آخر الأخبار

وزير الخارجية الإندونيسي: القانون الدولي يُطبق بمنطق انتقائي

شارك

جاكرتا- ألقى وزير الخارجية الإندونيسي سوجيونو، الأربعاء، الخطاب السنوي للسياسة الخارجية لبلاده، متجاوزا الصيغة التقليدية التي اتسمت بها خطابات سابقيه خلال السنوات الماضية، من حيث عمق التشخيص وحدّة النقد ووضوح الأولويات، إضافة إلى تقديم رؤية أكثر تفصيلا لمقاربة إندونيسيا للمشهد الدولي في ظل التحولات المتسارعة.

واستهل سوجيونو خطابه بالتأكيد على هشاشة النظام العالمي الراهن، مشيرا إلى أن المصالح الوطنية الضيقة باتت تتقدم على مفهوم الأمن الجماعي، وأن القانون الدولي، الذي شكّل تاريخيا ركيزة للاستقرار، أصبح يُطبق وفق منطق انتقائي.

وحذّر من أن انتهاك القواعد المتفق عليها دون مساءلة لا يؤدي فقط إلى تقويض قاعدة بعينها، بل إلى تآكل الثقة بالنظام الدولي برمته، في وقت يعاني فيه نظام الحوكمة العالمية من عجز متزايد عن مواكبة الأزمات، مع تنصل عدد من الدول الكبرى من مسؤولياتها الدولية. واستحضر دروس التاريخ، معتبرا أن العالم يشهد أعراضا مشابهة لتلك التي سبقت انهيار عصبة الأمم، ما أفضى إلى الحرب العالمية الثانية.

مصدر الصورة سوجيونو (الخامس يمين) خلال مراسم تسليم جوائز آدم مالك السنوية التي توزعها الخارجية الإندونيسية (الجزيرة)

منطقة رمادية

ورأى الوزير سوجيونو أن النظام الدولي يتجه اليوم نحو منافسة أشد وتفكك أعمق، في بيئة تتسم بترابط اقتصادي متزايد وصعود دور الفاعلين من غير الدول، ووصف الوضع الراهن بأنه دخول في "منطقة رمادية خطيرة" يختلط فيها السلام بالحرب، بما يجعل سوء التقدير احتمالا قائما.

وأكد أن السياسة الخارجية الإندونيسية ستظل ملتزمة بمبدأ "الاستقلالية والفاعلية" استنادا إلى الدستور، وبما يضمن حماية الأمة والمصالح الوطنية والمساهمة في الحفاظ على النظام العالمي، وحذر من أن الدول التي تفتقر إلى إستراتيجية واضحة أو تفتقد القوة والمرونة ستتحول إلى أدوات في يد الآخرين، مؤكدا أن بلاده لن تسمح لنفسها بالوقوع في هذا الموقع.

إعلان

ووصف العالم بأنه قاسٍ وتنافسي ومتزايد في عدم القدرة على التنبؤ، ما يفرض على الدبلوماسية الإندونيسية أن تقوم على الاستعداد واليقظة والواقعية، والقدرة على إدارة الضغوط والمخاطر والتكيف مع المتغيرات.

وأشار إلى أن التهديدات لم تعد ذات طابع واحد، إذ يمكن أن تنبع من اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار السلع، أو من الفجوات التي تخلقها التكنولوجيا في مجالي التعليم والتوظيف، أو من التدهور الأمني في مناطق مختلفة، مؤكدا أن حماية المواطنين الإندونيسيين في الخارج باتت عنصرا أساسيا في السياسة الخارجية.

من جهة أخرى، شدد سوجيونو على تلاشي الحدود بين الاقتصاد والأمن، معتبرا أن سياسات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا أصبحت أدوات جيوسياسية، وأن "تسليح السياسات الاقتصادية" بات سمة من سمات العصر.

وأوضح أن قوة الدول لم تعد تُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرتها على الصمود والتكيف. وانطلاقا من المادة 33 من دستور عام 1945، أكد أن الدبلوماسية الاقتصادية تمثل جوهر الدبلوماسية الإندونيسية، وتهدف إلى تعزيز النمو والمرونة الاقتصادية.

آسيان والتعددية

وأشار إلى أن جاكرتا، رغم التباطؤ الاقتصادي العالمي، تستند إلى أسس قوية تشمل معدلات نمو تفوق المتوسط العالمي، وتضخما تحت السيطرة، وفائضا تجاريا، وتدفقا مستمرا للاستثمارات، ما يعزز مكانتها الدولية ويدعم دورها النشط والمستدام.

إقليميا، رأى سوجيونو أن أهمية رابطة دول جنوب شرق آسيا ( آسيان) تتزايد في ظل تصاعد عدم اليقين الجيوسياسي، لكنه شدد على أن قوتها مرهونة بالحفاظ على وحدتها ومركزيتها.

واعتبر أن الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال العام الماضي أظهرت هشاشة بعض مبادئ آسيان، داعيا إلى العودة إلى هدفها الأصلي بوصفها فضاء سلميا خاليا من استعراض القوة، وموجها نحو رفاه شعوبها.

وأكد أن الرابطة تظل آلية جماعية فعالة لإدارة الخلافات ومنع تحول المنافسات إلى صدامات، مشددا على أهمية تعزيز رؤيتها لمنطقة المحيطين الهندي و الهادي، واستكمال الجهود المتعثرة منذ سنوات لوضع مدونة قواعد السلوك في بحر جنوب الصين، بما يتماشى مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وعلى الصعيد الدولي، انتقد سوجيونو حالة التآكل التي تتعرض لها التعددية، معتبرا أن الخطر لا يكمن في قيمها، بل في بنيتها التي لم تعد تواكب الواقع الجيوسياسي والاقتصادي والأمني المتسارع، ورأى أن التعددية تمثل أداة إستراتيجية لتوسيع هامش الحركة في ظل تصاعد منطق القوة الصلبة، وضمان ألا يصبح البقاء مسألة صفرية.

وأكد أن بلاده لن تربط مصالحها الوطنية بتعددية عاجزة، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل بعالم بلا قواعد، وستواصل العمل من داخل النظام الدولي للدفع باتجاه إصلاحه.

الدبلوماسية الاقتصادية

وأشار إلى فوز جاكرتا بـ10 مناصب مهمة في منظمات دولية خلال عام 2025، عادًّا ذلك تعبيرا على النفوذ والتأثير وليس مجرد أرقام. كما أعلن تولي بلاده أدوارا قيادية بدءا من سنة 2026، من بينها عضوية مجلس مراجعي حسابات الأمم المتحدة، ورئاسة مجلس حقوق الإنسان، إلى جانب ترشحها لعضوية غير دائمة في مجلس الأمن للفترة 2029-2030.

إعلان

وأكد وزير الخارجية سوجيونو أهمية الانخراط في أطر متعددة مثل تكتل بريكس و مجموعة العشرين ومنتدى أبيك و منظمة التعاون الإسلامي، واصفا ذلك بالتنويع الإستراتيجي.

واعتبر أن العالم الإسلامي شريك محوري لإندونيسيا، انطلاقا من تجربتها كأكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، وما تتمتع به من سجل في الاعتدال، مشيرا إلى خطوات عملية لترجمة هذه الدبلوماسية، من بينها مبادرة قرية الحج الإندونيسية في مكة المكرمة لتحسين خدمات الحجاج.

وفي ختام خطابه، شدد الوزير على أن الأزمات في العالم الإسلامي لا تزال تُترك دون حلول حقيقية، مستشهدا بغزة مثالا صارخا على ذلك.

وأكد أن استقلال فلسطين وسيادتها جزء من الالتزام الدستوري لإندونيسيا، وأن الدبلوماسية لا ينبغي أن تفقد بعدها الأخلاقي، كما أشار إلى دور بلاده في مناقشات إنشاء قوة دولية للاستقرار في غزة كإجراء مؤقت، مع التأكيد على أن حل الدولتين يظل الهدف النهائي لتحقيق السلام.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا