كل أذرع المؤسسة الإسرائيلية باتت تستهدف فلسطينيي الضفة الغربية بالملاحقة والاعتقال، مضيفا أنه "لم يبقَ إلا تجنيد الدفاع المدني (الإسرائيلي) في المهمات الأمنية، وملاحقة أبناء شعبنا".
ويشير النجار إلى "ضوء أخضر لكل منظومة الأمنية أن تمارس دورا أمنيا بكل ما يتعلق بحياة الشعب الفلسطيني".
وتابع أن هذا التحول وتعميق دور الشرطة في الضفة "بدأ بالتزامن مع العدوان على غزة" بهدف مركزي هو "شطب حلم الدولة الفلسطينية والمضي في عملية الضم ضمن القرارات الجديدة المعلن عنها الأحد".
وقال النجار إن ما يحدث في كل مناطق الضفة يعطي مؤشرا "خطيرا جدا بالاقتراب أكثر لمرحلة الضم"، لافتا إلى خضوع فلسطينيي الضفة لإجراءات قانون الطوارئ في إسرائيل والذي مدد حتى مارس/آذار المقبل، مما يعني "استباحة كل ما هو فلسطيني" لدرجة مصادرة أملاك خاصة كالمركبات دون إجراءات حتى وفق القوانين الإسرائيلية.
ولفت إلى أن سلطات الاحتلال تجاوزت في ملاحقتها الفلسطينيين حد المشتبه بهم في المشاركة في أفعال المقاومة (اعتقال أمني) إلى اعتقال عمال وحتى مرضى وإيداعهم السجون معتقلين "أمنيين" وتحويلهم للاعتقال الإداري (بموجب ملف سري ودون محاكمة) لأقل الأسباب كوجود ملف اعتقال قبل 30 عاما، أو الاشتراك في مجموعات إخبارية تنشر صورا يعتبرها الاحتلال تحريضية.
وكشف محام فلسطيني -يزور بعض السجون الإسرائيلية وفضل عدم الكشف عن اسمه- أنه يعمل في متابعة ملفات الأسرى منذ أكثر من 20 عاما، ولم يصادف خلالها اعتقالات في مناطق السلطة الفلسطينية من قبل الشرطة لأسباب تسمى "أمنية"، كما يجري في الآونة الأخيرة.
وأضاف أن اقتحامات الشرطة إلى جانب الجيش باتت متكررة "وهناك معتقلون لم يعرضوا على جهاز المخابرات وتم حبسهم بناء على لوائح اتهام قدمتها الشرطة بعد تتبع حساباتهم على مواقع التواصل".
من جانبه، يرى رئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الأسرى والمحررين أمين شومان أن ما يجري بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023 هو عدم التنسيق بين أجهزة الأمن الإسرائيلية من مخابرات وشرطة وجيش في عمليات الاعتقال في مختلف المحافظات الفلسطينية.
وقال إن الشرطة تعتقل فلسطينيين بسبب نشاطهم على مواقع التواصل الاجتماعي وبتهم التحريض، وكذلك ينفذ الشاباك والجيش اعتقالات للتهم ذاتها بشكل شبه يومي.
يتابع شومان -في حديثه للجزيرة نت- أنه منذ أن تسلم إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي أواخر 2022، وأصبح مسؤولا مسؤولية مباشرة عن إدارات مصلحة السجون الإسرائيلية، بدأت الشرطة التدخل في عمليات الاعتقال في الضفة، في قضايا لم تكن سابقا من اختصاصها "وهذا شيء جديد".
وأضاف أن ما يجري "تضارب في الأداء والأدوار بين أجهزة الاحتلال"، لكنه في النهاية يصب ضمن محاولات فرض السيادة وضم الضفة.
يتابع شومان "عندما تقوم الشرطة الإسرائيلية بمثل هذه الإجراءات، فهذا يؤكد أن بن غفير لديه سياسة أحادية الجانب يريد تنفيذها من خلال الشرطة الإسرائيلية".
وأضاف أن ذلك بدا جليا من خلال مشاركة الشرطة في مداهمة بيوت عديد من المواطنين الفلسطينيين، وتحديدا في الآونة الأخيرة "من أجل ضرب السيادة الوطنية الفلسطينية في هذه المناطق".
وفي النهاية، تهدف كل الجهود التي يبذلها بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش على أرض الواقع إلى القضاء على الحلم الفلسطيني بإقامة دولة فلسطين وتقطيع أوصال الضفة الغربية، يضيف رئيس الهيئة العليا لشؤون الأسرى.
وبرأيه، فإن قرارات الكابينت الإسرائيلي الأحد "تؤكد أن هناك خطوات حثيثة على أرض الواقع من قبل حكومة اليمين المتطرفة في إسرائيل لفرض السيادة الحقيقية على الأراضي الفلسطينية".
والأحد الماضي، اتخذ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) قرارات تهدف إلى إحداث تغيير جذري في الواقع القانوني والمدني بالضفة الغربية المحتلة بغية تعزيز السيطرة عليها، منها صلاحيات داخل مناطق تدار من قبل السلطة الفلسطينية.
ونقلت هيئة البث عن وزير الدفاع يسرائيل كاتس قوله إن تلك القرارات "تعكس سياسة واضحة لتعزيز الوجود الإسرائيلي في يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية)"، بينما اعتبر مجلس المستوطنات أن الحكومة الإسرائيلية "ترسخ سيادتها على الأرض بحكم الأمر الواقع".
في حين قالت حركة "السلام الآن" اليسارية إن قرارات الكابينت تمثل التفافا متعمدا على المسار التشريعي في الكنيست (البرلمان)، عبر تمرير خطوات ذات طابع سيادي وقانوني بالغ الحساسية .
ويوم 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، صادق الكنيست الإسرائيلي في قراءة تمهيدية على مشروعين قانونيين، أحدهما يقضي بضم الضفة الغربية المحتلة، والآخر بضم مستوطنة "معاليه أدوميم" المقامة على أراض فلسطينية شرق القدس المحتلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة