آخر الأخبار

كيف وصلت “الجماعة الإسلامية” إلى لائحة الإرهاب الأميركية؟ | الحرة

شارك

لم يكن القرار الأميركي عابراً، ولا يمكن قراءته بوصفه إجراءً معزولاً. ففي لحظة إقليمية مشتعلة، أعادت فيها حرب غزة خلط الأوراق ورفع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، صنّفت وزارة الخزانة الأميركية، بالتنسيق مع وزارة الخارجية، “الجماعة الإسلامية” في لبنان منظمة إرهابية أجنبية، كما أدرجت أمينها العام محمد فوزي طقوش على لائحة “الإرهابيين العالميين”.

القرار، الذي شمل أيضاً فروع الإخوان المسلمين في مصر والأردن حيث جرى تصنيفها ضمن قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكلٍ خاص، يهدف كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى استخدام “جميع الوسائل المتاحة لحرمان هذه الفروع من الموارد اللازمة للانخراط في الإرهاب أو دعمه “، مشيراً إلى أن هذه التصنيفات “تعكس الإجراءات الأولية لجهد مستمر ومتواصل لإحباط أعمال العنف وزعزعة الاستقرار التي تقوم بها فروع جماعة الإخوان المسلمين أينما وجدت”.

وسلّط التصنيف الضوء على موقع الجماعات الإسلامية المحلية داخل المشهد السياسي اللبناني، لا بوصفها لاعباً داخلياً فحسب، بل كجزء من محاور إقليمية متشابكة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والسياسية. كما أعاد طرح سؤال قديم – جديد حول حدود الفصل بين العمل الدعوي والسياسي من جهة، والانخراط في الصراعات الإقليمية من جهة أخرى.

أخطر التصنيفات

يأتي القرار تطبيقاً لأمر تنفيذي وقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نوفمبر 2025، كلّف بموجبه وزيري الخارجية ماركو روبيو والخزانة سكوت بيسينت ببدء عملية تصنيف بعض فروع الإخوان المسلمين، وسط مخاوف أميركية متزايدة من دور هذه الجماعة في تمويل الإرهاب ودعم تنظيمات متطرفة، على رأسها حركة حماس.

وفي روايتها الرسمية، تعتبر واشنطن أن جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست في مصر عام 1928، تحوّلت إلى شبكة عابرة للحدود، تضم فروعاً “تنخرط في العنف أو تسهّله وتدعم حملات لزعزعة الاستقرار”، بما يشكّل تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية وحلفائها.

وفي الحالة اللبنانية، يشير البيت الأبيض إلى أن الجناح العسكري المرتبط بالجماعة الإسلامية في لبنان انخرط خلال حرب غزة مع حماس وحزب الله وفصائل فلسطينية في شنّ هجمات صاروخية متعددة على أهداف مدنية وعسكرية داخل إسرائيل.

وبينما تتهم واشنطن فرع الإخوان في مصر بالتحريض على العنف ضد المصالح الأميركية، وفرع الأردن بتقديم دعم مادي لحماس، ترى أن مجمل هذه الأنشطة تسهم في تهديد أمن المدنيين الأميركيين واستقرار المنطقة.

تصنيف “الجماعة الإسلامية” في لبنان، بوصفها فرعاً لجماعة الإخوان المسلمين، كتنظيم إرهابي أجنبي، يعدّ كما يوضح الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين لموقع “الحرة” “من أخطر مستويات التصنيف الأميركي، إذ يضعها في خانة التنظيمات الأكثر عرضة للاستهداف المباشر، وهو تصنيف أشدّ من ذلك الذي طاول جماعة الإخوان المسلمين في دول أخرى كالأردن أو التنظيم الأم في مصر”.

التصنيف الأميركي للإخوان: ما وراء القائمة المختصرة

المسار لم يكن مفاجئاً

تصنيف “الجماعة الإسلامية” في لبنان لم يكن مفاجئاً، كما يقول أمين، بل ثمرة مسار طويل، استند إلى تورّطها في دعم حركة حماس، ووجود صلات مالية وتنظيمية معها ومع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين. ويشير إلى أن “تقارير أميركية تحدثت عن أدوار قتالية ولوجستية لعناصر من الجماعة خلال حرب غزة، ما جعلها من أبرز المرشحين للتصنيف”.

من جانبه يرى الباحث والكاتب السياسي الدكتور مكرم رباح أن القرار الأميركي يشكّل “أداة ضغط مباشرة على حزب الله والمنظومة الداعمة له”، مشيراً إلى أن “الجماعة الإسلامية” في لبنان تُعد “جزءاً من المحور الإيراني، لا سيما من خلال ارتباطها بالحزب وحركة حماس”.

ويؤكد رباح في حديث لموقع “الحرة” أن هذا الضغط يستهدف، وللمرة الأولى، جهة خارج الإطار الشيعي، “في رسالة واضحة مفادها أن توصيف الإرهاب لا يقتصر على طائفة أو دين بعينه”.

في المقابل اعتبرت الجماعة الإسلامية في لبنان أن القرار الأميركي “سياسي وإداري ولا أثر له قانونياً في لبنان”، مشيرة، في بيان صدر في 13 يناير الجاري، إلى أنها مرخّصة وتعمل علناً تحت سقف القانون، وترفض العنف والإرهاب، وتؤكد التزامها بالسلم الأهلي واستقرار لبنان.

هل حان قطاف الإخوان؟

من الدعوة إلى السلاح

تاريخياً، شكّلت “الجماعة الإسلامية” الامتداد التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين في لبنان، وتعود بداياتها إلى خمسينيات القرن الماضي كحركة دعوية واجتماعية قبل أن تُؤسَّس رسمياً عام 1964. وعلى مدى عقود، جمعت بين العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي والسياسي، وشاركت في الانتخابات النيابية وأقامت تحالفات متبدّلة مع قوى لبنانية مختلفة.

غير أن التحوّل المفصلي حصل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حين أنشأت الجماعة جناحها العسكري “قوات الفجر” عام 1982 عقب الاجتياح الإسرائيلي. ورغم تراجع حضوره في مراحل لاحقة، عاد اسم هذا الجناح إلى الواجهة خلال حرب يوليو 2006، ثم بقوة أكبر بعد اندلاع حرب غزة عام 2023، حين أعلن انخراطه في عمليات إسناد انطلاقاً من الجنوب اللبناني.

ومع انتخاب محمد فوزي طقوش أميناً عاماً للجماعة عام 2022، دخل التنظيم مرحلة جديدة من التموضع السياسي من خلال التقرب أكثر من حزب الله وحماس. وفي كلمة ألقاها خلال مؤتمر في إسطنبول في أبريل الماضي، أكد طقوش أن الجماعة انخرطت في حرب غزة “دفاعاً عن فلسطين وإبراءً للذمّة”.

هل انتهى نفوذ الإخوان في الخليج؟

ماذا بعد التصنيف؟

التصنيف الأميركي للجماعة الإسلامية يجعلها وعناصرها وهيكلها التنظيمي وشبكاتها المالية “تحت مجهر الاستهداف الأميركي المباشر”، كما يقول أمين، مشيراً إلى أن هذا الاستهداف قد يتخذ أشكالاً متعددة، من الملاحقة الاستخبارية إلى عمليات خاصة قد تشمل التوقيف أو الاغتيال، في حال اعتبرت واشنطن أن ذلك يخدم مصالحها الأمنية”.

كما يفتح هذا التصنيف الباب أمام تداعيات قانونية ومالية وسياسية واسعة داخل لبنان وخارجه. فعلى المستوى الأميركي، يوضح أمين أن القرار “يتيح تجميد أيّ أصول محتملة للجماعة، وفرض عقوبات على أفراد أو جهات تتعامل معها، ويحدّ من قدرتها على الحركة أو جمع التمويل عبر قنوات دولية، حيث ستكون تحت رقابة أميركية مشدّدة تشمل الملاحقة والمتابعة، مع انخراط إسرائيلي في هذا المسار”.

وذكرت وزارة الخزانة الأميركية في بيان تصنيف فروع الإخوان المسلمين، أن نتيجة لهذه الإجراء، تجمّد جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والكيانات المصنّفة، والموجودة داخل الولايات المتحدة أو الخاضعة لسيطرة أشخاص أميركيين، وأن الأميركيين ممنوعون من التعامل معها.

وأضافت أن انخراط مؤسسات مالية وأشخاص في معاملات أو أنشطة مع الجهات المدرجة على قائمة العقوبات يعرّضهم لمخاطر فرض عقوبات.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي يرجّح أمين فرض قيود صارمة على تنقّل قيادات الجماعة وعناصرها، بما في ذلك في دول شكّلت سابقاً حاضنة لبعضهم، مثل تركيا وقطر، ولا يستبعد إمكان توقيفهم أو مصادرة أموالهم ومؤسساتهم في الخارج”.

داخلياً، توضح الناشطة الحقوقية والمحامية ديالا شحادة أنه “على المستوى القانوني اللبناني، وبغياب أيّ قرار صادر عن القضاء اللبناني أو عن مجلس النواب، لا تترتّب مفاعيل مباشرة للتصنيف الأميركي داخل لبنان، باستثناء ما يتصل بالاتفاقيات المعقودة أو التي قد تعقد بين الدولة اللبنانية والولايات المتحدة”. وتضيف أن “مفاعيل التصنيف تبقى مرتبطة بالعقوبات الأميركية بحدّ ذاتها، وهي لا تلزم لبنان إلا في حال كان ملتزماً بتنفيذها بموجب اتفاقيات ثنائية بين الدولتين”.

وتلفت شحادة في حديث لموقع “الحرة” إلى أن هذه العقوبات “تؤثّر عملياً على التعاملات المصرفية داخل لبنان للأشخاص المعنيين، نظراً لأن المصارف اللبنانية تعمل بالدولار وترتبط بالتزامات دولية مع مؤسسات مالية أميركية”.

أما سياسياً فيرى أمين أن التصنيف “سيؤدي إلى تقليص كبير في هامش تحركات الجماعة وتحالفاتها السياسية، ويفرض عليها مستوى عالياً من الحذر في علاقتها بقوى الممانعة، ولا سيما حزب الله”، ويشدد على أن القرار “يشكّل نقطة تحوّل مفصلية في مستقبل الجماعة ونشاطها الإقليمي”.

من جانبه يتوقع رباح أن تشهد هذه الجماعة “مرحلة إعادة تموضع داخلي، لا سيما مع وجود تيار داخلها لا يتوافق مع التوجه الإيراني الذي تبنّته القيادة في السنوات الأخيرة”.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا